مشاهير الكرد في التاريخ

( الحلقة السادسة والخمسون والأخيرة )

المفكر الثائر عبد الرحمن الكواكبي

(توفي سنة 1902 م)

البيئة.. والفكر

ظاهرتان اثنتان تلفتان الانتباه في سيرة معظم المفكرين والأدباء الكرد:

- الأولى نزوعهم إلى الفكر العلمي المنفتح.

- والثانية نفورهم من القهر ووقوفهم ضد الاستبداد.

والحقيقة أن هاتين الظاهرتين تستحقان دراسة تحليلية معمَّقة وشاملة، وأحسب أن (ثقافة التكوين) التي تستقر (سيكولوجيا الجبال) في صميمها، والتي تشكلت الشخصية الكردية في أحضانها، تسهم بشكل فاعل في نشأة هاتين الظاهرتين، فالبيئة الطبيعية لمَواطن الكرد تزخر بالتنوّع والانفتاح على الآخر، فصار التنوّع جزءاً من رؤيته إلى الحياة والكون، كما أن قمم الجبال وصلابتها عوّدته عشق الحرية، وربّته على النزوع إلى رفض القهر والاستبداد.

وتتجلى هاتان الظاهرتان في سيرة عدد من المفكرين والأدباء الكرد القدامى ونتاجهم، نذكر منهم على سبيل المثال الفيلسوف المتصوف شهاب الدين السَّهْرَوَرْدي (قتل سنة 587 هـ/1191 م)، والمفكر الفيلسوف السيف الآمدي (ت 632 هـ)، وقد ذكر الشهاب الآلوسي في كتابه ( نزهة الألباب ) أنه لما دخل الشيخ خالد النقشبندي (شيخ الطريقة النقشبندية، توفي سنة 1242 هـ / 1827 م) بغداد، قال له محدّث العراق النور علي السويدي البغدادي في جمهور كبير:

 " بئس ما يفعله أكثر علماء الأكراد اليوم؛ لاشتغالهم بالعلوم الفلسفية، وهجرهم لعلوم الدين كالتفسير والحديث، عكس ما يفعله علماء العرب. فقال له المترجم: كِلا الفريقين طالب بعلمه الدنيا الدنية، وطلبها بقال أرسطو أو قال أفلاطون خير من طلبها بقال الله وقال رسوله، فإن الدنيّ يطلب بدنيّ مثله ". فسكت السويدي.

وقديماً كان حماة الفكر الظلامي لا يسمحون بالإفصاح عن الآراء المتحررة، وكانوا سرعان ما يطوّقونها، ويفتكون بأصحابها، ويرمون بها في ظلمات التاريخ، غير أن الصورة تغيّرت بعض الشيء مع العصر الحديث، وبعد وصول أفكار الثورة الفرنسية (1789 م) إلى الشرق مع حملة نابليون سنة (1798-1801)، ولو تتبّعنا الآراء المتحررة على الصعيد الديني، والاجتماعي، والسياسي، في غربي آسيا منذ أوائل القرن العشرين، لوجدنا أن للعلماء والأدباء الكرد بينهم حصةً متميّزة.

وحسبي أن أشير في هذا المجال إلى الآراء الجريئة لكل من الشاعرين الكرديين جميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي في العراق، وآراء قاسم أمين بشأن تحرير المرأة في مصر، وكذلك التجديد الذي أدخله كل من الأخوين محمود تيمور ومحمد تيمور في مجال القصة، والطريقة الجديدة التي أدخلها العلاّمة أحمد أمين في قراءة التاريخ، والتجديد الديني الذي قام به العلاّمة سعيد نورسي في تركيا. ونتناول في هذه الحلقة ثورة فكرية أحدثها عبد الرحمن الكواكبي، على صعيد الفكر السياسي والاجتماعي، في بلاد الشام ومصر.

لكن قبل ذلك: ماذا عن أصل هذا المفكر؟

وماذا عن سيرته؟

ما أصل الأسرة الكواكبية؟

سؤال في غاية الأهمية، ولا قيمة لإدراج اسم عبد الرحمن الكواكبي ضمن قائمة مشاهير الكرد، ما لم نُجب عن هذا السؤال، وقد اختلفت المعلومات والآراء في هذا الشأن، وإليكم بعض ما قيل في ذلك:

§  " يبدو أن أول من اشتهر منهم بالكواكبي هو محمد أبو يحيى الكواكبي ابن صدر الدين الأردبيلي، ونَسَبه كما رأينا إلى بيت الصفوي، انتقل إلى حلب ولبث فيها، وعُرف بالكواكبي؛ لاتصال أحد أسلافه بآل الكواكبي من جهة النساء المعروفين عندنا بهذا النسب، كما يقول المؤرخ الأستاذ كامل الغَزّي في مجلة الحديث " (سامي الدهّان: عبد الرحمن الكواكبي، ص 13).

§  بشأن أبي يحيى الكواكبي: " قال المؤرخون فيه إنه كان حنفياً، يُعرف من قبل بالبيري نسبة إلى (البِيرة) قرب حلب، ثم عُرف بالكواكبي، لأنه كان مبدأ أمره حداداً يعمل بالمسامير الكواكبية، ثم فتح الله عليه، فسلك طريق الصوفية، وحصلت له شهرة زائدة، حتى كانت الأمراء تأتي إلى بابه، ... وربما كان يسير في طرقات حلب، فيهتمّ الناس بتعظيمه وتقبيل يديه " (سامي الدهّان: عبد الرحمن الكواكبي، ص 13).

§  " يرى المؤرخون أن الكواكبي ينتهي نسبه إلى علي بن أبي طالب، ويذكرون في شجرة النسب عَلَمين من أَرْدَبيل، هما صفي الدين الأردبيلي، وصدر الدين الأردبيلي، ويقولون: إن من أحفاد الشيخ صفي الدين الأردبيلي رجل يسمى (علي سياه بوش) خرج إلى بلاد الروم، ولما وصل إلى حلب بقي فيها، وتزوّج من حلبية، ثم رجع إلى بلاده، ومن ذريته كان الكواكبي " (محمد عبد الرحمن برج: عبد الرحمن الكواكبي، ص 46).

§  قال عباس محمود العقاد: " ينتسب الكواكبي من أبويه إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه"، وأورد العقاد نسباً طويلاً للأسرة الكواكبية، نجد في سلسلته صدر الدين موسى الأردبيلي، وصفي الدين إسحاق الأردبيلي، وفيروز شاه البخاري، واعتمد العقاد في ذلك على ما نقله الشيخ راغب الطباخ في كتابه (أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء)، ونقله الطباخ بدوره من كتاب (النفائح واللوائح من غرر المحاسن والمدائح) لمؤلفه حسن بن أحمد بن أبي السعود الكواكبي (العقاد: عبد الرحمن الكواكبي، ص 40 -41).

§  ذكر المؤرخون من آل الكواكبي " أن نسبهم من جهة الأم يتصل بمحمد الباقر بن علي زين العابدين بن الإمام السبط الشهيد الحسين، وأن في هذا النسب بني الزهراء " (سامي الدهّان: عبد الرحمن الكواكبي، ص 12).

§  " آل الكواكبي أسرة قديمة في حلب، هاجر إليها أجدادهم منذ أربعة قرون، ولهم شهرة واسعة ومقام رفيع في حلب والأستانة، ويرجعون بأنسابهم إلى السيد إبراهيم الصفوي أحد أمراء أردبيل العظام، ولهم آثار مشهورة منها المدرسة الكواكبية في حلب، ونبغ منهم جماعة كبيرة من العلماء ورجال الإدارة " (جرجي زيدان: تراجم مشاهير الشرق، 2/439).

§  " والأسرة التي ينتسب إليها هي أسرة عربية قديمة، عاش أجدادها في حلب، وكان قدوم أولهم إليها، وهو إبراهيم الصفوي الذي توفي فيها عام (851 هجرية = 1447 ميلادية)، وقد قَدِم من أردبيل مقرّ الأسرة الصفوية إلى الرَّحْبة أولا... على الفرات، ... ثم انتقل إلى البيرة [بيره جِكْ، تابعة لولاية أورفا الكردية في جنوب غربي تركيا حالياً] وهي على الفرات أيضاً، وانتقل بعدها إلى حلب، وتزوج من أسرة (بني زهرة) نقباء أشرافها. وإبراهيم الصفوي الأردبيلي هذا من الأسرة الصفوية العربية المنتسبة إلى صفيّ الدين الأردبيلي، وقد تولى بعضهم حكم إيران، ومنهم الشاه إسماعيل الصفوي ". (الكواكبي: الأعمال الكاملة للكواكبي، المقدمة بقلم حفيده عبد الرحمن الكواكبي، ص 16).

§  " خلّف إبراهيم الصفوي ابناً هو محمد (أبو يحيى الكواكبي)، وهو أول من لُقّب بالكواكبي، تخصص بالعلوم الدينية، واشتهر بالعلم والتقوى، وكان يلقي دروسه في مسجد ابتناه في حيّ الجَلُّوم، وهو ما زال قائماً إلى اليوم، ودفن فيه عند وفاته في عام (897 هـ = 1491 م)، وقد أمر السلطان قانصوه الغُوري كافله في حلب سيباي الجركسي بإشادة قبّة فوق ضريحه، وبجانب المسجد توجد المدرسة الكواكبية، حث تلقّى أبناء الأسرة علومهم (السابق، ص 17).

إن هذه المعلومات تفصح عن اتجاهين:

1 – الاتجاه الأول يرى أن أسرة الكواكبي تنتسب إلى الإمام الحسين بن علي، عبر الشيخ صفي الدين الأردبيلي جد الأسرة الصفوية، ولذلك عُدّت أسرة عربية الأصل.

2 – الاتجاه الثاني يرى أن أسرة الكواكبي تنتمي إلى آل البيت من جهة النساء فقط، باعتبار أن الجد إبراهيم الصفوي تزوّج من أسرة (بني زهرة)، وهي أسرة من الأشراف (آل البيت).

والملاحظ أن أبناء الأسرة الكواكبية هم أكثر المتحمسين لمسألة انتماء الأسرة إلى آل البيت وإلى العرب، لكن الجميع متفق على أن الأسرة ليست حلبية عريقة، وإنما قدمت من أردبيل، وأنها سليلة الأسرة الصفوية.

أما الدكتور كميل الحاج في كتابه (الموسوعة الميسرة في الفكر الفلسفي والاجتماعي، ص 470) فذكر معلومة مختلفة، وقال في ترجمة عبد الرحمن الكواكبي ما يلي: " مفكر إسلامي إصلاحي سوري، ولد في قرية الحديث بالقرب من حلب، من أسرة كردية غنية "، ولم يذكر الدكتور كميل المصادر التي استقى منها معلومته هذه، ومع ذلك لا نشك في أنه لم يختلقها اختلاقاً، ولا بد أنه اطّلع عليها في مصادر معيّنة، إذ لا يُعقل أن يؤلف باحث موسوعة علمية ضخمة محترمة، ويضمّنها معلومات مختلقة، يحتطبها كيفما كانت.

ومهما يكن فقد يبدو للوهلة الأولى أن ثمة تناقضاً واضحاً بين ما ذهب إليه الحاج وما ذهب إليه الآخرون- ولا سيما أبناء الأسرة الكواكبية- بشأن أصل الأسرة الكواكبية، والحقيقة أنه لا تناقض، وإنما الأمر بحاجة إلى القيام بالحفر العميق في طبقات تاريخ غربي آسيا، ثم ربط المعلومات بعضها ببعض، ورفدها بمعلومات أخرى، لسدّ الثغرات وإضاءة المناطق الغامضة والمظلمة في الصورة الكلية، وأسوق في هذا المجال معلومتين:

§المعلومة الأولى: جاء في كتاب (مذكرات مأمون بك بن بيگه بك، ص 19 – 20، هامش 9) لصاحبه (مأمون بك بن بيگه بك)، بشأن ترجمة الشاه إسماعيل الصفوي ما يلي: " إسماعيل بن حيدر بن الشيخ جُنيد الصفوي من أحفاد الشيخ صفي الدين الأردبيلي الذي كان صوفياً ورعاً من قرية سنجان الكردية، صاهر الشيخ زاهد الگيلاني الكردي ". وهوامش الكتاب من إعداد معرّبَي الكتاب الأستاذ محمد جميل الروژبياني والأستاذ شكور مصطفى، وواضح، من خلال المعلومات التاريخية والجغرافية التي كتبها المعرّبان في الهوامش، أنهما خبيران بتاريخ العراق وكردستان وإيران.

§المعلومة الثانية: أوردها مهرداد إيزادي Mehrdad R. Izady في كتابه (The Kurds، ص 50)، واستمدها من كتاب بالفارسية عنوانه (صفوة الصفاء)، وهو في مناقب الشيخ صفي الدين إسحق الأردبيلي (ت 1334 م)، ومن تأليف ابن البزّاز الأردبيلي، وكتب مهرداد ما يلي: " ذكر ابن البزّاز أن بِيرُوز شاه زَرِّينْ كُولاّه Piroz Shah Zarrin Kullah، جد الشيخ صفي الدين، كردي، وقد هاجر مع عشيرة كردية كبيرة من منطقة سنجار في سوريا الحديثة خلال القرن العاشر الميلادي، وكانت العشيرة دِمِلية Dimila على الغالب، واستقرت في المنطقة الجبلية الواقعة جنوب غربي بحر قزوين، قرب أردبيل، ... وعاش صفي الدين حياة تقية في أردبيل، وكان سُنّياً شافعي المذهب، مثل معظم الكرد إلى الآن، والأبيات القليلة الباقية من شعره  أقرب إلى اللهجة الدملية (الدُنْبُلية) منها إلى اللهجة الكرمانجية ".

وأعتقد أن هاتين المعلومتين مهمتان جداً، وعلى ضوئهما يمكن إزالة الغموض الذي يحيط بالأسرة الصفوية، وعلى ضوئهما أيضاً، يمكن تصحيح الأخطاء المتعلقة بأصل الأسرة الكواكبية، سليلة الأسرة الصفوية، والتثبّت من أنها أسرة كردية الأصل كما ذكر الدكتور كميل الحاج في موسوعته.

ماذا تقول الجغرافيا؟

وللتوضيح أكثر دعونا نستعن بالجغرافيا، إذ لا تاريخ من غير جغرافيا:

§ذكر حاجي خليفة اسم كتاب (صفوة الصفا) في كتابه (كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون)، وقال ما يلي: " صفوة الصفاء، فارسي، في مناقب الشيخ  صفي الدين الأردبيلي وآبائه وأولاده، للمتوكل بن إسماعيل البزّاز، ذكره خواندمير في (حبيب السير) ". وقد ألف ابن البزّاز كتاب (صفوة الصفاء) سنة  (1357 م)، وكان معاصراً للشيخ صفي الدين، وقام بزيارته.

§عبارة (زَرّين كولاّه Zarrin Kullah) كردية صرف، وتعني (صاحب القَلَنْسُوة الصفراء، أو الذهبية)، وها هنا يمكننا ملاحظة العلاقة بين اللون الأصفر الذهبي ولون الشمس، وصلة ذلك بمكانة الشمس في الميثولوجيا الكردية.

§أضاف مهرداد إيزادي في كتابه (The Kurds، ص 50) يقول: " إن الحضور الكردي لم يغب عن منطقة أذربيجان، وعلى الرغم من سيطرة الترك على سهول أذربيجان غرباً، منذ أيام الشيخ صفي الدين، ما تزال قبيلتان كرديتان تقيمان، إلى هذا اليوم، في الجبال الواقعة جنوبي أردبيل، وهما قبيلة شاترانلو Shatranlu، وقبيلة كردبگلو Kurdbeglu ". ونضيف إلى ما قاله مهرداد أن الحضور الكردي في أذربيجان يعود إلى العهد الميدي، ولم تتغير الديموغرافيا الكردية في أذربيجان إلا بعد الغزو السلجوقي في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، وقضاء السلاجقة على الدولة الشَّدّادية الكردية التي كانت قائمة في أذربيجان، وبالذات في المنطقة التي تقع فيها أردبيل، ثم عزّز الغزو التتري بقيادة تيمورلنك خلخلة الحضور الكردي في تلك المنطقة، وجعل السيادة للتركمان وللغة التركية.

§عُرف الشيخ صفي الدين باسم صفي الدين إسحاق السنجاني الأردبيلي، وتقديم لقب (السنجاني) على لقب (الأردبيلي) دليل على أن الأسرة الصفوية تعود بجذورها إلى (سنجان)، وليس إلى (سنجار)، وأحسب أن ثمة تصحيفاً بين (سنجان و سنجار) في المرجع الذي استقى منه مهرداد المعلومة، والتصحيف في مثل هاتين الكلمتين ممكن بل كثير، كما أن القسم الأكبر من منطقة سنجار يقع حالياً في العراق وليس في سوريا.

§بالعودة إلى كتب البلدان تبيّن أن (سَِنجان) اسم لقرى في عدة مناطق، منها قرية بباب الأبواب، حسبما ذكر ياقوت الحموي في (معجم البلدان، 3/263) وباب الأبواب هذا يقع في القوقاز على التخوم الشمالية للمناطق الكردية.

§قال المقدسي في كتابه (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ص 374): "وأما أرمينية فإنها كورة [منطقة فيها قرى] جليلة ... قصبتها دَبيل، ومن مدنها: بَدليس، خِلاط، أَرْجيش، بَركري، خُوي، سَلماس، أُرْمية، داخرقان، مَراغة، أَهْر، مَرَِنْد، سَِنْجان، قاليقلا، قندرية، قلعة يونس، نورين ".

§لن نشغل أنفسنا الآن بالخلل في استعمال المصطلح الجغرافي عند بعض المؤرخين والجغرافيين المسلمين القدماء، فالمقدسي مثلاً جعل أرمينيا تشمل قسماً من أذربيجان ومن شمالي كردستان، وذكر مدينة (مَرَنْد) ضمن مدن أرمينية، ثم عاد فذكرها ضمن مدن أذربيجان، بلى لنرح أنفسنا الآن من هذه المعضلة، ولنقرأ ما قاله المقدسي ( أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ص 377) في وصف بعض تلك المدن، قال: " دَبيل: بلد جليل عليه حصن منيع، والخير به كثير، اسمه كبير... يضبطه الأكراد ". وقال ( أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ص 377): " سَلماس: طيبة عليها حصن من طين وحجارة، وبها نهر غزير، والجامع على طرف السوق قد أحاط بها الأكراد ". وقال (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ص 377): " مَرَنْد حصينة يحدق بها البساتين، لها ربض عامر والجامع .... قندرية مدينة أحدثها الأكراد ". وما لم يقله المقدسي أن (مَرَنْد) مدينة كردية، كان صاحبها في القرن الثالث الهجري عِصْمة الكردي، وهو من أشهر القادة الميدانيين في ثورة بابك الخُرَّمي ضد الدولة العباسية، وقد  قُبض على عصمة غدراً، وقتل سنة (218 هـ)، وللمزيد انظر (حسين قاسم العزيز: البابكية، ص 177. وMehrdad Izady: The Kurds, p. 42. ).

إن هذه المعلومات الجغرافية لا تدع مجالاً للشك في أن (سنجان) قرية أو مدينة كردية حقاً، وأن بيروز شاه زرّين كولاّه، الجد الأكبر للأسرة الصفوية، كان كردياً، وهو نفسه فيروز شاه الذي ذكره العقاد في سلسلة نسب الأسرة الكواكبية، نقلاً عن الشيخ راغب الطباخ كما مر، وانتقل الجد الأكبر بيروز شاه من جغرافيا كردية إلى جغرافيا شبه كردية. ولنا أن نخلص من كل ما سبق إلى أن مهرداد إيزادي، وغيره من الباحثين الكرد، كانوا على صواب حينما أكدوا الأصل الكردي للأسرة الصفوية، وأن الدكتور كميل الحاج كان على صواب أيضاً حينما ذكر أن عبد الرحمن الكواكبي من أسرة كردية.

 وبقي أن نقف عند أمرين:

الأمر الأول: حقيقة الأسرة الصفوية، ولنعد إلى حفريات التاريخ مرة أخرى، فقد علمنا أن الشيخ صفي الدين إسحاق كان سنّياً شافعي المذهب، وظل الأمر كذلك في عهد ابنه الشيخ صدر الدين موسى، ثم في عهد الشيخ علاء الدين (1392 – 1449 م)، وفي عهد هذا الشيخ اجتاح تيمورلنك غربي آسيا، وانتصر على السلطان العثماني بايزيد الأول، وأسر آلافاً من جنوده التركمان، وكان تيمورلنك يجلّ مشايخ الطرق الصوفية، فزار في طريق العودة إلى عاصمته طشقند مقرّ الشيخ علاء الدين علي، وإكراماً له أفرج عن ثلاثين ألفاً من الأسرى التركمان، ووهبهم له، وصار هؤلاء وأبناؤهم وأحفادهم فيما بعد من أبرز مريدي الأسرة الصفوية، وقوام جيشها، وقوتها الضاربة (عبّاس إسماعيل صبّاغ: تاريخ العلاقات العثمانية - الإيرانية، ص40 - 41).

وقد تحوّلت الأسرة الصفوية من المذهب السنّي إلى المذهب الشيعي الاثني عشري على يد  الشيخ حيدر (1460 – 1488 م) ابن الشيخ جُنيد، ابن الشيخ إبراهيم، ابن الشيخ علاء الدين علي، وانتقلت الطريقة الصفوية من الطور الديني إلى الطور العسكري؛ إذ نظّم الشيخ حيدر مريديه تنظيماً عسكرياً جيداً، واختار لأنصاره لباساً خاصاً؛ يتميّز بقلنسوة حمراء ذات اثنتي عشرة شقّة (تيمّناً بأئمة الشيعة الاثني عشر)، لذلك عُرف الصفويون عند العثمانيين بأصحاب الرؤوس الحمر (قِزِلْ باش) (عبّاس إسماعيل صبّاغ: تاريخ العلاقات العثمانية - الإيرانية، ص 41).

واستثمر إسماعيل الصفوي (1501 – 1524 م) ابن الشيخ حيدر القوة القَبَلية التركمانية التابعة له من بعد أبيه، وهي قبائل روملو، وشاملو، واستاجلو، وتكه لو، وذلقادر، وقاجار، وأفشار، فوسّع نفوذه، وخاض الحروب ضد حكّام المقاطعات المجاورة لأذربيجان، وأسس الدولة الصفوية بقيادة كردية تركمانية، وبثقافة فارسية، وتوّجه أتباعه التركمان شاهاً على بلاد إيران (عبّاس إسماعيل صبّاغ: تاريخ العلاقات العثمانية - الإيرانية، ص 42- 44).

وبمقارنة بين التواريخ يتضح أن الجد الأول للأسرة الكواكبية (إبراهيم الصفوي) قدم إلى غربي كردستان (البيرة = بيره جيك) خلال الغزو التيموري لغربي سيا، وأن الأسرة الصفوية كلها كانت حينذاك سنية المذهب.

والأمر الثاني: لماذا لم يفصح أبناء الأسرة الكواكبية عن أصلهم الكردي، مع علمهم بأن جدهم الأول إبراهيم هو من الأسرة الصفوية؟ ولماذا ألحّ المتأخرون منهم على الانتساب إلى آل البيت، وألحّ الحفيد عبد الرحمن بن فاضل بن عبد الرحمن الكواكبي على عروبة الأسرة؟

الأمر مُشكل حقاً، ونرى من جانبنا ما يلي:

1 – كان سادة الطرق الصوفية- وما زالوا – حريصين على الانتساب إلى آل البيت؛ لعلمهم بأن المسلمين، ولا سيما العَوامّ- يجلّون كل من ينتسب إلى ذرية السيدة فاطمة بنت النبي محمد، ويضفون عليهم القداسة، وكانوا سادة الطرق الصوفية يعلمون أن الانتساب إلى آل البيت يجلب لهم المريدين والأموال، إضافة إلى احترام الحكام، فكيف يُفلت الشيخ الكردي صفيّ الدين أو أحد أولاده هذه الكيمياء السحرية من يده، فلا يتجرد من كرديته، ولا يدّعي النسب العربي؟! وما الذي يمنعه في ذلك الوسط البدائي من الانتساب إلى آل البيت، وهو الرجل المعروف بالزهد والتقوى والصلاح، وتلك هي الخصال المشهورة عن آل البيت؟!

2 – بعد أن اصطنع الجد تلك الكيمياء السحرية (الانتساب إلى آل البيت)، وبنى بها مجداً رفيعاً، حتى عند الغزاة العتاة من أمثال تيمورلنك، كان من الغباء أن يتخلّى أبناؤه وحفدته عن المكاسب الثمينة، ويخسروا المزايا التي تجرّها عليهم تلك الكيمياء، ومعلوم أن معظم أصحاب الطرق الصوفية يخفون تحت عباءة التقوى فلسفة براغماتية انتهازية في الغاية من الذكاء، وخير دليل على ذلك أنهم كانوا على وئام مع الحكّام المستبدين طوال تاريخهم، وكان هؤلاء يفخّمون شأنهم بين العامة، ويبنون لهم الخانكاهات، وحبّذا العودة إلى رواية (الطريق الوحيدة) للكاتب التركي الجنسية عزيز نيسين، لنجد كيف تعاونت السلطة مع الآغا، وصنعت من شخص محتال وسكّير ونزيل دائم للسجون اسمه (باشا زاده) شيخاً جليلاً تتبرّك به العامة اسمه (الشيخ العرُياني).

3 – ما الذي يشجّع الأسرة الكواكبية،أو غيرها من الأسر الكردية المستعربة والمستتركة والمستفرسة، على الانتساب إلى الأصل الكردي؟ فقد أشيع في بعض كتب التاريخ الإسلامي (السنّية والشيعية) أن الكرد ليسوا من أبناء آدم الأسوياء، وإنما هم نتاج علاقة الزنا بين الإماء الأوربيات والجن العفاريت الكفار طبعاً، في غفلة من النبي سليمان، وجاء في كثير من تلك المصادر، وفي كتب تفسير القرآن، أن الشخص الذي أشار على نمرود بإحراق النبي إبراهيم كان كردياً، فالكرد إذاً ليسوا أبناء الجن الكفار فقط، بل هم حَرَقة أنبياء الله أيضاً، وجاء في تلك المصادر أيضاَ أن الكرد (أعراب فارس)، وهم المقصودون بعبارة (قوم أُولي بأس شديد) في الآية [ قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ] (سورة الفتح/الآية 16)، وأشيع في كتب التاريخ والبلدان والأدب أيضاً أن الكرد قوم همج، وقطّاع طرق، لا يعرفون غير السلب والنهب، فهل في هذا ما يشجّع مشايخ الطرق الصوفية الأتقياء، وعلماء الدين المحترمين، على الانتساب إلى الكرد؟

4 – ليست الأسرة الصفوية وسليلتها الأسرة الكواكبية وحيدة في إخفاء نسبها الكردي والهرب منه، ألم تفعل الأسرة البَرْمَكية ذلك في العهد العباسي؟ ألم يفعل ذلك في العصر الحديث رجالات الأسرة التيمورية، والمفكر قاسم أمين، وأمير الشعراء أحمد شوقي، والشاعر معروف الرصافي، والعلاّمة محمد كرد علي، وخير الدين الزركلي، وغيرهم كثيرون؟ ومنذ بضع سنوات فَقَد عالم ديني كبير وعريق في كرديته صوابَه، وتناسى الآية القرآنية [وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى] (سورة الأنعام/ الآية 164)، وامتطى صهوة أحد المنابر، وأعلن للملأ بملء فيه أنه يضع نسبه الكردي تحت قدمه، غضباً من مواقف اتخذها بعض الكرد، وعدّها هو من الآثام؟ فهل قرأتم أو سمعتم أن ثمة مفكراً أوعالم دين تبرّأ من نسبه بسبب مواقف معيّنة لبعض أبناء قومه غير علماء الكرد؟ حسناً، إذا كان في التاريخ قديمه وحديثه طوابير من الأسر الكردية التي فرّت من نسبها الكردي، وطوته عن الأعين، فأين هو العجب من أن يفعل جدود الأسرة الكواكبية ذلك أيضاً؟ 

سيرة الكواكبي

بعد هذه الرحلة الطويلة - ولا أشك في أنها كانت متعبة- مع التاريخ والجغرافيا، بحثاً عن الأصل الكردي للأسرة الكواكبية، لنعد إلى سيرة عبد الرحمن الكواكبي،  فثمة اتفاق على أن اسمه هو عبد الرحمن بن أحمد بهائي بن محمد بن مسعود الكواكبي، وأنه ولد بحلب في 23 شوال سنة (1271 هـ = 1855م)، مع اختلاف طفيف في سنة الميلاد، وتوفيت والدته سنة (1276 هـ = 1859 م) وهو في الخامسة من عمره، فكفلته خالته صفيّة النقيب، وكانت متعلمة مثقفة، اصطحبته معها إلى أنطاكية، وهناك تعلم القراءة والكتابة والتركية، وحفظ شيئاً من القرآن الكريم، ثم عاد إلى حلب، وأكمل تعليمه مع شيء من الفارسية، ودرس العلوم الشرعية في المدرسة الكواكبية، ووقف على العلوم الرياضية والطبيعية وغيرها من العلوم الحديثة (سامي الدهّان: عبد الرحمن الكواكبي، ص145- 17. الأعمال الكاملة، ص 18).

ووصف ابنه أسعد أباه عبد الرحمن في مجلة الحديث قائلاً: " كان رَبْعة [متوسط القامة] إلى الطول أقرب، قوي البنية، صحيح الجسم، عصبي المزاج بتأنّ، أشهل العينين، أزجّ الحواجب، أبيض اللون، واسع الفم، عريض الصدر، أسود شعر الرأس والذقن، متأنّق في لباسه، جسوراً غير هيّاب فيما يعزم عليه، يتكلم بجهر هادئ وسلاسة وابتسام، يُحسن السباحة والصيد والفروسية " (الأعمال الكاملة، ص 22).

وتزوّج الكواكبي فاطمة بنت الشيخ محمد علي الكحيل أحد أساتذته، وأنجب منها تسعة أولاد، منهم خمسة ذكور أكبرهم كاظم، وأصغرهم فاضل والد الحفيد عبد الرحمن، ويقول الحفيد عن جده " كان ملتزماً أن يكون نهضوياً في بيته، فكان حريصاً على تربية أولاده ذكوراً وإناثاً أحسن تربية، وعلى تنشئتهم أخلاقياً وثقافياً تنشئة ممتازة، فلقد وجّه أولاده لدراسة العلوم الحديثة، فمنهم طبيبان وصيدلي ومهندس زراعي"، وكان أباً طيّباً رحيماً، شديد العطف على أسرته، كثير المزاح، دَمْث الأخلاق، حلو الحديث، شديد اللطافة، كثير الاهتمام بتفاصيل حياة أسرته (الأعمال الكاملة، ص 18، 21).

ويُفهم مما رواه الحفيد أن أسرة عبد الرحمن الكواكبي كانت غنية، لكنها صارت متوسطة الحال بعدئذ، والسبب أن الجد أضاع الكثير من ماله خلال حياته الحافلة بالنفقات والزوّار والضيوف، ومساعدة الفقراء، ودفع الغرامات التي كانت الدولة تفرضها عليه؛ مما اضطره إلى بيع الأراضي التي كان يملكها، وكان للأسرة أراض خصبة في الريحانية ( في لواء الإسكندرون، تقع جنوبي منطقة عفرين)، وكان في تلك الأراضي مياه وبساتين، وقد صادرتها الإدارة العثمانية، وأسكنت فيها جماعة من التركمان (الأعمال الكاملة، ص 20 - 21).

ويبدو أن الأسرة الكواكبية كانت في خصومة مع أسرة شيخ الإسلام أبي الهدى الصيادي الحلبي، شيخ الطريقة الرفاعية، وشيخ مشايخ الطرق في الدولة العثمانية، بشأن نقابة الأشراف، وقد ظفر أبناء أسرة الصيادي بها، نتيجة رضا الحكّام عنهم، ونفورهم من الأسرة الكواكبية (العقاد: عبد الرحمن الكواكبي، ص 48).

وكان الكواكبي يجمع بين الثقافة الواسعة والنزعة العلمية، إنه كان رجل العلم والعمل، وكان في جميع الأحوال رجل الإصلاح، وقد مال منذ حداثة سنّه إلى صناعة القلم، واشتغل في تحرير جريدة (فُرات) التي كانت تصدر بحلب باسم الحكومة، وأنشأ سنة (1878 م) جريدة (الشهباء)، بالاشتراك مع هاشم العطار، وهي أول جريدة عربية صدرت في حلب، وأغلقت الجريدة بأمر الوالي العثماني بعد صدور (15) عدداً، فأنشأ الكواكبي جريدة (الاعتدال) سنة (1789 م) بالعربية والتركية، فألغاها الوالي العثماني أيضاً، و قد عُيّن عضواً فخرياً (بغير راتب) في لجنتي المعارف والمالية، ثم عيّن عضواً فخرياً في الأشغال العامة، ثم محرراً للمقاولات، ثم عيّن عضواً فخرياً في لجنة امتحان المحامين، وكانت الحكومة جعلته مديراً فخرياً لمطبعة الولاية الرسمية سنة (1882 م)، ورئيساً فخرياً للجنة الأشغال العامة (سامي الدهّان: عبد الرحمن الكواكبي، ص 21).

وكان حب الإصلاح وحرية القول باديتين في كل عمل من أعمال الكواكبي، ولما عُيّن رئيساً لبلدية حلب سنة (1892 م) قام بإصلاحات كثيرة،  منها أنه جرّ خطاً حديدياً من مرفأ السويدية إلى حلب، وسعى في جرّ مياه نهر الساجور قرب مدينة عينتاب إلى حلب، وسعى لإنارة المدن بالكهرباء في حلب وفي أطرافها بِيره جِك ومرعش وأورفا، وكانت تابعة آنذاك لحلب، بوساطة شلال يحدثه من نهر العاصي قرب مدينة دَرْكُوش، وقام بتجفيف أراضي العمق، كما أنه قطع أسباب الرشوة بأن زاد في رواتب عمال البلدية وموظفيها، وعندما عزله الوالي من رئاسة البلدية  أعاد رواتب العاملين في البلدية إلى ما كانت عليه، وألزم الكواكبي بدفع ما كان زاده لهم مدة رئاسته إلى صندوق البلدية (سامي الدهّان: عبد الرحمن الكواكبي، ص 24- 25. الأعمال الكاملة، ص 23).

وقد أمضى الكواكبي الشطر الأكبر من عمره في عهد السلطان العثماني عبد الحميد (1876 – 1909)، ومعروف أن عهد هذا السلطان كان عهد القهر والاستبداد، وكان من الطبيعي أن يقف الكواكبي- وهو مثقف متنوّر محب للعدالة والحرية، مدافع عن كرامة الإنسان- موقف الغاضب على الاستبداد والمستبدين، واكتشف أن الولاة ورجال الحكم لن يتركوا المجال له أو لغيره كيف يُصلحوا الأمور، وأدرك أن الإصلاح لا بد أن يكون شاملاً، ويكون على صعيدين اثنين:

§  الصعيد الأول ثقافي: ويتمثل في نشر العلوم، ليس العلوم التقليدية (الشريعة، الأدب، ...) فقط، وإنما العلوم العقلية والتقنية أيضاً.

§  الصعيد الأول سياسي: ويتمثّل في تغيير الفكر السياسي الاستبدادي الذي رسّخته السلطنة العثمانية في العقول والنفوس.

وقد نذر الكواكبي نفسه لتنفيذ مشروعه الإصلاحي الشامل، فبدأ بتأليف كتابه الأول (أمّ القرى)، ونشر بعض أفكاره بين بعض المثقفين والشبيبة، لكن كيف له أن يستمر في نشاطه التنويري وجواسيس الحكومة يتابعونه، ويحصون عليه كلماته وأفعاله؟ وقرر الكواكبي السفر إلى مصر ليتمكن من نشر أفكاره، إذ كانت مساحة حرية الكلمة هناك، في ظل أسرة محمد علي باشا، متاحة إلى حد ما، وكانت مصر حينذاك ملجأ لعدد من مثقفي بلاد الشام الآخرين، ومنهم الشيخ رشيد رضا، واحتفظ الكواكبي بقرار السفر إلى مصر سراً، وأخفاه حتى عن أسرته، وأوهم الجميع أنه مسافر إلى إستانبول لأمور تتعلق بوظيفته الجديدة في راشيّا بلبنان، ووصل إلى القاهرة عبر ميناء الإسكندرون فميناء الإسكندرية سنة (1899 م)، وسكن في حي الإمام الحسين قرب جامع الأزهر.

وفي القاهرة طبع الكواكبي كتابه (أم القرى) بتوقيع مُغْفل هو (السيد الفراتي)، وكان قد أخذه معه مخطوطاً من حلب، وعندما طبعه أرسل نسختين إلى الخديوي عباس، ونسخةً إلى كل من الشيخ محمد عبده، والشيخ علي يوسف صاحب جريدة (المؤيَّد) القاهرية، وسُرّ الخديوي بالكتاب، وطلب من محمد عبده واليوسف السعي لمعرفة صاحبه، ففعلا ذلك، وكان الخديوي عبّاس يطمح إلى منصب الخلافة، وبما أن الكواكبي قد دعا في (أم القرى) إلى نزع الخلافة عن الترك، وإرجاعها إلى العرب، فقد لقيت هذه الدعوة صدًى طيباً عند الخديوي، ووجد أنها تخدم مشروعه السياسي الطموح (الأعمال الكاملة، ص 29. سامي الدهان: عبد الرحمن الكواكبي، ص 30).

وأما كتاب (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) فإن الكواكبي أخذه معه إلى مصر أوراقاً متفرقة، وبدأ ينشره على شكل مقالات في جريدة (المؤيَّد)، وجمعها بعد ذلك وأصدرها في كتاب، ثم أدخل عليه تعديلات واسعة وإضافات، وبقي محفوظاً لدى الحفيد عبد الرحمن، إلى أن قام بطباعته طبعة جديدة سنة (1973 م) (الأعمال الكاملة، ص 30).

وخلال إقامة الكواكبي في مصر قام بسياحتين كبيرتين، شملت سواحل إفريقيا الشرقية والجنوبية، والجزيرة العربية واليمن، ومما يُذكر له أنه قام رحلة لم يسبقه أحد إليها، إذ أوغل في أواسط جزيرة العرب، وأقام على متون الجمال نيفاً وثلاثين يوماً، وقطع صحراء الدَّهْناء إلى اليمن، كما أنه زار الهند، ومنها سافر إلى جاوَه وسواحل الهند الصينية والصين الجنوبية، وثمة من يرى أن تلك السياحات كانت بتشجيع من الخديوي عباس، كي يلتقي بزعماء وقادة تلك البلدان، ويمهّد الأمر لنزع الخلافة عن السلطان العثماني، وإسنادها إلى الخديوي (الأعمال الكاملة، ص 30. جرجي زيدان: تراجم مشاهير الشرق، 2/440).

كتاب (أم القرى)

يرى أحمد أمين أن كتاب (أم القرى) أكثر دلالة على الابتكار من كتاب (طبائع الاستبداد)، وأكثر إفصاحاً عن شخصية الكواكبي، وأن هذا الكتاب " بحثٌ مبتكر، يدل على كبر عقله، وقوة تفكيره، وسعة اطلاعه، وصدق غيرته على العالم الإسلامي" (أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص 273).

وقد وقف الكواكبي في (أم القرى) من المسلمين موقف الطبيب من المريض، وتحدّث فيه عن جمعية عقدتها قيادات إسلامية في مكان خفيّ بمكة (أم القرى)، يوم الاثنين (15 ذي القِعْدة سنة 1316 هـ)، للبحث في أوضاع العالم الإسلامي، وحضر تلك الجمعية (22) عضواً، يمثلون الأقطار الإسلامية، فعضو شامي، وعضو إسكندري، ومصري، ومقدسي، ويمني، وبصري، ونجدي، ومدني، ومكي، وتونسي، وفاسي، وإنجليزي، ورومي، وكردي، وتبريزي، وتتري، وقازاني، وتركي، وأفغاني، وهندي، وسِندي، وصيني، وأُسندت رئاسة الجمعية للعضو المكي، وأُسندت السكرتارية للسيد الفراتي (الكواكبي)، ويتساءل أحمد أمين: " فهل كانت هذه الجمعية حقيقة أو هي من نسج خياله؟ يقول هو: إن لها أصلاً من الحقيقة، وإن الخيال تمّمها، فهل هذا صحيح أو هو من قبيل تأييد الخيال كما يفعل كثير من الروائيين؟ أرجّح الرأي الثاني " (أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص 289).

وفي أول جلسة للجمعية وضع الرئيس منهج البحث، وهو الكتمان، وتناسي الاختلافات في المذاهب، ثم التحرر من اليأس في الإصلاح. وتتالت جلسات الجمعية، وفي يوم الخميس (18 ذي القعدة سنة 1316 هـ) دار النقاش حول المتعمّمين (رجال الدين) المتعاونين مع السلطات العثمانية، وأدلى الأعضاء فُرادى بآرائهم في الموضوع، وجاء في أقوال بعضهم أن المتعمّمين يقفون إلى جانب الحكام المستبدين ضد الحرية والعدالة والشورى، و" بهذه القوانين عند العثمانيين، وبأشباهها عند أكثر حكومات المسلمين، ضلّ المتعمّمون، وصاروا أضرّ على الدين من الشياطين "، وتساءل الجميع عن السبب وراء هذه الظاهرة الغريبة (الأعمال الكاملة، أم القرى، ص 300، 301).

والمثير للانتباه هو أقوال الممثل الكردي (مختص في الرياضيات) في تلك الجلسة ذاتها:

" أجاب الرياضي الكردي: إن هذا الداء خاص ببعض الأمم الإسلامية، فلا يصلح سبباً للفتور العام الذي نبحث فيه، ونتساءل عنه، وعندي أن السبب العام هو أن علماءنا كانوا اقتصروا على العلوم الدينية وبعض الرياضيات، وأهملوا باقي العلوم الرياضية والطبيعية، التي كانت إذ ذاك ليست بذي بال، ولا تفيد سوى الجمال والكمال، ففُقد أهلها بين المسلمين، واندرست كتبها، وانقطعت علاقاتها، فصارت منفوراً منها، على حكم (المرء عدوّ ما جهل)، بل صار المتطلّع إليها منهم يُفسَّق، ويُرمى بالزيغ والزندقة، على حين أخذت هذه العلوم تنمو في الغرب ... وعندي أنه لولا هذا القصور ما وقع المسلمون في هذا الفتور... ثم إن تبعة هذا التقصير، وإن كانت تلحق علماء الأمة المتقدمين، إلا أن علماءنا المتأخرين أكثر قصوراً، لأنهم في زمان ظهرت فيه فوائد هذه العلوم، ولم يحصل فيهم مَيلٌ لاقتباسها، بل نراهم مقتصرين على تدريس اللغة والفِقه فقط، أو بعِلاوة شيءٍ من المنطق إتماماً للعقائد، وشيءٍ من الحساب إكمالاً للفرائض والمواريث قلما يفيد " (السابق، ص 302، 303).

وأضاف الممثل الكردي يقول:

" وكذلك نرى وعّاظنا مقتصرين على البحث في النوافل والقُرُبات المزيَّدة في الدين، ورواية الحكايات الإسرائيليات، ومثلُهم المرشدون أهل الطرائق، مقتصرون على حكايات نوادر الزهّاد من صحيح وموضوع، ورواية كرامات الأنجاب والنقباء والأبدال، وعلى ضبط وزن التمايل وأصول الإنشاد، ولا ننسى خطباءنا واقتصارَهم على تَكرار عبارات النعت، والدعاء للغزاة والمجاهدين، وتَعداد فضائل العبادات " (السابق، ص 304).

ومن الواضح أن الكواكبي جسّد في قول الممثل الكردي نزوع العلماء الكرد إلى العلوم العقلية والانفتاح الفكري كما ذكرنا في بداية الحلقة، وذلك دليل على أنه كان يعرف هذه النزعة فيهم معرفة جيدة، وكان يراها نزعة صائبة.

وخلال جلسات الجمعية شنّ السيد الفراتي (الكواكبي) حملة على الإدارة العثمانية، وعلى الترك بسبب بغضهم للعرب، واستدل على ذلك بأقوال تجري على ألسنة الترك مجرى الأمثال، منها:

" كإطلاقهم على عرب الحجاز (ديلنجي عرب) أي العرب الشحاذين. وإطلاقهم على المصريين (كور فلاح) بمعنى الفلاحين الأجلاف، و(عرب جنكنه سي) أي نَوَر العرب،... وقولهم عن عرب سوريا (نَه شامِكْ شَكِري وُ نَهْ عربك يُوزي) أي دع الشام وسكرياتها، ولا ترَ وجوه العرب... وقولهم (بِسْ عرب) أي عربي قذر... و(عرب جكه سي) أي حنك عربي، أي كثير الهذر. وقولهم (نِرْدَهْ عرب نِرْدَهْ طنبور) أي أين العرب من الطنبور؟

هذا والعرب لا يقابلونهم على كل ذلك سوى بكلمتين: الأولى هي قول العرب فيهم: " ثلاث خلقن للفساد: القمل والترك والجراد ". والكلمة الثانية تسميتهم بالأروام، كناية عن الريبة في إسلامهم، وسبب الريبة أن الأتراك لم يخدموا الإسلامية بغير إقامة بعض جوامع لولا حظ نفوس ملوكهم بذكر أسمائهم على منابرها لم تقم " (السابق، ص 367).

وبناء على (26) سبباً رأت الجمعية " أن تعتبر العرب هم الوسيلة الوحيدة لجمع الكلمة الدينية بل الكلمة الشرقية " (السابق، ص 392).

كتاب (طبائع الاستبداد)

يرى أحمد أمين أن الكواكبي في كتابه (طبائع الاستبداد) " استفاد مما نقل عن الغرب، ولم يك يعرف لغة أوربية، إنما يعرف العربية والتركية والفارسية، فاستفاد مما نُقل إليها، ومما كان يُترجم له في هذا الباب خاصة... وقد اقتبس فيه كثيراً من أقوال ألفيري، ولا أعرف كيف وصلت إليه، والفيري Aliferi Vittoria كاتب إيطالي عاش من سنة (1749 – 1803م)، من بيت نبيل، وقد ساح في أوربا نحو سبع سنوات، ودرس كتب فُولتير ورُوسّو ومُنتسكيو، وتشبّع بآرائهم الحرة، وتَعشَّق الحرية، وكرهَ الاستبداد أشد الكره، ووجّه أدبه للتغني بالحرية ومناهضة الاستبداد، ينطق بذلك أبطال رواياته، ويبثّه في كتاباته، ولكن الكواكبي هضمها، وعدّلها بما يناسب البيئة الشرقية والعقلية الإسلامية، وزاد عليها من تجاربه وآرائه " (أحمد أمين: زعماء الإصلاح،  ص373 – 274).

وقد بدأ الكواكبي بتعريف الاستبداد فقال:

" الاستبداد في اصطلاح السياسيين هو تصرّف فرد أو جَمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تَبِعة " (الأعمال الكاملة، طبائع الاستبداد، ص 437).

ومن آرائه الجديرة بالتأمل قوله:

ـ " وأشد مراتب الاستبداد التي يُتعوَّذ بها من الشيطان هي حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية " (السابق، ص 438).

ـ " المستبد عدوّ الحق، عدوّ الحرية، وقاتلهما " (السابق، ص 440).

ـ " المستبد يودّ أن تكون رعيته كالغنم دَرّاً وطاعةً، وكالكلاب تذللاً وتملّقاً ً" (السابق، ص 448).

وتتجلى عبقرية الكواكبي في الانتباه إلى العلاقة بين الاستبداد الديني والاستبداد السياسي، وقال في ذلك: " تضافرت آراء أكثر العلماء الناظرين في التاريخ الطبيعي للأديان على أن الاستبداد السياسي متولد من الاستبداد الديني، والبعض يقول: إن لم يكن هناك توليد فهما أخوان... بينهما رابطة الحاجة إلى التعاون لتذليل الإنسان " (السابق، ص 443).

ويتفق الكواكبي مع الرأي القائل: " بأن بين الاستبدادين السياسي والديني مقاربة لا تنفكّ، متى وُجد أحدهما في أمة جرّ الآخر إليه، أو متى زال زال رفيقه " (السابق، ص 445). ورأى الكواكبي أن الإسلام في جوهره الأصيل لا ينطبق عليه هذا القول، فهو مبني على قواعد الحرية السياسية، متوسطة بين الديمقراطية والأرستقراطية (أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص 276).

والكواكبي مع من يرى أن حرص فلاسفة اليونان على الشِّرك في الدين إنما كان حيلة منهم للإصلاح السياسي، " حيث تحيّلوا على ملوكهم المستبدين في حملهم على قبول الاشتراك في السياسة بإحيائهم عقيدة الاشتراك في الألوهية، ...  وهذه هي الوسيلة العظمى التي مكّنت اليونان أخيراً من إقامة جمهوريات أثينا وإسبارطة، وكذلك فعل الرومان " (السابق، ص 446).

ومن آراء الكواكبي في كتابه (طبائع الاستبداد): " المستبد لا يخشى علوم اللغة، ... وكذلك لا يخاف المستبد من العلوم الدينية المتعلقة بالمَعاد المختصة ما بين الإنسان وربه، .... ترتعد فرائص المستبد من علوم الحياة، مثل الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسياسة المالية، والتاريخ المفصَّل، والخطابة الأدبية، ونحو ذلك من العلوم التي تكبّر النفوس، وتوسّع العقول، وتعرّف الإنسان ما هي حقوقه، وكم هو مغبون فيها، وكيف الطلب، وكيف النوال، وكيف الحفظ " (السابق، ص 457 - 458).

وعرض الكواكبي أفكاراً عميقة في كتابه (طبائع الاستبداد)، منها أنه " كلما زاد المستبد ظلماً واعتسافاً زاد خوفه من رعيته وحتى من حاشيته، وحتى من هواجسه وخيالاته " (السابق، ص 459)، وحلّل دور الاستبداد في إفساد الأخلاق كما أنه أجرى مقارنة ذكية بين العقلية الشرقية والغربية في الذهنية السياسية فقال: " وهكذا بين الشرقيين والغربيين فروق كثرة، ... مثال ذلك: الغربيون يستحلفون أميرهم على الصداقة في خدمته لهم والتزام القانون، والسلطان الشرقي يستحلف الرعية على الانقياد والطاعة " (السابق، ص 492).

وتطرق الكواكبي إلى دور الاستبداد في نمو القيم السلبية، وفي قطع الطريق على الترقي، فيقال: " وقد يبلغ فعل الاستبداد بالأمة أن يحوّل ميلها الطبيعي من طلب الترقي إلى طلب التسفّل، بحيث لو دُفعت إلى الرفعة لأبت وتألّمت كما يتألم الأجهر من النور، وإذا ألزمت بالحرية تشقى، وربما تفنى كالبهائم الأهلية إذا أطلق سراحها " (السابق، ص 506). وانتهي الكواكبي إلى أن " الأمة التي لا يشعر كلها أو كثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية " (السابق، ص 529).

وأقام الدكتور كميل الحاج في (الموسوعة الميسرة، ص 470) مقارنة بين فكر الكواكبي وفكر قطبين آخرين من أقطاب الإصلاح بمصر في العصر الحديث، وهما الشيخ رشيد رضا والشيخ محمد عبده، فذكر أن فكر الكواكبي بعكس فكر رشيد رضا، لا ينطلق من الأصولية الإسلامية في اتجاه الأصولية الفلسفية والنشاط السياسي، وقد أراد الكواكبي فصل السلطة الدينية عن السلطة المدنية في المجتمع الإسلامي. وبعكس سلفه وأستاذه محمد عبده الذي كان يعرّف نفسه كعربي مسلم، فإن الكواكبي اعتبر نفسه أساساً مسلماً عربياً، وذلك ليدل على الفرق الواضح الذي أقامه عبده بين المسلمين العرب والمسلمين غير العرب. وأضاف الحاج (السابق، ص 470 – 471) قائلاً:

" تكمن أهمية الكواكبي في استيعابه لمبادئ عصر التنوير، ولأفكار الثورة الفرنسية وصياغتها بما يتناسب مع الاحتياجات الملحّة للتطور السياسي والاجتماعي للعالم العربي، وتقديمه إلى العرب في إطار الليبرالية التنويرية، مما جعله واحداً من أكثر الشخصيات الفكرية العربية راديكالية في أواخر القرن التاسع عشر، لذلك اعتبره بعض الباحثين من أتباع التيار العلماني التنويري، وليس مصلحاً دينياً ".

شخصية .. وآراء

أُعجب كثيرون بفكر الكواكبي وشخصيته، وفيما يلي بعض ما كتبوه:

ـ وصفه إبراهيم سليم النجار فقال: " كان كثير النشاط، سريع الحركة، شديد العزم، يتكلم بشيء من الشدة والحزم، ولو لم يكن شيخاً دينياً لكان قائد جيش فاتح، فقد كان في الحقيقة ثورياً بروحه وميوله " (الأعمال الكاملة، ص 22).

ـ رثاه صديقه الشيخ رشيد رضا في مجلة (المختار) قائلاً: " رجلٌ عظيم من رجال الإصلاح، وعَلَمٌ عاملٌ من علماء العمران، وحكيمٌ من حكماء الاجتماع البشري، ... وكان صاحب عزيمة، لا يهاب حاكماً ولا يخاف ظالماً، ... كان من أخلاقه الراسخة الحِلم والأناة والرِّفق، والنزاهة والعزة والشجاعة، والتواضع والشفقة وحب الضعفاء، وقد كنت معجباً بأناته، حتى كنت أقول: إنني أراه يتروّى في رد السلام، ويتمكّث في جواب ما يجيبه عدة ثوان، ولا أكاد أعرف أخلاقاً أعصى على الانتقاد من أخلاقه " (الأعمال الكاملة، ص 22).

ـ قال فيه العلامة محمد كُرد علي في مجلة (الهلال): " رجلٌ سيماء الفضل في وجهه، ودلائلُ سَعة العلم في حديثه، لم تُتَح لي معاشرته إلا برهة وجيزة، ولكن الفضل لا يخفى، كان كبيراً في عقله، كبيراً في همّته، كبيراً في علمه، وكان خلاّباً للألباب، ... ومع تمسّكه بالإسلام لم يكن متعصباً، يأنس بمجلسه المسلم والمسيحي واليهودي على السواء، لأنه كان يرى رابطة الوطن فوق كل رابطة " (الأعمال الكاملة، ص 22).

ـ قال يعقوب صرّوف في مجلة (المقتطَف): " فهو سياسيٌّ محنََّك مع الساسة، وعمراني اجتماعي مع علماء العمران، وعالم ديني مع علماء الدين، وتاجر مع التجار، وزارع مع الزرّاع، وصانع مع الصنّاع، وعامل مع العمّال، وكبير مع الكُبراء، بحيث كان الناظر إليه لأول وَهْلة يقرأ في جبهته أمارات العقل والخبرة الطويلة والعلم الوافر " (الأعمال الكاملة، ص 23).

ـ قال جرجي زيدان: " كان الكواكبي واسع الصدر، طويل الأناة، معتدلاً في كل شيء، وكان عطوفاً على الضعفاء، حتى سماه الحلبيون (أبا الضعفاء)، وجاء في الرائد المصري [مجلة] أنه كان له في بلده مكتب للمحاماة، يصرف فيه معظم نهاره لرؤية مصالح الناس، ويبعث إلى المحاكم من يأمنهم من أصحابه، ليدافعوا عن المظلومين والمستضعفين " (تراجم مشاهير الشرق، 2/440).

ـ وكتب عنه أحمد أمين: " نزيه النفس، لا يخدعها مَطمع، ولا يغريها منصب، شجاعٌ فيما يقول ويفعل، مهما جرّت عليه شجاعته من سجن وضياع ومال وتشريد " (الأعمال الكاملة، ص 23).

نهاية عبقري

حكم السلطان العثماني عبد الحميد بين سنتي (1876 – 1909) بالقهر والمكر والدسائس، ومن العجيب أننا نجد ثمة من يكتب الكتب ويدبّج المقالات لتبييض صفحة ذلك الحاكم الطاغية، ويريدون منا أن نذرف الدموع عليه، لأنه رفع الشعار الديماغوجي البرّاق (يا مسلمي العالم اتّحدوا)، ولأنه كان – حسب زعمهم- ضحية اليهود الدونمه، ويتناسى أشياع عبد الحميد - وأغلبهم من ذوي الفكر  المتخلف، والرؤية غير المتحضرة إلى حياة الشعوب وكرامة الجماهير- أن الأمة كلها كانت ضحية الذهنية السياسية المتخلفة التي عمّمها عبد الحميد، ويتناسى أشياع عبد الحميد أنه كان يمارس تحت شعار (يا مسلمي العالم اتحدوا) أبشع أساليب القهر والعسف ضد رعيته.

ولندع هذا جانباً، فثمة إلى الآن في شرقنا هذا من لا يرتاح إلى نسائم الحرية، ولا يستطيع الحياة إلا في أجواء تخيّم عليها ثقافة الاستبداد، ثقافة الراعي والرعية، ثقافة الراعي الذي (يملك) الرعية، وليس ثقافة الراعي الذي (يخدم) الرعية، وتلك في حد ذاتها مأساة كبرى.

بلى، لنعد إلى الكواكبي، فقد مر أن الرجل هرب  من بلاد الشام إلى مصر، بحثاً عن قول كلمة حق في مأمن من البطش، وتطلعاً إلى نشر أفكاره الإصلاحية، لكن هل من المعقول أن تنام عيون جواسيس السلطان عن فكر كهذا الفكر، وعن صوت كهذا الصوت؟ وكيف يسكت السلطان العثماني عن كاتب يدعو جهاراً نهاراً إلى تجريد الترك من منصب الخلافة، وإعادتها إلى العرب؟ أليس في هذه الدعوة تقويض للنفوذ التركي في العالم الإسلامي، وتدمير لما قام به السلطان سليم الأول، حينما احتل مصر سنة (1517م)، وأرغم بوسائله الخاصة آخر خليفة عربي عباسي على التنازل عن الخلافة له؟

في القاهرة كان جواسيس السلطان يتابعون أقوال الكواكبي وأفعاله، ويبدو أن اهتمام الخديوي عباس برأي الكواكبي في الخلافة، ومسألة عدم صلاحية الأتراك لها، زادت من غضب السلطان عبد الحميد، فقرر أن يضع حداً لعنفوان هذا المفكر الخطير، لكن دونما إثارة للشبهات، وعلى طريقة معاوية بن أبي سفيان، حينما أمر بدس السم لأحد خصومه من آل البيت في شراب العسل، وقال قولته الشهيرة (إن لله جنوداً منها العسل).

بلى هذا ما فعله رجال عبد الحميد أيضاً، ففي إحدى الأمسيات ارتاد الكواكبي كعادته مقهى يلدز (مقهى إستانبول)، ليرتشف مع أصدقائه فنجان قهوته المُرّة، مع عدد من أصدقائه الكتّاب والأدباء، منهم الزعيم الثعالبي، والشيخ رشيد رضا، ومحمد كرد علي، وإبراهيم سليم النجار، ومهاجر حلبي هو عبد القادر الدباغ، وحلبي آخر هو الشيخ صالح عيسى ابن خالة المؤرخ الحلبي الشيخ كامل الغَزّي، وبعد نصف ساعة من شرب القهوة شعر الكواكبي بألم شديد في معدته، فأخبر صالح عيسى بذلك، لكن الأخير هوّن الأمر عليه، وبعد أن انصرف الجميع بعد منتصف الليل إلى بيوتهم، ذهب الكواكبي مع ابنه كاظم إلى مسكنهما، وذكر عبد القادر الدباغ أنه ما كاد يصل إلى داره، ويخلع ثيابه، حتى أسرع إليه كاظم يخبره بما حصل لوالده، ووصل الدباغ إلى البيت فوجد صديقه الكواكبي يتلوّى من الألم ويقيء، وانكفأ على صدر صاحبه وهو يلفظ آخر كلماته: " لقد سمّوني يا عبد القادر". وانتقل الكواكبي إلى رحمته تعالى في (14 حزيران سنة 1902م).

ومما يدل على أن عبد الحميد كان على علم بما سيجري للكواكبي، أنه أصدر أمره، بعد يوم أو بعض يوم، إلى عبد القادر القبّاني صاحب جريدة (ثمرات الفنون) التي كانت تصدر في بيروت، بأن يذهب سريعاً إلى مصر، ويقصد مسكن الكواكبي في القاهرة، ويضع يده على جميع ما يجده من الأوراق، ويرسلها إلى قصر السلطان، وهذا ما فعله القبّاني بسرعة، وتم ذلك بمساعدة سرية من السلطات المحلية حينذاك، ولم يستطع كاظم منع مصادرة أوراق والده، لكنه تمكن من تهريب نسخة كتاب (طبائع الاستبداد) المعدّلة بخط والده، وهي الوثيقة الوحيدة التي سلمت من عملية المصادرة (الأعمال الكاملة، ص 31).

وشاع خبر وفاة الكواكبي  في القاهرة، وصدر الأمر بدفنه على نفقة الخديوي عباس، ورثاه على القبر عدد من الأدباء منهم الشيخ رشيد رضا ومصطفى صادق الرافعي، ورثاه صديقه الشاعر المصري الكبير حافظ إبراهيم حينما دُفن قائلاً:

هنا رجلُ الدنيا، هنا مَهبط التقى

هنا خيرُ مظلوم، هنا خيرُ كاتب

قفوا واقرؤوا أمّ الكتاب، وسلّموا

عليه، فهـذا القبر قبرُ الكواكبي

وكُتب البيتان على قبر المفكر الراحل.

المراجع

1.    أحمد أمين: زعماء الإصلاح في العصر الحديث، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الرابعة، 1979.

2.    جرجي زيدان: تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1970.

3.    حسين قاسم العزيز: البابكية، دار المدى، دمشق، الطبعة الأولى، 2000.

4.    الدكتور سامي الدهّان: عبد الرحمن الكواكبي، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1980.

5.    عباس إبراهيم صباغ: تاريخ العلاقات العثمانية- الإيرانية، دار النفائس، بيروت، 1999.

6.  عبد الرحمن الكواكبي: الأعمال الكاملة، إعداد وتحقيق محمد جمال طحّان، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 1995.

7.    الدكتور كميل الحاج: الموسوعة الميسرة في الفكر الفلسفي والاجتماعي، مكتبة لبنان، بيروت، الطبعة الأولى، 2000.

8.  مأمون بك بن بيگه بك: مذكرات مأمون بك بن بيگه بك، تعريب محمد جميل روژبياني وشكور مصطفى، مطبعة المجمع العلمي العراقي، بغداد، 1980.

9.    الدكتور محمد عبد الرحمن برج: عبد الرحمن الكواكبي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1972.

10.     المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، مطبعة بريل، ليدن، الطبعة الثانية، 1967.

11.  الدكتور نزيه كبّاره: عبد الرحمن الكواكبي حياته وعصره وآراؤه، جروس برس، طرابلس- لبنان، الطبعة الأولى، 1994.

12.     ياقوت الحموي: معجم البلدان، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1990.

13.      يوسف اليان سركيس: معجم المطبوعات العربية والمعرّبة، مكتبة الثقافة الدينية، ميدان العتبة، 1928.

14.     Mehrdad R. Izady: The Kurds, Crane Russak, 1992

 

إضاءة: ( القراء الأعزّاء، أشكركم على رحلتكم الطويلة معي خلال الحلقات الست والخمسين من (مشاهير الكرد)، وكان غرضي هو إضاءة جوانب من التاريخ الكردي، وذكر الجهود الهامة التي ساهم بها الكرد داخل البيت الشرق أوسطي مع بقية إخوته من العرب والترك والفرس وغيرهم، وأوقف هذه السلسلة عند هذا الحد، لأبدأ بعد حوالي شهرين بإطلاق مشروع ثقافي أكبر بعنوان (موسوعة أعلام الكرد)، وغرضي هو رصد أكبر عدد ممكن من أعلام الكرد، وتقديمهم إلى القرّاء على نحو أسرع، وبشكل ميسّر ومفيد، وما توفيقي إلا بالله ).

د. أحمد الخليل   في 5 – 6 -  2008

dralkhalil@hotmail.com

  ===========

 

مشاهير الكرد في التاريخ

( الحلقة الخامسة والخمسون )

الشاعر الوزير الحسن بن أسد الفارقي

(قُتل سنة 487 هـ = 1094م)

ابتلاء عجيب!

" التاريخ يكتبه المشعوذون ويقرأه المغفّلون".

رأي خطر لي ذات مرة وأنا أقلّب صفحات بعض كتب تاريخ الشرق.

ولا أزعم أن هذا الرأي صحيح دائماً، لكنه لا يخلو من الصحة أحياناً.

وإذا تحررنا من أحابيل الشعوذة ودُوار الغفلة وجدنا العجب في تاريخ الكرد.

ومن ذلك العجب أن الكرد ابتلوا عبر التاريخ بدولتين اثنتين أشد الابتلاء.

الأولى هي الدولة الأخمينية الفارسية، والثانية هي الدولة السلجوقية التركمانية.

أما الدولة الأخمينية فتأسست بقيادة كورش الثاني، وسيطرت على مقاليد الأمور في الإمبراطورية الميدية سنة (550 ق.م)، وتظاهرت في أول عهدها بأنها أمينة على مصالح الشعبين الميدي والفارسي، وأبقت على الأنظمة الميدية، واستغلت قدرات الميديين لترسيخ سلطتها، وتوسيع نفوذها، وتحقيق الانتصارات في حروبها (أوضحنا ذلك في حلقات سابقة حول ملوك ميديا)، لكن ما إن أبدى بعض قادة الميد تطلّعهم إلى إحياء الدولة الميدية ثانية حتى ثارت ثائرة الملك الأخميني قمبيز بن كورش الثاني، فجمع كبار قادة الفرس قبيل وفاته، وأبلغهم وصيّته الشهيرة، طالباً منهم نقلها إلى الفرس جميعاً، ومحرّضاً إياهم على عدم السماح للميديين بالعودة إلى السلطة مهما كلّف الأمر، ومهدّداً إياهم بأن لعنته ستحلّ بهم إذا تقاعسوا عن تنفيذ مضمون تلك الوصية.

وكان القائد الفارسي دارا الأول في مقدمة من وضع وصية قمبيز موضع التطبيق، وقام بذلك على محورين هما في الغاية من الأهمية:

1 – المحور الأول أيديولوجي: وتمثّل في إحلال العقيدة الزردشتية محل العقيدة الميثرائية (الأزدائية)، باعتبار أن السلطة الميدية والموغ (الكهنة) الميد وقفوا بالمرصاد للعقيدة الزردشتية، رغم أن زردشت نفسه كان ميدياً، وعدّوها هرطقة وضلالاً، وباعتبار أن الفرس وجدوا في العقيدة الزردشتية أيديولوجيا تخدم أهدافهم في التحرر من القبضة الميدية، وفي تأسيس دولة فارسية إمبراطورية.

2 – والمحور الثاني سياسي: وتمثل في إخضاع الوطن الميدي للحكم الفارسي المباشر، وتهميش القيادات الميدية وإزاحتها جانباً، والقضاء عليها ما لم تعلن الخضوع التام للسياسات الفارسية، إضافة إلى البطش والتنكيل الفظيع بكل ميدي اعتز بأمجاد ميديا، وقاد الميديين في ثورة ضد السلطات الفارسية.

وكانت النتيجة كارثية حقاً على الصعيد التاريخي الشامل.

فقد خسر الميديون تألقهم بين شعوب العالم القديم، وبعد أن كانت شعوب آسيا وأوربا تضرب المثل بقوة الميديين وحضارتهم، وتسمي الملك الفارسي نفسه باسم (الملك الميدي)، صارت مَهمّة الشعب الميدي تزويد الخزانة الفارسية بالأموال، وتزويد الجيش الفارسي الإمبراطوري بالمقاتلين والخيول، ودخل الوطن الميدي ظلمات التعتيم المتعمَّد، وتحوّل الميديون (وصار اسمهم الكرد بعدئذ) إلى ريفيين ورعاة رحّل في بطون الأودية وسفوح الجبال، منقطعين عن ركب التطور الحضاري بشكل شبه كامل، وغير معروفين بهوية وطنية وثقافية وقومية مستقلة.

وأما الدولة السلجوقية فابتُلي بها الكرد بعد حوالي ألف وخمسمئة سنة من ابتلائهم بالفرس الأخمين، وقد نهجوا نهج الفرس تقريباً، إذا تخلوا عن الشامانية بعد أن هجروا موطنهم في تركمانستان الحالية، واعتنقوا الإسلام، واتخذوها أيديولوجيا للتوسع والفتح، وسيطروا – تحت راية الإسلام- على البلاد من أفغانستان شرقاً إلى العراق غرباً، وبما أن طموحهم كان منصبّاً على الوصول إلى سواحل شرقي البحر الأبيض المتوسط، كان يهمّهم جداً أن يسيطروا على الوطن الميدي (كردستان)، وهذا ما فعلوه.

بلى، إن السلاجقة قضوا على أربع دول كردية كانت تتعاصر وتتجاور في كردستان بدءاً من الجنوب الشرقي إلى الشمال الشرقي هي: الدولة العَنازية في حُلوان (جنوب شرقي العراق)، والدولة الرَّوادية في أذربيجان، والدولة الشَّدادية في أرّان (مقسّمة بين أذربيجان وأرمينيا وجورجيا)، والدولة المروانية (الدّوستكية) في مناطق الجزيرة العليا (جنوب شرقي تركيا)، وكان من الممكن لإحدى هذه الدول أو لجميعها أن تصبح مع الأيام نواة لنهضة ثقافية ووطنية كردية، تماماً كما أصبحت الدولة السامانية إطاراً سياسياً وإدارياً واقتصادياً، ساعد على إحياء الثقافة الفارسية ممثَّلة في اللغة الفارسية وفي ملحمة (الشاهنامه) للفردوسي.

واستكمل العثمانيون التركمان- وقد خرجوا من عباءة السلاجقة- ما بدأته الدولة السلجوقية ضد الكرد، لا بل ذهبوا أشواطاً واسعة في مشروع تهميش الكرد وتغييبهم عن الساحة الحضارية في غربي آسيا، فتنكروا رويداً رويداً لبنود الاتفاقية التي عقدها السلطان سليم الأول مع زعماء الكرد بمساعي الشيخ إدريس بدليسي سنة (1515 م)، وقضوا على الإمارات الكردية التي كانت تنعم بالحكم الذاتي، ولما حل الأتراك الاتحاديون في السلطة، مع بداية القرن العشرين، قضوا على كل ما يشير إلى الهوية الكردية، وما زالت تلك السياسات تُمارس بعناد غريب إلى يومنا هذا.

ونتناول الآن سيرة واحد من مثقفي الكرد الذين عاصروا توسع السلاجقة في كردستان، وكان له موقف متميّز ضد التسلط السلجوقي، فدفع حياته ثمناً لوطنيته وإخلاصه، إنه الشاعر الوزير أبو نصر الحسن بن أسد الفارقي، فماذا عنه؟

على حافة الهاوية

في سنة (247 هـ) فتك المماليك الأتراك بالخليفة العباسي المتوكل على الله، وولّت عهود خلفاء بني العباس الأقوياء (السفّاح، المنصور، المَهدي، الهادي، الرشيد، الأمين، المأمون، المعتصم، الواثق)، وسيطر العسكريون الترك على مقاليد الأمور في بغداد، وأخذوا الخليفة العباسي رهينة في القصر، واحتكروا القرار السياسي، فتراخت قبضة الحكومة المركزية، ووجدت بعض الشعوب الفرصة متاحة لنيل قسطها من الإدارة الذاتية، وقد هبّ العنصر الفارسي من جديد، ممثَّلاً في الأسرة البُوَيْهيّة الدَّيْلَمية، وسيطر على الأمور في بغداد، في حين أقام العرب الحمدانيون دولة لهم في شمالي سوريا، وأقام العقيليون العرب إمارة لهم في الموصل وأطرافها.

وفي الوقت ذاته أقام الدوستكيون الكرد إمارة لهم في مناطق بُوتان وهَكاري (جنوب شرقي تركيا حالياًً)، وكان الأمير باز/باد (حسين بن دُوسْتك) الحَميدي أول من تجرّأ على إقامة ذلك الكيان الكردي في تلك المنطقة، وهو فيما أراه شبيه جداً بالزعيم الميدي دياكو الذي ثار في وجه الآشوريين، ودفع باز روحه ثمناً لنهجه الاستقلالي ولمشروعه الوطني، وقُتل قرب الموصل، خلال معركة خاضها ببسالة ضد هجوم كبير شنّه عليه الحلف البويهي العقيلي الحمداني سنة (380 هـ = 990 م) (تاريخ الفارقي، 52-59. الكامل في التاريخ، 9/12، 13، 24، 27، 35. تاريخ ابن خلدون، 6/902. الدولة الدوستكية، 1/54).

ولم يمت المشروع الوطني بمقتل الأمير باز، فقد استكمل أبناء الأمير مروان الحميدي مشروع خالهم الأمير باز، وأفلحوا في توسيع رقعة الإمارة رويداً رويداً، ونهضوا بها سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وتحوّلت الإمارة إلى مملكة ذات شأن على يدي الملك نصر الدولة أحمد بن مروان (حكم بين 401 – 453 هـ = 1011 – 1061 م)، واعترفت بها سياسياً القوى الكبرى الثلاث في ذلك العصر: الدولة الرومية (البيزنظية) في القسطنطينية، والخلافة العباسية في بغداد، والخلافة الفاطمية في القاهرة (تاريخ الفارقي، ص 10، 109، 110، 121. الكامل في التاريخ، 9/73. الدولة الدوستكية، 1/156 – 161).

لكن الأمور سرعان ما تغيّرت بعد أن دخل السلاجقة التركمان بغداد سنة (447 هـ )، وقضوا على النفوذ البويهي الشيعي الميول، بدعوة من الخليفة العباسي السني طبعاً، وأصرّ السلطان طُغْرُلْبك على استكمال المشروع التوسعي السلجوقي، وهو الوصول إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط، من خلال التمدد غرباً نحو آسيا الصغرى، وجنوباً وغرباً نحو بلاد الشام، وما كان ذلك المشروع ليتحقق إلا بالهيمنة على كردستان أرضاً وشعباً وثروات.

وكان الملك الكردي نصر الدولة أحمد بن مروان قد صبّ اهتمامه على الترف والبذخ، ووضع ثقته في التوازنات السياسية الإقليمية، ولم يعمد إلى بناء قوة مسلّحة قادرة على مواجهة الخطر الخارجي، ولم يعدّ شعبه إعداداً متكاملاً للدفاع الوطن في ساعة المحنة، وشرع يداري السلطان السلجوقي طُغرلبك، ويقدّم له الأموال الكثيرة له، ووجد نفسه في النهاية مضطراً إلى إعلان التبعية للسلاجقة.

وازداد وضع الدولة الدوستكية سوءاً بعد وفاة الملك نصر الدولة سنة (453 هـ)، وتلاه في الملك من بعده ولده نظام الدين، ونافسه أخوه الأمير سعيد مستعيناً بالسلاجقة، لكن نظام الدين استطاع أن يكسب عطف الوزير السلجوقي نِظام المُلْك، وبتدبير من هذا الوزير أبقاه السلطان السلجوقي أَلْب أَرْسلان أميراً، ومنحه لقب سلطان الأمراء، وهذا يعني أن الدولة تقلّصت من مملكة إلى إمارة في نهاية الأمر (تاريخ الفارقي، ص 199).

وبعد وفاة الملك نظام الدين سنة (472 هـ) خلفه في الإمارة ابنه ناصر الدولة منصور، وكان سيئ التدبير، فتعرضت الدولة في عهده لكثير من القلاقل الداخلية، ولم يستطع الصمود طويلاً أمام التهديد السلجوقي المتواصل بقيادة السلطان مَلِكشاه بن ألب أرسلان، وبعد صراع مرير سقطت آمد (دياربكر) في أيدي السلاجقة، ثم سقطت العاصمة ميّافارقين، وتبعتها جزيرة بوتان (جزيرة ابن عمر)، حدث ذلك سنة (478 هـ = 1086 م) على الأرجح، ونُفي الأمير ناصر الدولة إلى قرية في العراق تُدعى (حَرْبى) (تاريخ الفارقي، ص 208 -  214). وكان الشاعر أبو نصر شاهداً على تلك الأحداث الخطيرة، وقبل أن نتابع مواقفه دعونا نلق نظرة على شاعريته.

أبو نصر شاعراً

أجمعت المصادر على أن أبا نصر الحسن بن أسد بن الحسن هو من أبناء مدينة مَيّافارقين (فارقين = سليڤان Slivan) الواقعة في جنوب شرقي تركيا، ولذلك عُرف بلقب (الفارقي)، وليست ثمة معلومات عن بدايات حياته، وإنما يبدأ المؤرخون بالحديث عنه مع أمرين اثنين ساهم فيهما الرجل بقوة: الأول وقوفه ضد رعونة حكم الأمير ناصر الدولة على الصعيد الداخلي. والثاني وقوفه ضد الاحتلال السلجوقي على الصعيد الخارجي؛ وسيأتي الحديث عن الأمرين لاحقاً. وإن كل من كتب عن أبي نصر أكد أنه كان مشهوراً بالشعر في عصره، وأشاد بموهبته الشعرية، وقال ياقوت الحموي (معجم الأدباء، 8/54 – 55):

" أبو نصر شاعر رقيق الحواشي، مَليح النَّظْم، متمكّن من القافية، كثير التجنيس، قلما يخلو له بيت من تَصنيع وإحسان بديع ".

كما أشاد القدماء بثقافة أبي نصر في النحو واللغة عامة، وبمؤلفاته في هذا المجال، قال ياقوت (معجم الأدباء، 8/56 - 57 ) في ذلك:

" وكان نَحْوياً رأساً، وإماماً في اللغة يُقتدى به، وصنّف في الآداب تصانيف تقوم له مقام شاهدَيْ عَدْل بفضله، وعِظَم قدره منها كتاب (شرح اللُّمَع)، كبير، كتاب (الإفصاح في شرح الأبيات المُشكِلة) ".

وقد أورد السيوطي في كتابه (بغية الوعاة، 1/500) ما أورده ياقوت، وقال القِفْطي (ت 624 هـ) في كتابه (إنباه الرواة 1/329- 330) ذاكراً مزايا أبي نصر:

" مَعْدِنُ الأدب، ومنبعُ كلام العرب، فاضلُ مكانه، وعلاّمة زمانه، له النثر الرائع، والنظم الذائع، والنحو المُعْرِب عن مُشكل الإعراب، وله التصنيف البديع في شرح (اللُمَع)، إلى غير ذلك، مما ليس لأديب في مثله طمَع... وشعره سائر في الآفاق تتناشده رِفقة الرفاق".

وقال القفطي في مكان آخر من كتابه (إنباه الرواة 1/330):

" الحسن بن أسد بن الحسن، أبو نصر الفارقي النحوي الشاعر، من أهل مَيّافارِقين، وكان ذا أدب غزير، وفضل كبير، وله كتاب (شرح اللُّمَع)، أجاد فيه وزاد، وأورده زائداً عن المراد، وإذا أنعم الناظر فيه النظر، وجده قد شرح كلام ابن جنّي المجموع بكلام المبسوط، وأوجز في العبارة، حتى صار كالإشارة، وإذا أردت تحقيق هذا فانظر كلامه فيه على الكلام والقول تجده قد اختار ما ورد في صدر كتاب (الخصائص)، وإذا نظرت إلى كلامه في العوامل وجدته قد اختار الكلام على الحروف في (سر الصناعة)".

وقال القفطي أيضاً (إنباه الرواة 1/332):

" ... وله أشعار كثيرة ومقطّعات يعتمد في أكثرها التجنيس، إلى أن صار له بذلك أنسة تامة، وعناية عامة، وله كتاب في الألغاز مشهور ".

وخير دليل على نبوغ أبي نصر في الشعر خبر رواه ياقوت، وخلاصته أنه جاء إلى بلاط الأمير المرواني ناصر الدولة منصور في ميّافارقين شاعر من العجم يُعرَف بالغَسّاني، وكان من عادة الأمير إذا قدِم عليه شاعر أن يُكرمه، ولا يجتمع به إلا بعد ثلاثة أيام، ليستريح الشاعر من سفره، ويُصلح شعره. ولم يكن الغسّاني قد أهدّ قصيدة قبل سفره، ثقةً منه بقَريحته، فأقام ثلاثة أيام يحاول تأليف بيت واحد فلم يفلح، وخجل من أن يلقى الأمير بغير شعر، فأخذ قصيدة من شعر أبي نصر، ونسبها إلى نفسه، وأنشدها في بلاط الأمير. وكان بعض رجال البلاط خبيراً بشعر أبي نصر، فأخبر الأمير بذلك، فغضب الأمير، وأمر بمكاتبة ابن أسد، يأمره أن يرسل إليه القصيدة بخطه؛ قال ياقوت معجم الأدباء، 8/58 - 59 )

" فخرج بعض الحاضرين فأنهى القضية إلى الغسّاني، وكان هذا بآمِد. وكان له غلام جَلْد، فكتب من ساعته إلى ابن أسد كتاباً يقول فيه: إني قَدِمت على الأمير، فاُرتِج عليّ قولُ شعر مع قدرتي عليه، فادّعيتُ قصيدة من شعرك استحساناً لها وعجباً بها، ومدحتُ بها الأمير، ولا أُبعِد أن تُسأل عن ذلك، فإن سئلتَ فرأيُك الموفَّق في الجواب. فوصل غلام الغسّاني قبل كتاب ابن مروان، فجَحَد ابن أسد أن يكون عرف هذه القصيدة، أو وقف على قائلها قبل هذا. فلما ورد الجواب على ابن مروان عَجِب من ذلك، وأساء إلى الساعي وشتمه، وقال: إنما قَصدُكم فضيحتي بين الملوك، وإنما يَحمِلكم على هذا الفعلِ الحسدُ منكم لمن أُحسِنُ إليه. ثم زاد في الإحسان إلى الغسّاني، وانصرف إلى بلاده ".

ومن شعر أبي نصر في وصف الشمعة:

ونَديمةٍ لي في الظلام وحيـدةٍ     

مِثْلي مُجاهــدةٍ كمثل جِهادي

فاللونُ لوني، والدموع كأدمعي   

والقلبُ قلبي، والسُّـهادُ سُهادي

لا فرقَ فيمـا بيننا لو لم يكن    

لَهبي خفيّاً وهْو منــها بادي

(معجم الأدباء، 8/65).

وكان أبو نصر حريصاً في شعره على التجنيس، ومن ذلك قوله:

بِنتُم فمــا كَحَل الكَرى   

لي بعد وَشْك البَيْن عَيْنا (البصر)

ولقد غـــدا كَلَفي بكم    

أُذُناً عليّ لكــم وعَيْنا (الرقيب)

فأَسَلْتُ بعـــد فراقكمْ    

من ناظرِ بالدمـع عَيْنا (النبع)

أمسيتُ في حبي لــها    

عبداً أُضامُ، وكنت عَيْنا (السيد)

كانت تُناصفــنا بِصا   

 في الوُدّ لا وَرِقـاً وغَيْنا (الذهب) 

 (معجم الأدباء، 8/662 - 64).

ـ وقال في الصداقة والأصدقاء:

وإخوانٍ بَواطنُهــمْ قِباحٌ    

وإن كانت ظَواهِرُهمْ مِلاحا (من الملاحة: الحسن)

حسِبْتُ ميـاهَ وُدّهمُ عِذاباً  

فلمّا ذُقتُــها كانت مِلاحا (من الملوحة)

(معجم الأدباء، 8/66).

ـ وله في الغزل:

هَوِيتُ بديعَ الحسن للغصن قَـدُّهُ    

وللظبي عينــاه، وخـدّاه للوَرْدِ (الورد: الزهر الأحمر)

غزالٌ من الغِزلان، لكنْ أخـــافه    

وإنْ كنتُ مقداماً على الأَسَد الوَرْدِ (الورد: في لونه حمرة).

(معجم الأدباء، 8/67-68).

ـ وقال في الغزل أيضاً:

بَعُدتَ، فأمـا الطرفُ مني فساهدٌ   

لشوقي، وأما الطَّرْفْ منك فراقدُ (راقد: نائم)

فسَلْ عن سُهادي أنجُمَ الليل، إنها 

ستشهدُ لي يومــاً بذاك الفَراقِدُ (النجوم)

(معجم الأدباء، 8/71).

ـ وقال في الحكمة:

تَجلَّدْ على الدهر، واصبرْ لكل ما    

عليك الإلــهُ من الرزق أَجْرى

ولا يُسْخِطَنّكَ صَرْفُ القَضــاء     

فتَعْدَمَ إذْ ذاك حظّاً وأَجْــــرا

(معجم الأدباء، 8/73).

مثقف .. ومشروع  

المثقفون في كل عصر صنفان:

-   صنف يكتفي بالبعد النظري في الثقافة، ولا يملك مشروعاً اجتماعياً أو وطنياً واضحاً، ولا يوظّف كفاءاته الثقافية وقدراته الفكرية لتجسيد ذلك المشروع على الصعيد العملي الجماهيري.

-   وصنف آخر تتجاوز اهتماماته الثقافية الجانب النظري، فيتحرك في الحياة وفق مشروع إصلاحي أو تثويري أو تحريري ما، ويكون صاحب قضية ما، ويعمل لأجل تلك القضية بإخلاص وشجاعة، وقد يدفع حياته في سبيل تلك القضية؛ وهذا الصنف من المثقفين هو الذي يسهم في صناعة مصير المجتمعات وتواريخ الأمم.

ويبدو من سيرة الشاعر أبي نصر- رغم قلة ما وصلنا من معلومات عنه- أنه كان من الصنف الثاني، ولعل اهتماماته هذه كانت من أسباب بقائه عزباً طوال حياته، وأول ما ذكره المؤرخون عن أبي نصر قيادته حركة داخلية شبه انقلابية ضد حكم الأمير ناصر الدولة المرواني، وكان هذا الأمير مختلفاً بشدة عن والده الملك نظام الدين، وعن جده الملك نصر الدولة، من حيث الاهتمام بمصالح الرعية، والحرص على توفير أسباب الحياة الهادئة لهم، ومن حيث بناء علاقات سياسية متوازنة مع الأطراف الخارجية، وقد وصفه الفارقي (تاريخ الفارقي، ص 213) قائلاً:

" وكان يُجرى منه سوء الري والتدبير بدركات السلطان أشياء من اللجاج ومخالفة الأمراء والسلطان وأصحابه ما لا يليق بالصبيان، وما كان يقبل من أحد من أصحابه، ولعمري هكذا يكون آخر الدول وانقراضها ".

والحقيقة أن ثمة تخبّطاً عند المؤرخين في سرد الأحداث التي ساهم فيها أبو نصر، وخلاصة ما يخرج به المرء مما جاء في المصادر التاريخية أن أبا نصر كان صاحب مشروع سياسي اجتماعي، ولذلك كان شغفاً بالسياسة، ولعله كان يجد في نفسه الكفاءة لأن يقوم بإصلاحات إدارية فيها النفع للجماهير، وكان أهل ميّافارقين يعرفون فيه تلك النزعة السياسية، وكانوا غير راضين عن نهج ناصر الدولة في الحكم، ويحاولون الخلاص منه، فتوجّهوا إلى أبي نصر، وحرّضوه على الثورة ضد سلطة الأمير ناصر الدولة، وعلى أن يتولّى الحكم بدلاً منه، فأجابهم أبو نصر إلى ذلك، وحشد ناصر الدولة الجيش للقضاء على الانقلاب، فعجز عن ذلك، فاستعان بالسلطان السلجوقي مَلِكشاه، فأرسل إليه السلطان جيشاً، وشاءت التقادير أن يكون ذلك الجيش بقيادة الغسّاني الشاعر. قال ياقوت الحموي (معجم الأدباء، 8/ 57- 59):

" وكان [الغسّاني] قد تقدّم عند نظام المُلك والسلطان، وصار من أعيان الدولة، وصَدَقوا في الزحف على المدينة حتى أخذوها عَنْوة، وقُبض على ابن أسد، وجيء به إلى ابن مروان فأمر بقتله، فقام الغسّاني وشدّد العناية في الشفاعة فيه، فامتنع ابن مروان امتناعً شديداً من قَبول شفاعته، وقال: إن ذنبه وما اعتمده من شقّ العصا يوجب أن يُعاقَب عقوبةَ مَن عصى، وليس عقوبةً غيرُ القتل. فقال: بيني وبين هذا الرجل ما يوجب قَبول شفاعتي فيه، وأنا أتكفّل به ألاّ يَجْرِيَ منه بعدُ شيءٌ يُكرَه. فاستحيا منه وأطلقه له. فاجتمع به الغسّاني وقال له: أتعرفني؟ قال: لا والله، ولكنني أعرف أنك مَلَك من السماء، مَنّ الله بك عليّ لبقاء مُهجتي. فقال له: أنا الذي ادّعيتُ قصيدتك وسترتَ عليّ، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان. فقال ابن أسد: ما رأيت ولا سمعت بقصيدة جُحِدتْ فنَفعتْ صاحبَها أكثرَ مِن نفْعِها ... فجزاك الله عن مروءتك خيراً. وانصرف الغسّاني من حيث جاء ".

قال ياقوت (معجم الأدباء، 8/61):

" وأقام ابن أسد مدّة ساءت حالُه، وجفاه إخوانه، وعاداه أعوانه، ولم يُقدِم أحد على مقاربته ولا مُرافدته، حتى أضرّ به العيش، فعمل قصيدة مدح بها ابن مروان، وتوصّل حتى وصلت إليه. فلما وقف ابنُ مروان عليها غضب وقال: ما يكفيه أن يَخلُص منا رأساً برأس حتى يريد منا الرِّفد والمعيشة! لقد أذكرني بنفسه، فاذهبوا به فاصلبوه. فذهبوا به فصلبوه ".

وهذا يعني أن أبا نصر دفع حياته ثمناً لقضية وطنية داخلية.

ونعتقد أن الأمور اختلطت على ياقوت الحموي، أو على من نقل عنه ياقوت، وصحيح أن أبا نصر كان على خلاف حاد مع الأمير ناصر الدولة، بشأن الأمور الداخلية، لكنه كان على وفاق معه في الأمور الخارجية التي تمس مصير الإمارة المروانية، وكان ينسّق معه عند الضرورة لرد الاحتلال السلجوقي، ودفع حياته ثمناً لهذه القضية؛ وقد أوضح الفارقي (ابن الأزرق أحمد بن يوسف ت 577 هـ) ملابسات هذا الأمر، مع الأخذ في الحسبان أنه أقرب - زمنياً ومكانياً- إلى الأحداث التي دارت في الدولة المروانية من ياقوت (ت 626 هـ)، وهو ابن ميّافارقين، وأكثر دراية بأوضاعها وبتاريخ الدولة المروانية عامة، وإليكم ما رواه.

ضد السلاجقة

مر قبل قليل أن السلاجقة غزوا أراضي الدولة المروانية بدءاً من عهد سلطانهم الأول طُغرلبك، واستكملوا مشروع الغزو في عهد سلطانهم الثاني أَلْب أرسلان وفي عهد سلطانهم الثالث مَلِكشاه، وسيطروا على أراضي الدولة المروانية سيطرة تامة، ونفوا آخر أمرائها  ناصر الدولة منصور إلى قرية (حَرْبى) بالعراق، ويستفاد مما كتبه ابن الأزرق الفارقي (تاريخ الفارقي، ص 230) أنه لما توفي السلطان السلجوقي مَلِكشاه سنة (485 هـ  = 1093 م) وصل الخبر إلى ميافارقين، "فاختبط الناس بها، وماجوا واختلفوا "، وانقسم سكان ميّافارقين إلى فريقين:

-  فريق وطني، لم يكن راضياً عن الخضوع للحكم السلجوقي، وكانوا ينتظرون الفرصة المناسبة للثورة ضد المحتلين، ولما وصلهم خبر وفاة السلطان ملكشاه بادروا إلى إشعال الثورة، وشاعت الاضطرابات في المدينة.

-  وفريق مؤيد للحكم السلجوقي، ومستفيد منه، وناقم على الحكم المرواني، وكان يرى أن السلامة هي في الخضوع للسلاجقة.

واتفق زعماء الفريق المؤيد للسلاجقة على أن يرسلوا وفداً إلى السلطان بَرْكيارُوق بن ملكشاه، يستدعونه كي يأتي ويستلم البلاد، أو يرسل نائباً عنه ليحكمها، وكتبوا له من جملة ما كتبوا " فهي بلاد أبيك ". غير أن بركياروق كان منشغلاً بتثبيت أركان سلطته الجديدة، فلم يجب عن الرسالة، وطال الأمر، فاجتمع الفريق المؤيد للسلاجقة، ووقع اتفاقهم على أن يكون الحاكم هو الشيخ أبو سالم يحيى بن الحسن بن المحور، ثقة منهم بدينه وعقله، وألزموه بذلك، وأجلسوه في القصر مُكرها، وسلموا إليه مفاتيح البلد، (تاريخ الفارقي، ص 230- 232).

ولما طال الأمر، ولم يصل السلطان بركياروق إلى ميّافارقين، ولم يرسل أحداً من قِبله، اختلف الناس وماجوا ثانية، ووجد الفريق الوطني أن ميزان القوى ليس في صالح الفريق المؤيد للسلاجقة، فقرروا التحرك بسرعة، وتواصلوا مع الأمير ناصر الدولة المنفي في قرية (حَرْبى) بالعراق، ودعوه إلى العدة للوطن، واستلام السلطة من جديد، ولم يفوّت ناصر الدولة الفرصة، ولا سيما أنه كان يتحرّق شوقاً إلى العودة للوطن، وإحياء الحكومة المروانية من جديد، " فصعد إلى الجزيرة، ومَلَكها وأقام بها "(تاريخ الفارقي، ص 232).

 وخلال عودته كان ناصر الدولة قد أعاد سيطرته على آمد والمناطق التابعة لها، أما ميّافارقين عاصمة الدولة الدوستكية، فكانت لا تزال خارج سيطرته، وكان من الضروري أن يدخل ناصر الدولة عاصمة الإمارة ليعيد الأمور إلى نصابها، وخلال ذلك كان الخلاف قد تعمّق بين الفريق الوطني والفريق السلجوقي في المدينة، وعزم الفريق الوطني على دعوة ناصر الدولة إلى دخول المدينة، وتمليكه البلاد. لكن الفريق المؤيد للسلاجقة، وقفوا ضد قرار الفريق الوطني، وبرروا ذلك بأن حكم البيت المرواني (الدوستكي) كان ظلوماً، وأن السلاجقة أكثر عدلاً وإحساناً وإكراماً لأهل المدينة (تاريخ الفارقي، ص 232).

وهكذا انقسم زعماء ميّافارقين على أنفسهم، وراح كل فريق يشدّ عامة الناس إلى جانبه، ويعزّز موقفه ويقوّي مركزه، وفي وسط تلك الأزمة الوطنية برز الشاعر الأديب الحسن بن أسد، ونفهم مما رواه الفارقي وغيره أن ابن أسد لم يكن رجلاً مغموراً، وإنما كان معروفاً بين أهل مدينته خاصّتهم وعامّتهم، بل كان يعدّ من طبقة الخاصة، وكان من الوطنيين المتشدّدين، والمناوئين للاحتلال السلجوقي، وكان له تلامذة وأتباع يأخذون بآرائه وينهجون نهجه، وكان ابن أسد يعرف أن العامة مركز الثقل في المشكلات، وأنهم يحسمون الأمور لصالح فريق دون آخر، فبثّ أتباعه بين الجماهير، ونشر أفكاره، ودعا إلى التحرير من السيطرة السلجوقية، فالتفّت حوله الجماهير، واتخذته قائداً، فقادها إلى السيطرة على المدينة، وتخليصها من قبضة الفريق المؤيد للسلاجقة، ولخّص الفارقي ذلك قائلاً (تاريخ الفارقي، ص 232- 233):

 "واجتمع إليه جماعة من السوقة والرَّعاع والشباب والجُهّال، وحصل  يدور في المدينة  ويحفظ السور".

وعلم ناصر الدولة وهو في آمد بما فعله الفريق الوطني في ميّافارقين، وجرت المراسلات بينه وبين أبي نصر الحسن بن أسد، ويسّر له ابن أسد الدخول إلى المدينة سنة (486 هـ = 1094 م)، قال الفارقي (تاريخ الفارقي، ص 235- 236):

" فنفذ [ناصر الدولة] إلى الشيخ أبي نصر بن أسد، ووعده بالجميل، وطيّب قلبه، فأجابه واستدعاه واتفقت ميافارقين خالية من الأكابر والمقدمين، فوصل ناصر الدولة في أول سنة ست وثمانين وأربع مائة، وسلّم إليه ابن أسد ميّافارقين، فدخلها واستوزر ابن أسد، ولقّبه محيي الدولة، وصعد إليه الشيخ أبو الحسن ابن المحور، فأمّنه على نفسه وماله ومن يلوذ به ".

وبينما كانت هذه الأحداث تدور في أراضي الدولة المروانية، وكان السلطان بركياروق بن ملكشاه منشغلاً بأموره في الجناح الشرقي من الدولة السلجوقية في العراق وشرقي كردستان، وفارس، وأذربيجان)، تحرّك أخوه تاج الدولة تُتُش ملك بلاد الشام من دمشق، واتجه شمالاَ وشرقاً، وشرع يُعدّ العدّة للسيطرة على أراضي الدولة المروانية، وكان من الطبيعي أن ينتعش أعضاء الفريق السلجوقي في ميّافارقين ثانية، ويجدوا في السلطان تاج الدولة منقذاً لهم من قبضة ناصر الدولة ووزيره الشيخ أبي نصر، بعد أن أهمل السلطان بركياروق دعواتهم المتكررة لإنقاذهم، فتوجّه بعضهم إلى تُتش، " فأكرمهم، فقالوا له: قد حفظنا لك البلد، وأنت أخو السلطان [بركياروق]، وما نريد غيركم. فقال: تصبرون أياماً ونسير إلى آمد، ثم إلى مَيّافارقين "(تاريخ الفارقي، ص 234).

وأنجز تاج الدولة تُتُش وعده، فهاجم نصيين، وأعمل في أهلها السيف، وقتل فيها خلقاً كثيراً، ونهب وسبى، وارتكب هو وجنده الفظائع، ثم سار إلى آمد، والفريق السلجوقي معه، فحاصرها حصاراً شديداً، وسيطر عليها عَنوة، ثم سار  إلى مَيّافارقين عاصمة الإمارة المروانية، وحيث مقر الأمير ناصر الدولة، " وكان معه [تتش] خلق عظيم، فراسل أهل البلد، وخوَّفهم مما جرى على أهل نصيبين ".

وكان ناصر الدولة أعجز من أن يقف في وجه القوة السلجوقية الهائلة والعاتية، وزاد الأمر سوءاً أن الطابور الخامس المتمثل في الفريق المؤيد للسلاجقة من زعماء المدينة خرجوا عن صمتهم، وأعلنوا انحيازهم إلى تتش، وانتهز الأمير ناصر الدول الفرصة، فخرج خفية من أحد أبواب المدينة، ولجأ إلى المخيّم السلجوقي مستجيراً بحاجب الملك تتش، وبوزيره أبي النجم، وسقطت ميّافارقين في أيدي السلاجقة سنة ست وثمانين وأربعمائة، بعد أن حكمها ناصر الدولة خمسة أشهر فقط (تاريخ الفارقي، ص 236- 237).

وهكذا خسر الفريق الوطني معركة التحرير، وتوفي الأمير ناصر الدولة في السنة نفسها، أما وزيره ابن أسد فكان من الطبيعي أن يهرب من المدينة، ويختفي عن الأنظار، خوفاً من انتقام السلطان تُتش، وانتقام الفريق المؤيد للسلاجقة، واستقر تُتش بميافارقين، وأحسن إلى أهلها، وأسقط عنهم الأعشار والضرائب، وبعد حين قصد ابن أسد السلطان تتش، ومدحه بقصيدة غرّاء، قال الفارقي (تاريخ الفارقي، ص 238):

" فلما لقي السلطانَ وأنشده القصيدة، وأُعجب بها، وأُعجب الناس شعره، فقال بعض الحاضرين: يا مولانا، تعرف هذا؟ فقال: من هو؟ فقال: هو الذي أقام بميّافارقين، وما وقف حتى وصلت، وغلب على رأي البلد، فأمر وجمع الغوغاء والجهّال، واستدعى ابن مروان، وسلّم إليه ميّافارقين. فأمر [تتش] بضرب عنقه، فقُتل بحران في سنة سبع وثمانين وأربعمائة ".

وقد أكّد القفطي في كتابه (إنباه الرواة 1/331) ما رواه ابن الأزرق الفارقي، وذكر أن أبا نصر لم يُقتل بأمر من الأمير ناصر الدولة، وإنما بأمر من تاج الدولة تتش، بسبب وقوفه ضد الاحتلال السلجوقي، وذكر أن الخلاف دبّ بين أبي نصر وأهل ميّافارقين، "وجرت أحوال قضت له بالانفصال على غير جميل، وخاف سطوة السلطان، فخرج عنها إلى حلب، وأقام مدة، ثم حمله حب الرياسة والوطن، فعاد طالباً لها، ولما حصل بحرّان، قبض عليه نائب السلطان وشنقه" سنة سبع وثمانين وأربعمائة.

المراجع

1.     ابن الأثير: الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1979م.

2.    ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، دار الكتاب المصري، القاهرة، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1999م.

3.    عبد الرقيب يوسف: الدولة الدوستكية في كردستان الوسطى، مطبعة اللواء، بغداد، الطبعة الأولى، 1972م.

4.    الفارقي: تاريخ الفارقي، تحقيق عبد اللطيف عوض، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة، 1959 م.

5.  القفطي: إنباه الرواة على أنباه النحاة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي، القاهرة، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، الطبعة الأولى، 1986م.

6.    ياقوت الحموي: معجم الأدباء، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

ـ للمزيد من المعلومات انظر:

-        الذهبي: تاريخ الإسلام (حوادث سنة 487 هـ).

-        الزركلي: الأعلام.

-        السيوطي: بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة.

-        ابن شدّاد: الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام و الجزيرة.

وإلى اللقاء في الحلقة السادسة والخمسين

د. أحمد الخليل   في 17 – 5 -  2008

 dralkhalil@hotmail.com

 

  

============

 

مشاهير الكرد في التاريخ

( الحلقة الرابعة والخمسون )

الموسيقي إسحاق الموصلي: نديم الخلفاء

(توفي عام 235 هـ /850 م)

سليل الفن

ثمة مثل قديم يقول: " الآباء يأكلون الحِصْرِم، والأبناء يَضْرَسون".

ولكن ليس جميع الآباء يرتكبون الأخطاء، ويدفع أولادهم الثمن، فثمة آباء يفعلون العكس، إنهم يكدحون ويشقون، ويمهّدون الطريق لأولادهم، كي يعيشوا حياة تجمع بين الهناءة والمجد؛ وهذا ما نجده في سيرة كل من الموسيقي والمغنّي إبراهيم بن ماهان بن بَهْمَن بن نُسْك، المشهور باسم إبراهيم الموصلي، وسيرة ابنه الموسيقي والمغنّي إسحاق الموصلي.

ومرّ في الحلقة السابقة أن أسرة إبراهيم الموصلي هي بنت الجغرافيا الكردية اللورية، وبناء على ذلك رجّحنا أنه كردي لوري (فَيْلي)، أما كونه كردستانياً فأمر أكدته المعطيات الجغرافية التي أفصح عنها الجغرافيون القدماء، وقد تشرّد ماهان والد إبراهيم من موطنه أَرَّجان (في جنوب غربي إيران حالياً) وأم إبراهيم حامل به، هرباً من ظلم ولاة بني أمية، وتوجّهت الأسرة غرباً نحو العراق، واستقرت في الكوفة، ولم يكمل إبراهيم تعليمه في الكُتّاب، إذ كان هاوياً للموسيقى والغناء، وصحب بعض الفتيان من هواة الطرب، فأنكر أخواله عليه ذلك، فهرب إلى الموصل (ابن الجوزي: المنتظم، 9/ 156 - 157).

وتنقّل إبراهيم بين الموصل والرَّيّ Rai (رغه) والأُبُلّّة والمَذار (مَيْسان)، يلتقي بكبار الملحّنين والمغنّين، ويأخذ عنهم، ويعرض مهاراته الفنية على أسماعهم، وتمكّن- بفضل مواهبه واجتهاده- من الوصول إلى قصر والي البصرة الأمير العباسي محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، وتدرّج في الارتقاء، ليصبح أحد كبار الموسيقيين والمغنّين في بلاط الخلفاء العباسيين؛ بدءاً من المَهدي، ومروراً بالهادي، وانتهاء بهارون الرشيد، وحصل على الجوائز الثمينة والمكافآت الكثيرة، وكان من الطبيعي أن يصبح من مشاهير عصره، ومن كبار الأغنياء أيضاً.

وبما أن إبراهيم صار من حاشية الأمير العباسي محمد بن سليمان في وقت مبكّر إلى حدّ ما، ونال جوائزه، فذلك يعني أن ابنه إسحاق - ولد سنة (155 هـ/772 م)-  عاش حياة بعيدة عن الفقر منذ أيام صباه، ولا ريب في أنه صار ينعم بحياة القصور في بغداد بعد أن أصبح والده من المقرَّبين إلى الخلفاء، وكان من الطبيعي أيضاً أن يحظى بما كان يحظى به أبناء عِلْية القوم في عصره من رخاء العيش، وتحصيل للآداب والعلوم، ويتضح من سيرة إسحاق أن والده اعتنى بتعليمه، واعتنى في الوقت نفسه بإعداده ليخلفه في مجال الموسيقى والغناء في بلاط الخلفاء.

ثقافة موسوعية

ولا يكفي أن ينعم المرء بالرخاء، وبفرص التعلم، كي يصبح متعلماً قديراً، وإنما لا بد من أن تكون لديه رغبة حقيقية في التعلم، وكان إسحاق ممن يمتلك تلك الرغبة، بل يستفاد من سيرته أنه كان حريصاً جداً على توسيع معارفه في مجالات عديدة، وترسيخ معلوماته، والانتقال إلى مرتبة المثقف الموسوعي، هذا رغم أنه كان من المتخصصين في فن الموسيقى والغناء؛ وأشار الأصبهاني إلى ذلك في كتابه (الأغاني، 5/271 - 272) قائلاً:

" أخبرني يحيى بن علي المنجِّم قال أخبرني أبي عن إسحاق قال: بقيت دهراً من دهري أُغلِّس [الغَلَس: ظلمة الليل قُبيل الفجر] في كل يوم إلى هُشَيْم [محدِّث] فأسمع منه، ثم أصير إلى الكِسائي أو الفَرّاء أو ابن غَزالة [نحاة]، فأقرأ عليه جزءاً من القرآن، ثم آتي منصور زَلْزَل [ضارب عود شهير] فيضاربني طَرْقَين أو ثلاثة، ثم آتي عاتِكَة بنت شُهْدَة [مغنّية]، فآخذ منها صوتاً أو صوتين، ثم آتي الأَصْمَعي وأبا عُبَيْدة [لغويان وراويان]، فأناشدهما وأحدّثهما فأستفيد منهما، ثم أصير إلى أبي فأُعلمه ما صنعت ومن لقِيت وما أخذت وأتغدّى معه، فإذا كان العشاء رحت إلى أمير المؤمنين الرشيد".

إذاً لم يكن إسحاق فوضوياً في مسيرته التثقيفية، إنه كان يسير وَفق خطة دقيقة، فيدور في اليوم الواحد على مشاهير المحدّثين والنحاة واللغويين والملحّنين والمغنين، فيتعلّم من صاحب كل علم، ويبدو أن والده إبراهيم كان يتابع بحزم ولده في تنفيذ تلك الخطة التثقيفية، بل كان ينتظر كل يوم من ابنه أن يقدّم له تقريراً شفهياً حول تحصيله الثقافي، وفي المساء كان يصطحبه معه لحضور مجلس الخليفة، ومعروف أن مجالس الخلفاء حينذاك كانت عامرة بكبار العلماء في مختلف الميادين.

ولم يبخل إسحاق بالأموال لاستكمال تحصيله الثقافي في فنون العلم، إنه كان يقدّم لمن يعلّمه أموالاً كثيرة، وكان يعلم أنه ليس بخاسر، وأنه سيستردّ في المستقبل أضعاف ما ينفقه من الأموال في مجال العلوم، لقد قال: " أخذ مني منصور زَلْزَل، إلى أن تعلمت مثلَ ضربه بالعود، أكثر من مائة ألف درهم " (الأغاني، 5/272). وكان زَلَزَل من كبار الضاربين على العود في ذلك العصر. وذكر الأصبهاني (الأغاني، 5/274) كرم إسحاق على معلميه قائلاً:  

" كان إسحاق يُجري على ابن الأعرابي [لغوي كبير] في كل سنة ثلثمائة دينار، وأهدى له ابن الأعرابي شيئاً من كتاب النَّوادر كتبه له بخطه؛ فمرّ ابن الأعرابي يوماً على باب دار الموصلي ومعه صديق له؛ فقال له صديقه: هذه دار صديقك أبي محمد إسحاق. فقال: هذه دارُ الذي نأخذ من ماله ومن أدبه ".

ولعل من الغريب أن نجد إسحاق- وهو رجل الموسيقى والغناء- حريصاً على تحصيل علم الحديث أيضاً، قال الأصبهاني (الأغاني، 5/269):

" وقد روى الحديث، ولقي أهله؛ مثل مالك بن أَنَس، وسُفيان بن عُيَيْنَة، وهُشَيْم بن بَشير، وإبراهيم بن سَعد، وأبي معاوية الضَّرير، ورَوْح بن عُبادة، وغيرهم من شيوخ العراق والحجاز. وكان مع كراهته الغناء أضنّ خلق الله وأشدهم بخلاً به على كل أحد حتى على جواريه وغلمانه ومن يأخذ عنه منتسباً إليه متعصّباً له، فضلاً عن غيرهم ".

وروى إسحاق قائلاً:

" جئت يوماً إلى أبي معاوية الضَّرير ومعي مائة حديث، فوجدت حاجبه يومئذ رجلاً ضريراً؛ فقال لي: إن أبا معاوية قد ولاّني اليوم حِجْبتَه لينفعني. فقلت: معي مائة حديث، وقد جعلت لك مائة درهم إذا قرأتُها. فدخل واستأذن لي فدخلت. فلما عرفني أبو معاوية دعاه، فقال له: أخطأتَ، وإنما جعلتُ لك مثل هذا من ضعفاء أصحاب الحديث، فأما أبو محمد [يقصد إسحاق] وأمثاله فلا. ثم أقبل عليّ يرغّبني في الإحسان إليه، ويذكر ضعفَه وعنايتَه به. فقلت له: احتكِم في أمره. فقال: مائة دينار؛ فأمرت بإحضارها الغلامَ، وقرأت عليه ما أردت وانصرفت "(الأغاني، 5/273 – 274، وانظر ابن الجوزي: المنتظم، 11/226- 227).

بل كان إسحاق يستخدم نفوذ كبار القوم عند العلماء، كي يسهّلوا له تحصيل ما يرغب فيه من العلوم، ولاسيما علم الحديث، وقال في هذا الشأن:

" صرت إلى سُفيان بن عُيَيْنة لأسمع منه، فتعذّر ذلك عليّ وصعب مرامه، فرأيته عند الفَضْل بن الرَّبِيع [من الوزراء]، فسألته أن يُعرّفه موضعي من عنايته ومكاني من الأدب والطلب، وأن يتقدّم إليه بحديثي. ففعل وأوصاه بي؛ فقال: إن أبا محمد من أهل العلم وحَمَلته. قال: فقلت: تَفْرِض لي عليه ما يحدّثني به. فسأله في ذلك. ففرض لي خمسة عشَر حديثاً في كل مجلس؛ فصرت إليه، فحدّثني بما فرض لي. فقلت له: أعزّك الله، صحيح كما حدّثتني به؟ قال: نعم، وعقَد بيده شيئاً، قلت: أفأرويه عنك؟ قال: نعم، وعقَد بيده شيئا آخر، ثم قال: هذه خمسة وأربعون حديثاً، وضحك إلي، وقال: قد سرّني ما رأيتُ من تقصّيك في الحديث، وتشدّدك فيه على نفسك، فصِرْ إليّ متى شئت حتى أحدّثك بما شئتَ " (الأغاني، 5/273).

وليس عجيباً، والحال هذه، أن يصبح إسحاق من كبار مثقفي عصره، وخاصة في مجالات الأدب وعلم الفقه، قال الأصبهاني (الأغاني، 5/268):

" وموضعُه من العلم، ومكانُه من الأدب، ومحلُّه من الرواية، وتقدُّمه في الشعر، ومنزلتُه في سائر المحاسن، أشهرُ من أن يُدَلّ عليه فيها بوصف؛ وأما الغناءُ فكان أصغر علومه وأدنى ما يوسَم به، وإن كان الغالب عليه وعلى ما كان يُحسنه؛ فإنه كان له في سائر أدواته نظَُراء وأكْفاء، ولم يكن له في هذا نظير؛ فإنه لحق بمن مضى فيه وسبق من بقي، ولََحَب [وسّع] للناس جميعاً طريقه فأوضحها، وسهّل عليهم سبيله وأنارها؛ فهو إمام أهل صناعته جميعاً، ورأسُهم ومعلّمُهم؛ يعرف ذلك منه الخاصّ والعامّ، ويشهد به الموافق والمفارق".

وجاء في (تاريخ بغداد، 6/340 - 341) أن إسحاق الموصلي قال:

" لمّا خرجنا مع الرشيد إلى الرَّقّة قال لي الأَصْمَعي: كم حملتَ معك من كتبك؟ قلت: تخفّفت فحملت ثمانية أحمالٍ ستةَ عشَرَ صندوقاً. قال: فعجب. فقلت: كم معك يا أبا سعيد؟ قال: ما معي إلا صندوق واحد".

وتقدّم إسحاق في ميادين الثقافة- وخاصة علم الفقه- تقدماً كبيراً، حتى إن المأمون- وهو الخليفة الواسع الثقافة، الخبير بفنون العلوم والآداب- أشاد به في أكثر من مناسبة، وكان يرشّحه لتولّي منصب القضاء، بل كان يفضّله على كثيرين من قضاة عصره؛ وهذا دليل على أن إسحاق لم يكن من البارزين في مجال علم الفقه فقط، بل كان يمتاز بخصال حميدة أيضاً، قال الأصبهاني (الأغاني، 5/268 - 269):

" وكان المأمون يقول:  لولا ما سبق على ألسنة الناس، وشُهر به عندهم، لولّيته القضاءَ بحضرتي، فإنه أولى به، وأعفّ وأصدق وأكثر ديناً وأمانة من هؤلاء القضاة ".

وأكد الأصبهاني رأي المأمون في إسحاق قائلاً (الأغاني، 5/272):

 "حدّثَنا ابن شَبيب من جلساء المأمون عنه، أنه قال يوماً- وإسحاق غائب عن مجلسه-: لولا ما سبق على ألسنة الناس، واشتهر به عندهم من الغناء، لولّيته القضاء، فما أعرف مثله ثقةَ وصدقاً وعفّةً وفقهاً؛ هذا مع تحصيل المأمون وعقله ومعرفته".

موهبة شعرية

أما في مجال الشعر فكان إسحاق من الشعراء البلغاء، وقد شهد له الأَصْمَعي- وهو لغوي كبير- بذلك، وروى الأصبهاني (الأغاني، 5/278) " أن الأصمعي أُنشد قولَ إسحاق يذكر ولاءه لخُزَيمَة بن خازم:

إذا كانت الأحرارُ أصلي ومَنصبي

ودافعَ ضَيْمي خازمٌ وابنُ خــازمِ

عَطَسْتُ بأنفٍ شــامخ، وتناولتْ

يدايَ الثُّريّا قاعــــداً غيرَ قائمِ

قال: فجعل الأصمعي يعجب منهما ويستحسنهما، وكان بعد ذلك يذكرهما ويفضلهما".

ونقل الأصبهاني عن إسحاق أنه قال (الأغاني، 5/316): " أنشدت في حضرة المعتصم:

قل لمــن صدَّ عاتبا        ونأى عنـــكَ جانبا

قد بلغتَ الــذي أرد        تَ وإن كنتَ لاعــبا

فأعجبه، وقال لي: قد- والله- أحسنت! وأمر لي بألفي دينار".

ومن شعر إسحاق في حضرة الخليفة هارون الرشيد:

وآمرةٍ بالبخل قلت لهــا: اقصُري

 فذلك شيءٌ ما إليــــه سبيلُ

أرى الناسَ خُلاّنَ الكرام، ولا أرى

بخيلاً له حتى الممـــات خليلُ

وإني رأيتُ البخــل يُزْري بأهلهِ

فأكرمتُ نفسي أن يقــال: بخيلُ

ومن خير حالات الفتى لو علمتِه

إذا نال خيراً أن يكـــون يُنيلُ

فَعالي فَعـــال المُكْثرين تَجمُّلاً

ومالي كمـــا قد تعلمين قليلُ

وكيف أخاف الفقرَ أو أُحْرَمَ الغنى

ورأيُ أميــر المؤمنين جميلُ؟!

" فقال الرشيد: لا تخف إن شاء الله؛ ثم قال: لله دَرُّ أبيات تأتينا بها؛ ما أشدَّ أصولَها، وأحسنَ فصولَها، وأقلّ فضولَها! وأمر له بخمسين ألف درهم" (الأغاني، 5/322. وانظر القالي: الأمالي، 1/31).

مغنّ يكره الغناء

إن ثقافة إسحاق الموسوعية جعلته يستصغر على نفسه أن يكون مجرد مغنّ في بلاط الخليفة، وأن يسمى (المغنّي)، ولعله كان يرى أنه لا يقلّ معرفة بالأدب والفقه وعلم الكلام من كثيرين ممن لمعت أسماؤهم في هذه الميادين، قال الأصفهاني (الأغاني، 5/268):

" على أنه كان أكرهَ الناس للغناء، وأشدَّهم بغضاً لأنْ يدعى إليه أو يُسمّى به. وكان يقول: لَوَدِدتُ أن أُضرَب، كلما أراد مريدٌ مني أن أغنّي، وكلما قال قائل: إسحاق الموصلي المغنّي، عشرَ مَقارِع، لا أطيق أكثرَ من ذلك، وأُعفى من الغناء، ولا يَنسُبني مَن يذكرني إليه ".

وذكر الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد، 6/342 - 343) نقلاً عن شاعر اسمه محمد بن عطيّة العطوي "  أنه كان عند يحيى بن أَكْثَم [كبيرالقضاة] في مجلس له يجتمع الناس فيه، فوافى إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فأخذ يناظر أهل الكلام حتى انتصف منهم، ثم تكلم في الفِقه، فأحسن وقاس واحتجّ، وتكلم في الشعر واللغة، ففاق من حضر. فأقبل على يحيى فقال: أعزَّ الله القاضي، أفي شيء مما نظرتُ فيه وحكيته نقص أو مَطْعَن؟ قال: لا. قال: فما بالي أقوم بسائر هذه العلوم قيامَ أهلها، وأُنسَب إلى فنّ واحد قد اقتصر الناس عليه؟ قال العَطوي: فالتفت إليّ يحيى بن أكثم فقال: جوابه في هذا عليك... فقلت: نعم أعز الله القاضي، الجواب عليّ. ثم أقبلت على إسحاق، فقلت: يا أبا محمد، أنت كالفَرّاء والأَخْفَش في النحو؟ قال: لا. قلت أفأنت في اللغة وعلم الشعر كالأَصْمَعي وأبي عُبَيْدة؟ قال: لا. قلت: أفأنت في الأنساب كالكَلْبى وأبي اليَقْظان؟ قال: لا. قلت: أفأنت في الكلام كأبي الهُذَيْل والنَّظّام؟ قال: لا. قلت: أفأنت في الفِقه كالقاضي؟ قال: لا. قلت: أفأنت في قول الشعر كأبي العَتاهية وأبى النُّوّاس؟ قال: لا. قلت فمِن ها هنا نُسِبتَ إلى ما نُسبتَ إليه؛ لأنه لا نظيرَ لك فيه ولا شبيه، ... فضحك وقام فانصرف. فقال لي يحيى بن أكثم: لقد وَفّيت الحجّةَ حقَها، وفيها ظلمٌ قليل لإسحاق، وإنه لممّن يَقِلّ في الزمان نظيره ".

ونقل الأصبهاني (الأغاني، 5/286) عن عليّ بن المنجِّم قوله:

" سأل إسحاقُ الموصلي المأمونَ أن يكون دخوله إليه مع أهل العلم والأدب والرواة لا مع المغنّين، فإذا أراده للغناء غنّاه. فأجابه إلى ذلك؛ ثم سأله بعد حين أن يأذن له في الدخول مع الفقهاء. فأذن له. قال: فحدثني محمد بن الحارث بن بُسْخُنَّر أنه كان هو ومُخارِق وعَلّويه [مغنّيان] جلوساً في حجرة لهم ينتظرون جلوسَ المأمون وخروجَ الناس من عنده، إذ دخل يحيى بن أَكْثَم وعليه سواده [لباس أسود كان شعار بني العباس وأتباعهم] وطويلته [قَلَنْسُوَة طويلة كانت للقضاة]، ويدُه في يد إسحاق يماشيه، حتى جلس معه بين يَدَيْ المأمون، فكاد عَلّويه أن يُجَنّ، وقال: يا قوم، أسمعتم بأعجب من هذا؟! يدخل قاضي القضاة ويده في يد مغنّ حتى يجلسا بين يدي الخليفة! ثم مضت على ذلك مدة، فسأل إسحاق المأمون أن يأذن له في لبس السَّواد يوم الجمعة والصلاة معه في المقصورة. قال: فضحك المأمون وقال: ولا كلّ ذا يا إسحاق! وقد اشتريت منك هذه المسألة بمائة ألف درهم؛ وأمر له بها ".

وأقل ما نستنتجه من هذا الخبر أن إسحاق كان في نفسه أكبر من أن يكون مصنَّفاً مع المغنّين والملحّنين، وأن المأمون وحاشيته كانوا يقدّرون له ذلك، وقد أراد إسحاق ذات مرة أن ينخلع من صنعة الغناء، ولعله كان بذلك يهيّئ نفسه كي يتخلّص من صفة (المغنّي)، لكن المأمون لم يوافقه على ذلك، قال الأصبهاني (الأغاني، 5/374): " كان إسحاق قد أظهر التوبة وغيّر زِيّه، واحتَجَر [تغيّب] من حضور دار السلطان. فبلغه أن المأمون وَجَد [غضب] عليه من ذلك وتنكّر، فكتب إسحاق إليه، وغنّى فيه بعد ذلك:

يابنَ عمّ النبي، سمعاً وطـاعةْ

قد خلعــنا الرداء والدُّرّاعةْ

ورَجَعنا إلى الصناعة لمّا كان

سَخَطُ الإمــام تركَ الصناعةْ ".

عبقرية موسيقية

ولننتقل إلى مواهب إسحاق الموسيقية والغنائية، ولا عجب أن يكون الرجل عبقرياً في هذا المجال، وكيف لا؟! فهو من ناحية وارث سليل والده العبقري، وخرّيج مدرسته الموسيقية الغنائية، وهو من ناحية أخرى رجل واسع الثقافة، خبير بالأدب، مبدع للشعر، مطّلع على المعلومات الموسيقية المترجمة من كتب اليونان، وإن اجتماع الموهبة الفطرية مع الثقافة العميقة كان حرياً بأن يوصل إسحاق إلى درجات عليا من الإبداع الفني، وشهد له معاصروه من الخبراء في الغناء والموسيقى بأنه "هو الذي صحّح أجناس الغناء وطرائقه، وميّزه تمييزاً لم يَقدِر عليه أحد قبله، ولا تعلّق به أحد بعده " (الأغاني، 5/269)، وقد ألّف كتاباً في فن الموسيقى والغناء سمّاه (الأغاني)، ذكره تلميذه عمرو بن بانَة، وأشاد به. وأتى في كتابه "على كل ما رسمتْه الأوائل مثل إقْليدس ومَن قبلَه ومَن بعدَه من أهل العلم بالموسيقى، ووافقهم بطبعه وذهنه فيما قد أَفنَوا فيه الدهور، من غير أن يقرأ لهم كتاباً أو يعرفه" (الأغاني، 5/269 – 270).

ولم تأت عبقرية إسحاق عبثاً، وإنما كانت نتيجة بحث ودراسة ومتابعة وتدريب مستمر، وقد سأله ذات يوم أحد كبار رجال البلاط سؤالاً موسيقياً صعباً، فأحرجه، فذهب إلى صديقه عليّ بن يحيى المنجّم، وقال له:

" إن هذا الرجل سألني عما سمعتَ، ولم يبلغ علمه أن يستنبط مثله بقريحته، وإنما هو شيء قرأه من كتب الأوائل، وقد بلغني أن التراجمة عندهم يترجمون لهم كتب الموسيقى، فإذا خرج إليك منها شيء فأعطنيه" (الأغاني، 5/270 - 271).

ووعده صديقه علي بذلك، وقال في هذا الصدد (الأغاني، 5/270 - 271):

" ومات قبل أن يخرج إليه شيء منها. وإنما ذكرتُ هذا بتمام أخباره كلها ومحاسنه وفضائله، لأنه من أعجب شيء يُؤْثَر عنه أنه استخرج بطبعه علماً رسمته الأوائل؛ لا يوصل إلى معرفته إلا بعد عِلم كتاب إقليدس الأول في الهندسة، ثم ما بعده من الكتب الموضوعة في الموسيقى، ثم تعلّم ذلك وتوصّل إليه واستنبطه بقريحته، فوافق ما رسمه أولئك، ولم يَشِذّّ عنه شيء يحتاج إليه منه، وهو لم يقرأه ولا له مدخل إليه ولا عرفه، ثم تَبيَّن بعد هذا، بما أذكره من أخباره ومعجزاته في صناعته، فضلُه على أهلها كلهم وتميُّزه عنهم، وكونُه سماءً هم أرضها، وبحراً هم جداوله ".

بلى، بهذا الجد والاجتهاد وصل إسحاق إلى ما وصل إليه من مهارة موسيقية رفيعة، وقد قال ذات مرة (الأغاني، 5/277):

" دخلت على المأمون يوماً وعَقِيد [مغنّ] يغنّيه ارتجالاً، وغيره يضرب عليه. فقال: يا إسحاق، كيف تسمع مغنّينا هذا؟ فقلت: هل سأل أمير المؤمنين عن هذا غيري. قال: نعم، سألت عمي إبراهيم [ابن المَهدي]، فوصفه وقرَّظه [مدحه] واستحسنه؛ فقلت له: يا أمير المؤمنين - أدام الله سرورك، وأطاب عيشك - إن الناس قد أكثروا في أمري، حتى نَسبتْني فِرقة إلى التزيّد في علمي. فقال لي: فلا يَمنعْك ذلك من قول الحق إذا لَزِمك. فقلت لعَقيد: اُرْدُد هذا الصوت الذي غنّيته آنفاً. وتَحفّظَ فيه، وضرب ضاربُه عليه. فقلت لإبراهيم بن المَهدي: كيف رأيته؟ فقال: ما رأيت شيئاً يُكرَه ولا سمعتُه. فأقبلت على عَقيد، فقلت له حين استوفاه: في أيّ طريقة هذا الصوت الذي غنّيتَه؟ قال: في الرَّمَل [لحْن]؛ فقلت للضارب: في أيّ طريقة ضربتَ أنت؟ قال: في الهَزَج الثقيل [لحْن]؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، ما عسَيتُ أن أقول في صوت يغنّي مغنّيه رَمَلاً ويضرب ضاربه هزَجَاً، وليس هو صحيحاً في إيقاعه الذي ضرب عليه؟! قال [إسحاق]: وتَفهَّمَه إبراهيمُ بن المَهدي بعدي، فقال: صدق يا أمير المؤمنين". وأضاف إسحاق قائلاً: "وجعل [المأمون] يتعجّب من ذَهاب ذلك على كل من حضر، وكنّاني في ذلك اليوم مرتين".

إن في هذا الخبر دليلاً واضحاً على رهافة الحس الموسيقي عند إسحاق، وعلى دقة ملاحظته وقوة حجّته، ولم تكن ثقافة إسحاق الموسيقية مقتصرة على الألحان الأعجمية (الكردية، الفارسية) والعربية فقط، وإنما كان محيطاً بالألحان الرومية أيضاً، وكان يمتلك مهارة تمييز اللحن الرومي وإن كان الغناء بالعربية، وأهّلته خبرته ومواهبه الموسيقية لأن يكون حَكَماً بين كبار المغنّين في البلاط العباسي حينذاك، وكان يصدر في أحكامه عن رؤية فنية دقيقة وحس موسيقي مرهَف، قلما  امتلكه غيره، وكان يجعل للممارسة القول الفصل، ويمتحن المتنافسين، ويُصدر الحكم غير منحاز، ونتيجة ذلك كان يتعرّض لغضب بعض من لم يقدّمه في المرتبة (الأغاني، 5/279 - 280).

وبلغت عبقرية إسحاق الموسيقية أنه كان يشوّش مواقع أوتار العود، ثم يضرب عليه اللحن المناسب لكل أغنية، دونما أدنى خلل، وكان هذا أمراً يعجز عنه الآخرون، وقد فعل ذلك في مجلس الخليفة الواثق بالله، حينما تحدّاه مغنّ يدعى (مُلاحظ). وقال الأصبهاني (الأغاني، 5/281 - 282):

" تناظر المغنّون يوماً عند الواثق، فذكروا الضُّرّاب وحِذْقهم، فقدّم إسحاق زَلْزَلاً على مُلاحِظ، ولملاحظ في ذلك الرياسة على جميعهم. فقال له [لإسحاق] الواثق: لئن متَّ لتموتنَ هذه الصناعة معك. وأمر له بثلاثين ألف درهم ".

وقال إسحاق (الأغاني، 5/285):

" دعاني المأمون وعنده إبراهيم بن المَهدي، وفي مجلسه عشرون جارية، قد أجلس عشراً عن يمينه وعشراً عن يساره، ومعهن العيدان يَضربن بها؛ فلما دخلت سمعت من الناحية اليسرى خطأً فأنكرته. فقال المأمون: يا إسحاق، أتسمع خطأ؟ فقلت: نعم- والله- يا أمير المؤمنين؛ فقال لإبراهيم: هل تسمع خطأ؟ فقال: لا. فأعاد عليّ السؤال. فقلت: بلى- والله- يا أمير المؤمنين، وإنه لفي الجانب الأيسر. فأعاد إبراهيم سمعه إلى الناحية اليسرى، ثم قال: لا- والله- يا أمير المؤمنين، ما في هذه الناحية خطأ. فقلت: يا أمير المؤمنين، مُر الجواري اللواتي على اليمين يُمسكن. فأمرهن فأمسكن. فقلت لإبراهيم: هل تسمع خطأ؟ فتسمّع ثم قال: ما ها هنا خطأ. فقلت: يا أمير المؤمنين، يُمسكن وتَضرِب الثامنة. فأمسكن وضربت الثامنة، فعرف إبراهيم الخطأ،...  فطرب أمير المؤمنين المأمون، وقال: لله دَرُّك يا أبا محمد؛ فكنّاني يومئذ ".

ولم يكن إسحاق رخيم الصوت عذبه، ومع ذلك كان يعرف كيف يؤدّي الغناء بشكل رائع، لذلك كان أقرانه ومنافسوه في مجال فن الموسيقى والغناء، يحسبون له ألف حساب، وقد قال أحد معاصريه:

" قلت لزُرْزُور الكبير: كيف كان إسحاق يَنْفُق على الخلفاء [تروج بضاعته] معكم؛ وأنت وإبراهيم بن المَهدي ومُخارِق أطيبُ أصواتاً وأحسنُ نغمة؟ قال: كنا - والله يا بُني- نَحضر معه، فنجتهد في الغناء، ونُقيم الوَهَج [نقدّم ما هو رائع] فيه، ويُقبل علينا الخلفاء، حتى نطمعَ فيه، ونظن أنا قد غلَبناه، فإذا غنّى عمِل في غنائه أشياء من مداراته وحِذْقه ولطفه، حتى يُسقطنا كلَّنا، ويُقبل عليه الخليفة دوننا، ويُجيزِه دوننا، ويُصغَى إليه، ونرى أنفسنا اضطراراً دونه " (الأغاني، 5/326).

وروى الأصبهاني (الأغاني، 5/327) أنه: " كان المغنّون إذا حضروا، وليس إسحاق معهم، غنَّوا هُوَْينى، وهم غير مفكرين؛ فإذا حضر إسحاق لم يكن إلا الجِدُّ ". وكان إسحاق حريصاً على تجويد إنتاجه الفني، وإتقان أدائه الموسيقي، ولم يكن ممن يركض خلف المظاهر، ويهمل الجوهر، وقد قال أحد معاصريه لحمّاد بن إسحاق (الأغاني، 5/430):

" قلت لأبيك إسحاق: يا أبا محمد، كم يكون غناؤك؟ قال: نحواً من أربعمائة صوت [لحن أغنية]. قال: وقال له رجل بحضرتي: ما لك لا تُكثر الصنعة كما يُكثر الناس؟! قال: لأني إنما أنقر في صخرة ".

وقد شهد الخلفاء لإسحاق بعلوّ شأنه في فن الغناء، فقال الواثق (الأغاني، 5/286): "ما غنّاني إسحاق قط إلا ظننت أنه قد زيد لي في ملكي، ولا سمعته يغنّي غناء ابن سُرَيْج [مغنّ شهير قديم] إلا ظننت أن ابن سُريج قد نُشِر، وإنه ليحضرني غيره إذا لم يكن حاضراً، فيتقدمه عندي وفي نفسي بطيب الصوت، حتى إذا اجتمعا عندي رأيت إسحاق يعلو، ورأيت من ظننته يتقدمه ينقص؛ وإن إسحاق لَنعمةٌ من نعم المُلك التي لم يُحظَ بمثلها؛ ولو أن العمر والشباب والنشاط مما يُشترى لأشتريتهن له بشطر [نصف] ملكي".

حسّاد.. وذكاء

لقد مر في الحلقة الخاصة بسيرة إبراهيم الموصلي أن المنافسة الفنية بينه وبين الأمير العباسي إبراهيم بن المهدي كانت شديدة، وكان إبراهيم بن المهدي يستغل كونه من الأسرة الحاكمة في التضييق على إبراهيم والتحامل عليه، وكان يتحايل عليه، ويسرق بعض ألحانه، وينسبها في مجالس الخلفاء إلى نفسه، ويُحرج إبراهيم. وبعد وفاة إبراهيم الموصلي، وحلول ابنه إسحاق محلّه، وجّه إبراهيم بن المهدي سهامه إلى إسحاق، فكان يحاول الحطّ من شأنه، والانتقاص من انتمائه، ويصفه بأنه (جُرْمُقاني) (الأغاني، 5/289). وأحياناً كان الخلاف يتفاقم بينهما بشدة في حضرة الرشيد، وما كان إسحاق يتردّد في الردّ عليه بجرأة وقسوة، بل عيّره ذات مرة بأخواله في حضرة الرشيد، وكان الرشيد يصلح بينهما، ويدافع عن إسحاق، ويردع أخاه إبراهيم عن الإساءة إليه، ويهدّده إذا ألحق مكروهاً بإسحاق (الأغاني، 5/297).

وإن المرتبة التي بلغها إسحاق عند الخلفاء وكبار رجال البلاط كانت تثير الحسد في نفوس أقرانه من أرباب الفن، ومنهم مُخارِق وعَلّويه، وقد وجدا إسحاق يدخل ذات يوم إلى مجلس الخليفة الواثق بصحبة القاضي أحمد بن أبي دُؤَاد، وفي زيّ مثل زيّه، " فقامت على عَلّويه القيامة وقال: يا هؤلاء، خِيناكر [كلمة أعجمية تعني: المغنّي المُضْحِك] يدخل إلى الخليفة مع قاضي القضاة! أسمعتم بأعجب من هذا البَخْت قط! فقال له مُخارِق: دع هذا عنك، فقد- والله- بلغ ما أراد. ولم نلبث أن خرج ابن أبي دُؤاد ودُعي بنا فدخلنا، فإذا إسحاق جالس في صف النُدَماء لا يخرج منه، فإذا أمره الواثق أن يغنّي خرج عن صفهم قليلاً، وأُتي بعود، فغنّى الصوتَ الذي يأمره به؛ فإذا فرَغ من القَدَح قطع الصوت الذي يأمره به حيث بلغ ولم يُتِمّه، ورَجَع إلى صف الجُلَساء" (الأغاني، 5/296).

وكان بعض كبار المغنّين يَكيدون لإسحاق عند الخلفاء، وقد فعل مُخارق ذلك عند الواثق، لكن إسحاق كان يخرج من المعركة منتصراً في النهاية، لسبب واحد؛ هو أنه كان واثقاً على الدوام مما يقول، ولم يكن ينطق في مجال الموسيقى والغناء إلا بما هو منطقي ومؤكد. (الأغاني، 5/360 - 361).

وإضافة إلى العبقرية الفنية والثقافة الموسوعية، كان إسحاق يمتاز بالذكاء وسرعة البديهة، وروى الأصبهاني عن إسحاق (الأغاني، 5/405) في هذا الصدد قوله:

" ذكر المعتصم يوماً بعض أصحابه وقد غاب عنه، فقال: تعالَوا حتى نقول ما يصنع في هذا الوقت. فقال قوم: يلعب بالنِّرْد [طاولة الزَّهر]، وقال قوم: يغنّي. فبلغتني النوبة. فقال: قل يا إسحاق. قلت: إذا أقول وأصيب؟! قال: أتعلم الغيب؟ قلت: لا، ولكني أفهم ما يصنع وأَقْدِر على معرفته. قال: فإن لم تُصِبْ. قلت: فإن أصبت؟ قال: لك حُكْمُك، وإن لم تُصِب؟! قلت: لك دمي. قال: وَجَب. قلت: وَجَب. قال: فقل. قلت: يتنفس. قال: فإن كان ميتاً؟ قلت: تُحْفَظ الساعةُ التي تكلمت فيها، فإن كان مات فيها أو قبلها فقد قَمَرْتَني [غلبتني]، فقال: قد أنصفتَ. قلت: فالحُكْم. قال: احتكم ما شئت. قلت: ما حكمي إلا رضاك يا أمير المؤمنين".

-  -  -  -

وخلاصة ما يستنتجه الباحث في سيرة إسحاق الموصلي أنه كان فنّاناً عبقرياً بحق، جمع بين الموهبة الموسيقية والثقافة الموسوعية، وامتاز بالإحساس المرهف، والخلق الرفيع، والمعرفة الواسعة، والذكاء الوقّاد، وشهد له معاصروه ومن جاء بعده من المؤرخين بكل ذلك وأكثر؛ قال الحافظ المؤرخ الذهبي في (تاريخ الإسلام، حوادث ووفيات 231 – 240، ص 93): " كان إليه المنتهى في معرفة الموسيقى، وله أدبٌ وافر، وشعر رائق جَزْل، وكان عالماً بالأخبار وأيام الناس، وغير ذلك من الفِقه والحديث واللغة، وفنون العلم ".

ونقل الذهبي (تاريخ الإسلام، حوادث ووفيات 231 – 240، ص 94) عن الخطيب البغدادي قوله في وصف إسحاق: " كان حُلو النادرة، حسن المعرفة، جيد الشعر، مذكوراً بالسخاء، له كتاب (الأغاني) الذي رواه عنه ابنه حمّاد ". وجاء في (تاريخ بغداد، 6/434): " قال محمد بن يحيى: سمعت إبراهيم بن إسحاق الحربي يقول: كان إسحاق الموصلي ثقة صدوقاً عالماً ".

وبعد حياة ملأى بالجد والاجتهاد، حافلة بالعطاء الفني، توفي إسحاق ببغداد في أول خلافة المتوكل، سنة (235 هـ/850 م)، وله من العمر ثمانون عاماً
(الأغاني، 5/43. ابن الجوزي: المنتظم،11/227).

المراجع

1.    الأصبهاني: الأغاني، مؤسسة جمال للطباعة والنشر، بيروت، 1963م.

2.    ابن الجوزي: المنتظم في الملوك والأمم، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1992م.

3.    الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، المكتبة السلفية، المدينة المنورة، 1970 م.

4.    الذهبي: تاريخ الإسلام، تحقيق الدكتور عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية، 1993 م.

5.    القالي: كتاب الأمالي، دار الكتاب العربي، بيروت، 1990 م.

وللمزيد من المعلومات انظر:

-       الراغب الأصفهاني: محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء.

-       السيوطي: تاريخ الخلفاء.

-       المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر.

وإلى اللقاء في الحلقة الخامسة والخمسين

د. أحمد الخليل   في 1 – 5 -  2008

                             dralkhalil@hotmail.com                

 

=========

 

مشاهير الكرد في التاريخ

( الحلقة الثالثة والخمسون )

الموسيقي إبراهيم الموصلي

(توفي عام 188 هـ /804 م)

كومة القش

البحث عن الأعلام الكرد أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش ضخمة.

ومنذ عقدين من الزمان بدأت البحث عن الأعلام الكرد في أكوام المعلومات الخاصة بتاريخ غربي آسيا، وكانت البداية مع (معجم الأعلام) لخير الدين الزِّركلي، وحينذاك لفت إبراهيم الموصلي انتباهي، ثم صرفت النظر عنه؛ إذ لم أجد في ترجمته ما يؤكد أنه كردي.

ومنذ سنة عدت ثانية إلى سيرة إبراهيم الموصلي في كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصبهاني، وإذا بي أمام معلومات جديدة، منها أن إبراهيم الموصلي كان يقال له (ابن الجُرْمُقانية) (الأغاني، 5/207)، وأن إبراهيم المهدي (أخو هارون الرشيد ومغنّ وموسيقي كبير) كان يطلق على إسحاق بن إبراهيم الموصلي لقب (جُرْمُقاني) في معرض الذم (الأغاني،5/289).

وكان عليّ أن أتتبّع اسم (جرمقاني) ترى ما حقيقته؟ فإذا بالأستاذ جرجيس فتح الله يذكر أن كركوك كانت مركزاً لإقليم عُرف في التراث السرياني باسم بيت گرماي  Bιth Garmι، و گرميك، أو باجرمي، وظل هذا الاسم قائماً بعد الفتح الإسلامي (كركوك، ص 38 – 39)، فبدا لي أن لاسم الجرامقة علاقة بمنطقة (باجرمى)، وهي منطقة ذات أغلبية كردية منذ العهد الحُورى على أقل تقدير، لكن مرة أخرى صرفت النظر عن سيرة إبراهيم؛ إذ علمت من بعض المصادر أن اسم الجرامقة كان يُطلق على الآشوريين أيضاً، كما كان يُطلق على بعض سكان الشام والجزيرة.

وفي رحلة البحث عن تاريخ الكرد اطّلعت على موقع (جلجامش) الإلكتروني، فوجدت فيه معلومات قيّمة حول الكرد الفيليين (اللُّور)، ولا سيما في الدراسات التي دارت حول هذا الموضوع، ومنها كتاب (الفيليون: أصالة وعراقة وآمال وهموم) للدكتور مهدي كاكائي. وكتاب (الكورد الفيليون بين الماضي والحاضر) للأستاذ أحمد ناصر الفيلي، وكتاب (الكورد الشيعة في العراق) للأستاذ سيّد حسين الحسني الزِّرْباطي، ودراسة حول مدينة (مَنْدَلي) للأستاذ محمد مندلاوي، وأوصلتني تلك المعلومات إلى ساحة جغرافية كردية مهمة كنت أجهل عنها كثيراً من الأمور.

وللمزيد من الاطلاع والتأكد راسلت الدكتور مهدي كاكائي، مستفسراً عن هوية السكان الأصليين لبعض المدن في غربي إيران وجنوبي العراق منها (صَيْمَرَة، مَيْسان، دَشْت مَيْسان، أَسَد آباد، هَمذان= همدان)، فأمدّني – مشكوراً- بملف حول الموضوع، مستعيناً بالأستاذ محمد مندلاوي، ومن خلال تلك القراءات اتضحت لي أبعاد الجغرافيا الحقيقية للكرد الفيليين قبل عهد الفتح الإسلامي وإلى العصر الحديث، وعلمت أنها جغرافيا تقع في جنوب غربي إيران، وتصل إلى منطقة خوزستان (الأهواز) وإقليم فارس ضمناً، وتقع في جنوب ووسط العراق، وتصل إلى شط العرب.

وتصادف أنه خلال البحث عن الكرد الفيليين (اللور) ومواطنهم تفضّل عليّ الصديق الأستاذ رسمي جلال (من سكّان كركوك أصلاً) ببعض الكتب للمطالعة، منها كتاب (مذكرات مأمون بك بن بيگه بك)، ولا تكمن قيمة هذا الكتاب في المعلومات الخاصة بجنوبي كردستان في العهد العثماني فقط، وإنما يشتمل أيضاً على معلومات جغرافية وتاريخية ثمينة، بفضل الهوامش القيّمة التي أضافها معرّبا الكتاب الأستاذ محمد جميل الروژبياني والأستاذ شكور مصطفى.

اهتداء بالجغرافيا

وبعد مقارنة ما جاء في تلك الدراسات بالمعلومات الجغرافية والتاريخية الواردة في كتب البلدان والفتوحات في التراث العربي الإسلامي، اتضحت لي أمور غاية في الأهمية، منها على سبيل المثال أن محافظة (العمارة) في جنوبي العراق هي منطقة (مَيْسان) موطن بعض قبائل الكرد الفيليين، وأنها سمّيت (المَذار) في كتب التراث الإسلامي، وأن مدينة (مَنْدَلي) كانت تسمّى (بَنْدَنِيجين)، وأن تاريخها عريق، وكانت إحدى مدن دولة (لوللو) أجداد الكرد اللور (الفيلي)، وأن (جَرْمقان) اسم لناحية قريبة من هَمَذان (همذان= آمدان)، كما أنه اسم لمدينة كركوك وللمناطق الحارة المتاخمة لها، واسم لقوم من الكرد سكنوا منطقة قرب مدينة الموصل، واسم لقوم من الكرد من سكان مدينة الحيرة قديماً.

واتضح أن (أَرَّجَان) مدينة كبيرة كثيرة الخيرات، تقع على حدود إقليمي فارس والأهواز (خوزستان)، وكان أول من أنشأها هو الملك الساساني قُباذ بن فَيروز والد كسرى أنوشروان، وسماها (أَبَزْقُباذ)، وكان قُباذ غزا بلاد الروم، وافتتح من منطقة آمد (ديار بكر بعد الفتح الإسلامي) مدينتي مَيّافارقين وآمد، وكانتا في أيدي الروم، وأسكن سَبيَ هاتين المدينتين في مدينة أَرّجان (معجم البلدان،1 / 172)

واتضح أيضاً أن (خوزستان) إقليم واسع بين البصرة وفارس، ومن نواحيها  بلاد اللُّور، وهي بلاد خصبة، وتغلب عليها الجبال ( تقويم البلدان، ص 311 - 312). ونقل أبو الفداء من (كتاب الأطوال) لابن حوقل أن:

" جبل اللُّور هـو بين تُسْتَر وأصبهان، وامتـداد هـذا الجبل طولاً نحو ستّة أيام، وفيه خلق عظيم من الأكراد، وبه ملوك لهم من اللُّباب لور هي من رُسـتاق [ناحية تضم مجموعة قرى] خوزستان، وقال: في ظنّي أنها جبال بها يقال لها لُورستان" (تقويم البلدان، ص 313).

وقال ابن حَوْقَل في أثناء حديثه عن الزُّمُوم (القبائل) في فارس:

 " وأما زُمومـها فهي أيضًا خمسة... منها زَمّ شَهْرَيار، ويُعرف بزَمّ المازنجـان، والمازنجان قبيل من الأكراد في حدود أصبهان... فأما أحياء الأكراد فإنها تكثر عن الإحصاء،... يزيدون على خمس مئة ألف بيت شَعر" ( صورة الأرض، ص 236).

وأضاف ابن حوقل قائلاً:

" فأما زُمومها فإن لكل زَمّ منها قرى ومدنًا مجتمعة، قد ضُمّن خراج كل ناحية رئيس من الأكراد، وأُلزم صلاح أحوال ناحيته وتنفيذ القوافل، وحفظ الطرق، والقيام بأحوال السلطان إذا عرضت بناحيته، ... وهي كالممالك " (صورة الأرض، ص 236).

وقال ابن البَلْخي (فارسي توفي سنة 510 هـ) في كتابه (فارس نامه)، وهو خاص بالحديث عن إقليم فارس:

" كان الأكراد في قديم الزمـان يعيشون في خمسة زُمـوم، ... على النحو الآتي: زَمّ جِيلُويه، زَمّ الديـوان، زَمّ اللوالجـان، زَمّ الكاريان، زَمّ البازنجان. وإنما قوة جيش فارس ناجـمة عن وجود هؤلاء الأكراد الأشداء جداً في صفوفه مع خيلهم وأسلحتهم ودوابهم " (فارس نامه، ص 153).

وأكد ياقوت الحموي (ت 626 هـ) المعلومات التي رواها كل من الإصطخري (ت 346 هـ) وابن حوقل (ت بعد 367 هـ) وابن البَلْخي حول كثرة الكرد في إقليم فارس، وأطلق على المناطق الكردية اسم (رَم) بدل (زَم)، وقال:

 " رَمّ: بفتح أوله وتشديد ثانيه وجمعه رُموم، وتفسير الرموم محالّ الأكراد ومنازلهم بلغة فارس، وهي مواضع بفارس. منها رمُّ الحسن بن جِيلَوَيه، يسمى رمّ البازنجان، وهو من شيراز على أربعة عشر فرسخاً [الفرسخ حوالي 5 كم]، ورمُّ أردام بن جوانابه من شيراز على ستة وعشرين فرسخاً، ورمُّ القاسم بن شهريار، ويسمى الكوريان، من شيراز على خمسين فرسخاً ، ورمُّ الحسن بن صالح، ويسمى رمَّ السوران، من شيراز على سبعة فراسخ" (معجم البلدان، 3/81).

وأضاف ياقوت يقول:

" وقال البشاري: بفارس رمُّ الأكراد، ولها رُسْتاق ونهر، وهي وسط الجبال ذات بساتين ونخيل وفواكه وخيرات، قال: ورمُّ أحمد بن صالح وسمى الزِّيزَان، وقال الإصطخري: رُموم فارس خمسة ولكل واحد منها مُدُن وقرى مجتمعة، قد تضَمّن خراج كل ناحية رئيس من الأكراد، وألزموا إقامة رجال لبَذْرَقة [قبض رسوم الجمارك] القوافل وحفظ الطريق ولنوائب السلطان إذا عرضت، وهي كالممالك.

       الأول رمُ جيلَويه يعرف برم الزنيجان اسم قبيلة من الأكراد ،فإن مكانه في الناحية التي تلي أصبهان، وهي تأخذ طرفاً من كورة [منطقة] إصطخر، وطرفاً من كورة أرّجان، فحدّ ينتهي إلى البًيضاء، وحدّ ينتهي إلى حدود أصبهان، وحدّ ينتهي إلى حدود خوزستان، وحدٌ ينتهي إلى ناحية سابور، وكلما وقع في هذه من المدن والقرى فمن هذا الرم ويتاخمهم في عمل أصبهان.

     الثاني رمُ شهريار وهو رمُ البازنجان وهو رمُ جيل من الأكراد وهم من البازنجان رهط شهريار، وليس من البازنجان هؤلاءِ أحد في عمل فارس، إلا أن لهم بها ضياعاً وقرى كثيرة.

     الثالث رمُ الزِّيزَان للحسن بن صالح وهو في كورة سابور، فحدّ منه ينتهي إلى أردشير خُرّة، وتليه حدود تُطيف بها كورة سابور، وكل ما كان من المدن والقرى في أضعافها فهي منها.

     الرابع رمُ الريحان لأحمد بن الليث، وهي في كورة أردشير خُرّة، فحدّ منه يلي البحر، ويحيط بثلاثة حدوده الأخرى كورة أردشير خُرّه، وما وقع أضعافه من المدن والقرى فهي منه.

      الخامس رمُّ الكارِيان، فحدٌ منه ينتهي إلى سِيف [ساحل البحر] بني الصفّار، وحدّ ينتهي إلى رمّ الريحان، وحدٌ يتصل بحدود كرمان، منه إلى أردشير خُرّة، وهي كلُها في أردشير خُرّة " (معجم البلدان، 3/81).

وهكذا بات واضحاً أن المناطق المشار إليها تبلغ غرباً شط العرب في جنوبي العراق، كما سبق القول، وتمتد غرباً نحو خوزستان (الأهواز) وفارس، وتتاخم إقليم الجبال شمالاً، وهي مناطق انتشار الكرد الذين يسمّون اللور، ويسمّون في الجانب العراقي بسم (الفيليين)، والأرجح أن هذه التسمية راجعة في الأصل إلى كلمة (بهلي = بهلوي= فهلوي)، وهي من الأسماء التي أطلقت قبل الإسلام على الكرد في إقليم الجبال والمناطق المتاخمة لها جنوباً.

من المكان إلى الإنسان

ولننتقل إلى سيرة إبراهيم الموصلي، فاسمه إبراهيم بن ماهان بن بَهْمَن بن نُسْك، وذكر ابن خلّكان أن أسرة الموصلي أَرّجانية الأصل، نسبة إلى مدينة أَرّجان أو إلى منطقة أَرَّجان في إقليم فارس، وأنها تميمية الولاء، نسبة إلى قبيلة تميم العربية (وفيات الأعيان، 1/44) وقال ابنه إسحاق نقلاً عن أبيه:

" وأصلنا من فارس، ولنا بيت شريفٌ في العجم، وكان جدُّنا ميمون هرب من جَوْر بعض عمّال بني أُميّة، فنزل بالكوفة في بني عبد الله بن دارِم، فكان بين إبراهيم وبين ولد نَضْلَة بن نُعَيْم رَضاع. وأم إبراهيم امرأةٌ من بنات الدهاقين [جمع دِهْقان، وهو زعيم القرية، ويقابله حديثاً لقب آغا] الذين هربوا من فارس لما هرب ميمون أبو إبراهيم، فنزلوا جميعاً بالكوفة في بني عبد الله بن دارم، فتزوجها ماهان بالكوفة فولدت إبراهيم  ومات في الطاعون الجارف، وخلّف إبراهيم طفلاً " (الأغاني، 5/154).

أما بشأن لقب الموصلي الذي لحق الأسرة فقال الأصبهاني:

" وكان سبب قولهم إبراهيم الموصلي أنه لما نشأ واشتد وأدرك، صحب الفتيان واشتهى الغناء طلبه، واشتد أخواله عليه في ذلك وبلغوا منه، فهرب منهم إلى الموصل، فأقام بها نحواً من سنة، فلما رجع إلى الكوفة قال له إخوانه من الفتيان: مرحباً بالفتى الموصلي، فلُقّب به " (الأغاني، 5 /156).  

وتتفق الروايات على أن أسرة إبراهيم لم تكن موصلية الأصل، وإنما أقام إبراهيم في الموصل فترة قصيرة، وقد استفاد من تلك الإقامة القصيرة بأن تخلّص من لقب (الأرّجاني)، واستظل بظل اللقب الجديد (الموصلي)، وكان يصدر في ذلك عن نهج ذرائعي لا يخلو من انتهازية، فالرجل- حسبما يبدو من سيرته- تهمّه مصلحته، ولا يهمّه أن يغيّر أصله في سبيل ذلك، والدليل أنه تنازل بسهولة عن اسم والده (ماهان)؛ وهو ذو طابع أعجمي، وقبل اسم (ميمون) العربي الإسلامي، والسبب في ذلك " أنه كتب إلى صديق له فعَنْوَن كتابه: من إبراهيم بن ماهان. فقال له بعض فتيان الكوفة: أما تستحي من هذا الاسم؟ فقال: هو اسم أبي! فقال: غيّره؛ فقال: وكيف أغيّر؟! فأخذ [الصديق] الكتاب فمحا ماهان وكتب ميمون، فبقي إبراهيم بن ميمون " (الأغاني، 5/154).

بدايات صعبة

توصلنا الروايات الدائرة حول نشأة إبراهيم إلى ما يلي:

ولد إبراهيم في الكوفة سنة (125 هـ = 743 م)، وتوفي والده وله من العمر سنتان أو ثلاث، وكان له أخوان من غير أمه أكبر منه، فأقام إبراهيم مع أمه وأخواله حتى ترعرع، ويبدو أن أخواله كانوا في حيّ تابع لبني تميم، ولعلهم كانوا من موالي بني تميم؛ إذ كانت العادة أن يلتحق غير العرب بقبيلة عربية من باب الموالاة، ليحتموا بها، فاكتسب إبراهيم ولاء بني تميم (الأغاني، 5/155).

ولم يكن إبراهيم راغباً في التعلم، ولعل طريقة التعليم القاسية في الكتاتيب جعلته ينفر منها، إذ كان يتلقّى الضرب على يدي شيخ الكتّاب، بل كان يتعرّض للحبس أيضاً، فاضطر إلى الهرب شمالاً نحو الموصل، وهناك  " صحب جماعةً من الصعاليك كانوا يصيبون الطريق ويصيبه معهم، ويجمعون ما يفيدونه فيَقْصِفون ويشربون ويغنّون، فتعلّم منهم شيئاً من الغناء وشدا، فكان أطيبهم وأحذقهم" (الأغاني،5/156).

ولما أدرك إبراهيم أنه يمتلك موهبة الغناء سافر إلى المناطق التي كانت الموسيقا فيها رائجة السوق، وكان الغناء فيها مزدهراً، وتوجّه من الموصل شرقاً إلى مدينة (الرّيّ)، وهي تقع الآن على مقربة من مدينة طهران، وكانت تسمّى قديماً (رَيْ) Rai و(رغه) أي (الطريق)؛ إذ كانت تقع على مفترق طرق التجارة العالمية، وذكر دياكونوف في كتابه (ميديا، ص 360) أنها كانت من المدن الميدية الكبرى، ورجّح أنها كانت أرض القبيلة الميدية (موغ= مجوس)، وكانت متخصصة بأمور الدين، مثل سِبْط (لاوي) في الديانة اليهودية، وبني عبد مَناف  في مكة خلال الجاهلية، وبني هاشم في الإسلام.

وفي مدينة الريّ تزوج إبراهيم امرأة اسمها دُوشار، وطال مقامه هناك، وأخذ الغناء الفارسي والعربي، ثم تزوج امرأة أخرى تدعى شاهَك، وهي أم ابنه إسحاق وبقية أولاده (الأغاني، 5/157 - 158)، وشرع يستكمل تحصيله الفني في الموسيقا والغناء، ويطوّر أداءه، ويقيم بعض الحفلات في قصور الأغنياء، وابتسم الحظ له ذات يوم، إذ وصل إلى الرَّي خادم من قصر الخلافة، كان الخليفة أبو جعفر المنصور قد أرسله إلى والي الري برسالة، ويبدو أن ذلك الخادم كان مولعاً بالطرب، فسمع بالمصادفة غناء إبراهيم عند رجل من أهل الري، فشغف به، وأهداه ثياباً غالي الثمن، يقول إبراهيم:

" ومضى [الخادم] بالرسالة، ورجع وقد وصله العامل بسبعة آلاف درهم، وكساه كسوةً كثيرة، فجاءني إلى منزلي الذي كنت أسكنه، فأقام عندي ثلاثة أيام، ووهب لي نصف الكُسوة التي معه وألفي درهم، فكان ذلك أول ما اكتسبته بالغناء" (الأغاني، 5/158).

وكان مبلغ ألفي درهم في ذلك الوقت ثروة لا بأس بها، وقرر أن يوظّف تلك الثروة في الارتقاء بقدراته الفنية، فسأل عن الأساتذة الذين يجيدون الموسيقا والغناء، فوُصف له رجل بمدينة الأُبُلَّة (من مدن جغرافيا الكرد الفيليين تقع على شط العرب) يدعى جُوانُويه كان حاذقاً في فن الطرب، فانحدر إبراهيم من الري إلى الأبلّة، باحثاً عن جوانويه، والتقى به وبصحبه المغنّين، فعزفوا وغنّوا، واكتشفوا أن إبراهيم أكثر منهم براعة، فقاموا كلهم إليه، وقبّلوا رأسه، وقالوا له: "سخرتَ منا، نحن إلى تعليمك لنا أحوج منك إلينا " (الأغاني، 5/158- 159).

في قصور الخلفاء

وأقام إبراهيم مع أصحابه الجدد في مدينة الأبلّة، فسمع به الأمير العباسي محمد بن سليمان بن علي، فطلبه، قال إبراهيم: " وجّه إلي فأحضرني وأمرني بملازمته، فقلت له: أيها الأمير، إني لست أتكسّب بالغناء، وإنما ألتذّه فلذلك تعلمته، وأريد العود إلى الكوفة، فلم أنتفع بذلك عنده، وأخذني بملازمته، وسألني: من أين أنا؟ فانتسبت إلى الموصل، فلزمتْني وعُرفتُ بها " (الأغاني، 5/159).

إن وصول إبراهيم إلى قصر الأمير العباسي كانت الخطوة الحقيقية الأولى نحو سلّم الشهرة، فقد قدم رسول من الخليفة المهدي إلى قصر الأمير محمد بن سليمان لبعض الأمور، وسمع غناء إبراهيم، فقال للأمير:

" أمير المؤمنين أحوج إلى هذا منك. فدافعه عني. فلما قدم الرسول على المهدي سأله عما رأى في طريقه ومقصده، فأخبره بذلك حتى انتهى إلى ذكري فوصفني له؛ فأمره المهدي بالرجوع إلى محمد وإشخاصي إليه، ففعل ذلك، وجاء فأشخصني إلى المهدي، فحظيت عنده وقدمني" (الأغاني، 5/159).

وسرعان ما وجد إبراهيم نفسه أمام مشكلة معقّدة، فهو رجل مولع بالشراب، وكان المهدي لا يشرب، بل كان يُنزل العقوبات الشديدة بمن يشرب، فطلب من إبراهيم أن يترك الشراب، فأبى إبراهيم ذلك، وظل يشرب، وكان أثر الشراب يظهر عليه حينما يحضر مجلس الخليفة، فأمر بضربه وحبسه، فانتهز إبراهيم فرصة وجوده في الحبس، فتعلم القراءة والكتابة، وها هو ذا يقول:

" ثم دعاني يوماً فعاتبني على شربي في منازل الناس والتبذل معهم، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنما تعلمت هذه الصناعة للذتي وعشرتي إخواني، ولو أمكنني تركها لتركتها...، فغضب غضباً شديداً وقال: لا تدخل على موسى [الهادي] وهارون [الرشيد] البتة، فوالله لئن دخلت عليهما لأفعلنّ ولأصنعنّ؛ فقلت: نعم، ثم بلغه أني دخلت عليهما وشربت معهما، وكانا مستهتَرَين بالنبيذ، فضربني ثلثمائة سوط، وقيّدني وحبسني" (الأغاني، 5/160).

وبعد فترة أمر المهدي بإطلاق سراحه، وكان قد أوصى ابنه وولي عهده موسى الهادي بملاحقة إبراهيم وأمثاله من أصحاب اللهو والشراب، قال حمّاد بن إسحاق: " فلما ولي موسى الهادي الخلافة استتر جدي منه، ولم يظهر له بسبب الأَيمان التي حلّفه بها المهدي، فكانت منازلنا تُكبَس في كل وقت، وأهلنا يُروَّعون بطلبه حتى أصابوه، فمضوا به إليه" (الأغاني، 5/163).

ورغم أن الخليفة الهادي كان شكس الأخلاق صعب المزاج، شديداً على أهل اللهو والعبث، متهماً إياهم بالزندقة، فقد أُعجب ببراعة إبراهيم في مجال الغناء، وسمع منه، ومنحه إحدى المرات خمسين ألف دينار (كان كل دينار يساوي 12 درهماً) (الأغاني، 5/184- 185)،

ولم يطل عهد الخليفة الهادي، وتولى الخلافة بعده أخوه هارون الرشيد، وارتفع شأن إبراهيم في عهده، ولا سيما أن البرامكة كانوا قد دشّنوا العهد الذهبي، وصحيح أن الرشيد كان يغضب على إبراهيم أحياناً، ويأمر بحبسه، لكنه كان يحنّ إلى ألحانه وغنائه، فيأمر بإطلاق سراحه، وإعادته إلى البلاط (الأغاني، 5/169).

وروى إبراهيم: " أن الرشيد غضب عليه فقيّده وحبسه بالرَّقّة، ثم جلس للشرب يوماً في مجلس قد زيّنه وحسّنه، فقال لعيسى بن جعفر: هل لمجلسنا عيبٌ؟ قال: نعم، غيبة إبراهيم الموصلي عنه؛ فأمر بإحضاري فأُحضرت في قيودي، ففُكّت عني بين يديه، وأمرهم فناولوني عوداً، وقال: غنّني يا إبراهيم"، وغنّاه إبراهيم قصيدة، فطرب الرشيد، وكافأه بمئتي ألف درهم.  (الأغاني، 5/166 - 167). بل ذكر الأصبهاني أن الرشيد كان يأرق في بعض الليالي، فيتوجّه إلى دار إبراهيم، ويسمع غناءه ليروّح عن نفسه (الأغاني، 5/218- 219).

منافسات ومكائد

وبعد أن ذاعت شهرة إبراهيم الموصلي في ميدان الغناء والموسيقا، وصار من روّاد قصور الخلفاء، كان من الطبيعي أن يدخل في منافسات حامية مع عباقرة الغناء والموسيقا المعاصرين له، وكان من أبرزهم إبرهيم بن المهدي (أخو هارون الرشيد)، وابن جامِع، وكان إبراهيم بن المهدي أخطر المنافسين له، باعتباره من الأسرة الحاكمة، وكان يقوم أحياناً بتدبير بعض المقالب ضد إبراهيم الموصلي، ويُدخله في مآزق صعبة، قال إبراهيم بن المهدي:

" انصرفت ليلةً من الشمّاسية فمررت بدار إبراهيم الموصلي، وإذا هو في رَوْشَن [ شُرفة] له وقد صنع لحنه:

ألا رُبّ نَدمــــانٍ عليّ دموعُه

تَفيض على الخدين سَحّاً سُجُومُها

            [سحاً سجومها:غزيرة]

وهو يعيده ويلعب به بنغمه، ويكرره لتستوي له أجزاؤه، وجواريه يضربن عليه. فوقفت تحت الرَّوْشَن حتى أخذته ،ثم انصرفت إلى منزلي، فما زلت أعيده حتى بلغت فيه الغاية، وأصبحت فغدوت إلى الشمّاسية واجتمعنا عند الرشيد، فاندفع إبراهيم فغنّاه أول شيء غنّى. فلما سمعه الرشيد طرِب واستحسنه وشرب عليه، ثم قال له: لمن هذا يا إبراهيم؟ قال: لي يا سيدي، صنعته البارحة. فقلت: كذَب يا أمير المؤمنين، هذا الصوت قديمٌ وأنا أغنّيه. فقال لي: غنّه يا حبيبي، فغنّيته كما غنّاه، فبُهِت إبراهيم، وغضب الرشيد، وقال له: يابن الفاجرة، أتكذِبني وتدّعي ما ليس لك؟ قال: فظل إبراهيم بأسوأ حال، فلما صلّيت العصر قلت للرشيد: يا أمير المؤمنين، الصوتُ – وحياتِك- له وما كذَب، ولكني مررت به البارحة وهو يردّده على جارية له، فوقفت حتى دار لي واستوى، فأخذته منه. فدعا به الرشيد ورضي عنه، وأمر له بخمسة آلاف دينار" (الأغاني، 5/172).

وفعل إبراهيم بن المهدي هذه المكائد أكثر من مرة، قال الأصبهاني:

" قال الرشيد لإبراهيم بن المهدي وإبراهيم الموصلي وابن جامع وابن أبي الكَنّات: باكروني غداً، وليكن كل واحد قد قال شعراً إن كان يقدر أن يقوله، وغنّى فيه لحناً، وإن لم يكن شاعراً غنّى في شعر غيره.

قال إبراهيم بن المهدي: فقمت في السَّحَر، وجَهَدت أن أقدِر على شيء أصنعه فلم يتفق لي، فلما خفت طلوع الفجر دعوت بغلماني، وقلت لهم: إني أريد أن أمضي إلى موضع ولا يشعر بي أحد حتى أصير إليه، وكانوا يبيتون على باب داري. فقمت فركبت وقصدت دار إبراهيم الموصلي، وكان قد حدثني أنه إذا أراد الصنعة لم ينم حتى يدبر ما يحتاج إليه، وإذا قام لحاجته في السَّحَر اعتمد على خشبة له في المستراح، فلم يزل يقرع عليها حتى يفرغ من الصوت ويرسخ في قلبه، فجئت حتى وقفت تحت مستراحه، فإذا هو يردد هذا الصوت:

إذا سُكِبت في الكأس قبل مِزاجها

ترى لونها في جِلدة الكأس مُذْهَبا

قال: فما زلت واقفاً أستمع منه الصوت حتى أخذته، ثم غدونا إلى الرشيد، فلما جلسنا للشرب خرج الخادم إليّ فقال: يقول لك أمير المؤمنين: يا بن أمّ، غنّني، فاندفعت فغنيت هذا الصوت والموصلي في الموت حتى فرغتُ منه، فشرب عليه وأمر لي بثلثمائة ألف درهم، فوثب إبراهيم الموصلي، فحلف بالطلاق وحياة الرشيد أن الشعر له قاله البارحة وغنّى فيه، ما سبقه إليه أحدٌ، ... فلما قضيت أَرَباً من العبث به قلت للرشيد: الحق أحقّ أن يُتَّبَع، وصدّقته. فقال للموصلي: أما أخي فقد أخذ المال ولا سبيل إلى رده، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم عوضاً مما جرى" (الأغاني، 5/215 - 217).

واستطاع إبراهيم أن يصبح من كبار الأغنياء في عصره، بفضل منادمته للخلفاء والوزراء، وقد روى حفيده حمّاد عن أبيه إسحاق أنه قال: " نظرت إلى ما صار إلى جدك من الأموال والغَلاّت وثمن ما باع من جواريه، فوجدته أربعة وعشرين ألف ألف درهم [ 24 مليون درهم] سوى أرزاقه الجارية، وهي عشرة آلاف درهم في كل شهر، وسوى غَلاّت ضياعه " (الأغاني، 5/163).

شخصية إبراهيم

يستفاد مما أورده الأصبهاني وغيره أن إبراهيم الموصلي كان شخصاً عصامياً، إنه ينتمي كما مرّ إلى أسرة هاجرت من أَرّجان في إقليم فارس، فراراً من القهر في عصر بني أمية، وانتهى بها المطاف إلى وسط العراق وجنوبه، وعاش إبراهيم يتيماً فقيراً، ولم يستطع استكمال تحصيله العلمي، لكنه كان مفطوراً على حب الموسيقا والغناء، واتخذ ذلك هدفاً له، فبذل في سبيله الجهد والمال، ووصل إلى أعلى المراتب الفنية بين معاصريه من المغنين والموسيقيين، وتحوّل بعد سنوات من الكدح، وبفضل جدّه وإخلاصه لفنّه، من شابّ مغمور إلى أن أصبح ينادم الخلفاء، وقد بلغ مجموع ما غنّاه ولحّنه من القصائد حوالي تسعمئة مقطوعة (الأغاني، 5/187).

ومن الأخبار التي تدل على أن إبراهيم كان أستاذاً كبيراً في الموسيقا أنه حوّل داره إلى معهد لتخريج الفنّانين والفنّانات، وكان أبناء الطبقات الراقية في المجتمع البغدادي وغير البغدادي يرسلون جواريهم إلى داره، فيدرّبهن على فنون الموسيقا وضروب الغناء، ويُقمن عنده مدداً معيّنة، ويعتني بهن كما يعتني بجواريه هو من حيث المطعم والمشرب والتدريب، ثم يردّهن إلى أصحابهن مزوّدات بأفخر الألبسة والهدايا، وكان تلامذته يحفظون له ذلك الجميل، ويقابلونه بعدئذ بالتكريم والاحترام.

وفي الخبر الآتي برهان ساطع على عبقرية إبراهيم الفنية، قال أحد معاصريه: " زار ابن جامع إبراهيمَ الموصلي، فأخرج إليه ثلاثين جاريةً، فضربن جميعاً طريقةً واحدة وغنّين، فقال ابن جامع: في الأوتار وترٌ غير مستوٍ. فقال إبراهيم: يا فلانة شدي مَثْناك [أحد أوتار العود]، فشدّته فاستوى. فعجبت أولاً من فطنة ابن جامع لوتر في مائة وعشرين وتراً غير مستو، ثم ازداد عجبى من فطنة إبراهيم له بعينه" (الأغاني، 5/243).

وإضافة إلى الإخلاص والصبر والجد تميّزت شخصية إبراهيم بالصراحة والوضوح، فقد اختار لنفسه نهجاً خاصاً في حياته، وهو الإقبال على الطرب ومجالس الشراب، فلم يتخلّ عن نهجه رغم ما تعرّض له على أيدي الخلفاء، ولا سيما المهدي، من تعذيب وسجن، بل كان يصارح الخلفاء بأنه لن يقلع عن نهجه مهما أنزلوا به من العذاب، وحملته صراحته على ألا يداهن وينافق، والدليل أنه كان صديقاً للوزراء البرامكة، لكن صداقته لهم لم تجعله يتخلّى عن صداقته للفضل بن الربيع، وكان الفضل هذا من أبرز خصوم البرامكة ومن أشد منافسيهم كيداً لهم. وقد روى إسحاق بن إبراهيم قائلاً:

" لقي الفضل بن يحيى [البرمكي] أبي وهو خارج من عند الفضل بن الربيع، وكانا متجاورين في الشَّمّاسية، فقال: من أين يا أبا إسحاق؟ أمن عند الفضل بن الربيع؟ قلت: نعم، غير معتذرٍ من ذلك. فقال: خروجٌ من عند الفضل بن الربيع إلى الفضل بن يحيى! هذان والله أمران لا يجتمعان لك. فقال: ... والله لا أترك واحداً منكما لصاحبه، فمن قبِلني على هذا قبِلني، ومن لم يَقبَلني فهو أعلم، فقال له الفضل بن يحيى: أنت عندي غير متّهَم، والأمر كما قلت، وقد قبِلتك على ذلك" (الأغاني، 5/ 165- 166).

وكان إبراهيم سخيّاً، قال حفيده حمّاد في حوار مع أبيه إسحاق:

" ولا والله ما رأيت أكمل مروءةً منه، كان له طعامٌ معَدّ في كل وقت؛ فقلت لأبي: أكان يمكنه ذلك؟ فقال: كان له في كل يوم ثلاث شياهٍ: واحدةٌ مقطَّعةٌ في القدور، وأخرى مسلوخة ومعلَّقة، وأخرى حيّة، فإذا أتاه قومٌ طعِموا ما في القدور، فإذا فرغت قُطّعت الشاة المعلّقة، ونُصبت القدور، وذُبحت الحيّة فعُلّقت، وأُتي بأخرى فجُعلت وهي حيّة في المطبخ، وكانت وظيفته لطعامه وطِيبه وما يتخذ له في كل شهر ثلاثين ألف درهم سوى ما كان يجري وسوى كسوته". (الأغاني، 5/164).

وكان إبراهيم كثير الأصدقاء، وهذا دليل على لباقته وقدرته على بناء العلاقات الاجتماعية الواسعة، وقد روى حماد عن أبيه إسحاق قال: " كان جدك محبّاً للأشراف كثير الأصدقاء منهم، حتى إنه كان الرشيد ليقول كثيراً: ما أعرف أحداً أكثر أصدقاء من إبراهيم" (الأغاني، 5/169).

ولم يكن إبراهيم يجيد الغناء والموسيقا فقط، بل كان يجيد قول الشعر، وكان يلحّن قصائده ويغنّيها، وكان له أصدقاء من الشعراء، أبرزهم أبو العَتاهية وسَلْم الخاسر، وقد  ألف أبو العتاهية بعض القصائد في إبراهيم عندما كان في الحبس، ومنه قوله:

أيا غَمّي لغمّـــك يا خليلي  

ويا ويلي عليـك، ويا عويلي

يَعِزُّ عليّ أنـــك لا تراني

وأني لا أراك ولا رســولي

وأنك في محـل أذًى وضَنْكٍ  

وليس إلى لقــائك من سبيل

وأني لست أملِك عنـك دفعاً

وقد فوجئت بالخطب الجلـيل

              (الأغاني، 5/171)

وتوفي إبراهيم الموصلي سنة (188 هـ/804 م)، وكان قد ترك أثراً طيباً في نفوس عِلية القوم، فقد روى حمّاد عن أبيه إسحاق أنه قال:  

" دخلت إلى الرشيد بعقب وفاة أبي، وذلك بعد شهر من يوم وفاته، فلما جلست ورأيت موضعه الذي كان يجلس فيه خالياً دمعت عيني، فكففتها وتصبّرت؛ ولمحني الرشيد، فدعاني إليه، وأدناني منه، فقبّلت يده ورجله والأرض بين يديه، فاستعبر [جرت دموعه]، وكان رقيقاً؛ فوثبت قائما ثم قلت:

في بقاء الخليفة الميمـــون

خَلَفٌ من مصيبة المحــزونِ

لا يَضير المصـابَ رزءٌ إذا ما

كان ذا مَفْزَع إلى هـــارونِ

فقال لي: كذاك والله هو، ولن تَفقِد من أبيك ما دمتُ حياً إلا شخصه؛ وأمر بإضافة رزقه إلى رزقي. فقلت: بل يأمر أمير المؤمنين به إلى ولده، ففي خدمتي إياه ما يُغْنيني. فقال: اجعلوا رزقَ إبراهيم لولده، وأضعفوا رزق إسحاق" (الأغاني، 5/260).

بحث عن الحقيقة

ولنقف أخيراً عند مسألة أصل إبراهيم الموصلي، والحقيقة أنه ليس بين أيدينا وثيقة تاريخية تؤكد أنه كردي الأصل، لكن ثمة عدد من الأدلة تؤكد أنه (كردستاني)، أقصد أنه ابن جغرافيا الكرد الفيليين، وفيما يلي تلك الأدلة:

1 - ليس في نسب إبراهيم أنه عربي الأصل، فقد مرّ أنه وأهل بيته كانوا من موالي بني تميم

2 - لا شيء يدل على أن إبراهيم كان مسيحياً كلدانياً أو آشورياً، ويتضح من سلسلة نسبه أن أسرته كانت زردشتية العقيدة أصلاً.

3 – لم يكن إبراهيم تركياً، فالأتراك كانوا في العراق قلة حينذاك، وكانوا يشترَون من أسواق النخاسة، ويستخدمون على أنهم مماليك، ولم يكثروا في العراق إلا بدءاً من عهد الخليفة المأمون، ثم كثروا في عهد الخليفة المعتصم بالله.

4 – بما أن إبراهيم لم يكن عربياً ولا تركياً ولا آشورياً ولا كلدانياً، لم يبق إلا أن يكون كردي الأصل أو فارسي الأصل.

5 - لم يرد في نسب إبراهيم ما يؤكد أنه فارسي الأصل، وكل ما قاله ابنه إسحاق كما مرّ هو: " وأصلنا من فارس، ولنا بيت شريفٌ في العجم"، ولم يقل (نحن فرس)، ولو كانت الأسرة فارسية الأصل لما تردّد إبراهيم أو ابنه إسحاق في ذكرها، لأن الفرس كانوا ذوي مكانة رفيعة في العهد العباسي الأول، وكانوا يباهون بأمجاد الدولة الساسانية جهاراً.

6 - إن كلمة (العجم) التي ذكرها إسحاق لا يراد بها الفرس فقط، وإنما كانت تُطلق على الفرس والكرد معاً، بل إن مصطلح (عجم) في العراق كان المقصود به الكرد أكثر من الفرس، حتى إن منطقة إقليم الجبال- وهي في غالبيتها كردية- كانت تسمى (عراق العجم)، تمييزاً لها من (عراق العرب) غربي نهر دجلة، وهي المناطق التي استقرت فيها القبائل العربية خلال الفتوحات الإسلامية وبعدها.

7 - مرّ أن مدينة (أرّجان) التي تنتمي إليها أسرة إبراهيم كانت تقع في إقليم فارس حسب التقسيمات الإدارية المعمول بها حينذاك، والمقتبسة أصلاً من التقسيمات الإدارية الساسانية، وكانت السلطات الفارسية، منذ أن سيطر الأخمينيون على مقاليد الأمور في غربي آسيا، تعمل بكل وسيلة لتغييب الحضور الكردي، جغرافياً وسياسياً وثقافياً، وإن وقوع أرّجان ضمن إقليم فارس لا يعني أنها كانت فارسية السكان، فقد أكد كبار الجغرافيين قديماً أنها تقع ضمن منطقة الانتشار الكردي (الزُّموم/الرُّموم).

8 - قال الأصبهاني: " كان أبو العَتاهية وإبراهيم الموصلي من أهل المَذار جميعاً، وكان أبو العتاهية وأهله يعملون الجرار الخضر، فقدما إلى بغداد ثم افترقا؛ فنزل إبراهيم الموصلي ببغداد، ونزل أبو العتاهية الحيرة " (الأغاني، 4/4). وهذا الخبر يؤكد أن إبراهيم كان من مواطني مدينة (المذار)، وعلمنا أن المذار كانت تسمّى (مَيْسان)، وسمّيت حديثاً باسم (العمارة)، ويبدو أن أسرة إبراهيم انتقلت من الكوفة إلى (المذار/ ميسان)، وميسان هذه هي من مواطن الكرد الفيليين.

9 – الملاحظ أن الجغرافيا التي كان إبراهيم يتنقل فيها هي جغرافيا كردية، بدءاً بأرّجان في الجنوب الشرقي، والأُبُلّة وميسان في الجنوب الغربي، ومنطقة الموصل في الشمال الغربي، ومدينة الرَّيّ في الشمال الشرقي.

اعتماداً على هذه الأدلة نرجّح أن أسرة إبراهيم الموصلي كردية الأصل، أما كردستانيتها فأمر لا شك فيه، ومع ذلك ثمة تساؤل يفرض نفسه علينا، وهو:

لماذا لم يصرّح إبراهيم ولا ابنه إسحاق ولا حفيده حمّاد بأصولهم الكردية؟

الحقيقة أن أمثال إبراهيم في هذا الميدان كثُر في تاريخ الكرد قديمه وحدثه، وحسبنا أن نذكر أسرة البرامكة على سبيل المثال؟ ألم يتكتّموا على أصلهم الكردي؛ إلى أن ظهر حفيدهم القاضي المؤرخ ابن خلّكان (ت681 هـ) وأعلن أنهم كرد من قبيلة (زرزاري= ولد الذئب)؟!

ولعل من أسباب عدم إعلان إبراهيم عن أصله الكردي ما يلي:

1 – كان قسم كبير من الكرد يُعرفون حينذاك بأسماء قبائلهم أو مناطقهم، ولا سيما الكرد اللور (الفيلي) الذين نرجّح أن أسرة إبراهيم تنتمي إليهم.

2 – كان الكرد في الجنوب يصنّفون ضمن الفرس والعجم، وهذا أمر وجدناه في تاريخ أسرة البرامكة.

3 – كان الكرد كانوا يقومون بالتمردات والثورات ضد السلطات الأموية والعباسية؛ الأمر الذي جعل سمعتهم غير طيبة على الصعيد الرسمي، وكان من الطبيعي أن تعمّم المؤسسة السياسية رؤيتها على الجماهير، ويكون الانطباع العام عن الكرد أنهم قطّاع طرق ولصوص وهمج وأهل غدر، وحسبنا دليلاً على ذلك أن أبا دُلامة هجا القائد أبا مسلم الخراساني بعد أن أمر أبو جعفر المنصور بقتله، قائلاً:

أفي دولة المنصور حاولتَ غدرةً؟!

ألا إنّ أهلَ الغــدر آباؤك الكردُ  

4 - حسبنا دليلاً على تشويه صورة الكرد أيضاً أن المؤرخين من أمثال المسعودي وغيره لم يجدوا حرجاً في أن ينقلوا روايات غريبة عن أصل الكرد، ويعمّموا في الوسط السياسي والثقافي والشعبي أن الكرد ليسوا بشراً أسوياء، وأنهم من أبناء الجن والشياطين والإماء؛ وكان ذلك كله كفيلاً بتشويه صورة الكرد، وتنفير الناس منهم، وكان من ثَمّ مدعاةً لأن يتنكّر بعض الكرد لأصلهم، ولا سيما أولئك الذين كانوا يطمحون إلى بلوغ المراتب العليا على الصعيد الديني أو الاجتماعي أو الرسمي، وهذا النهج الوصولي موجود في تاريخ بعض الكرد، بل إنه مستمر إلى يومنا هذا.

5 – الملفت للانتباه أن الرواة لم ينقلوا معلوماتهم حول أصل أسرة إبراهيم من إبراهيم نفسه، وإنما نقلوها عن ابنه إسحاق وعن حفيده حمّاد بن إسحاق، وهذا دليل على أن إبراهيم كان يتكتّم على حقيقة أصله، ولا ريب في أن  تشويه صورة الكرد على الصعيدين الرسمي والشعبي كان وراء ذلك التكتّم، وقد مرّ أنه كان صاحب نهج وصولي ذرائعي، وكان يتنازل بسهولة عن كل ما يمكن أن يمنعه من تحقيق طموحاته.

هذا ما نراه ضمن المعطيات التاريخية والجغرافية التي توافرت لنا، وحبّذا أن يتفضّل علينا الدارسون بما يأخذ بأيدينا إلى الحقيقة الناصعة.

المراجع

1.    الأصبهاني: الأغاني، مؤسسة جمال للطباعة والنشر، بيروت، 1963م.

2.    البلخي: فارس نامه، ترجمه عن الفارسية يوسف الهادي، الدار الثقافية، القاهرة، 2001م.

3.    ابن حوقل: صورة الأرض، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، 1979م.

4.    ابن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق الدكتور إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1977م.

5.    دياكونوف: ميديا، ترجمة وهبية شوكت، رام للطباعة والتوزيع، دمشق.

6.    أبو الفداء: تقويم البلدان، دار الطباعة السلطانية، باريس، 1840م.

7.  مأمون بك بن بيگه بك: مذكرات مأمون بك بن بيگه بك، تعريب محمد جميل الروژبياني وشكور مصطفى، مطبعة المجمع العلمي العراقي، بغداد، 1980م.

8.  مجموعة من الباحثين، كركوك، (بحوث الندوة العلمية حول كركوك) 3-5 نيسان 2001، دار آراس للطباعة ولنشر، أربيل، كردستان العراق، الطبعة الأولى، 2002م.

9.    ياقوت الحموي: معجم البلدان، تحقيق فريد عبد العزيز الجندي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1990م.

وإلى اللقاء في الحلقة الرابعة والخمسين

د. أحمد الخليل   في 23 – 4 -  2008

dralkhalil@hotmail.com

 

 ===========

 

مشاهير الكرد في التاريخ

( الحلقة الثانية والخمسون )

 الفقيه عيسى الهَكّاري: مهندس الدولة الأيوبية

(توفي عام 585 هـ / 1189 م)

 

كان صلاح الدين الأيوبي ابناً باراً لشعوب غربي آسيا جميعها، وكان مشروعه الأكبر هو تحرير البيت الغرب آسيوي من الاحتلال الفرنجي، وقد أفلح في ذلك ليس  لأنه كان قائداً عسكرياً عبقرياً فقط، وإنما لأنه كان خبيراً بمعادن الرجال أيضاً، سواء أكانوا ساسة أم محاربين، فقهاء أم إداريين، يضع كل واحد في موقعه المناسب، ويوظّف كفاءاته خير توظيف، ولولا ذلك لما استطاع صلاح الدين أن يحقق ما حققه. ونقف في هذه الحلقة عند سيرة رائد غرب آسيوي شهير، اكتشفه صلاح الدين في وقت مبكّر، فوثق به، وأوكل إليه المهمات الخطيرة، إنه الفقيه عيسى الهَكّاري، فماذا عنه؟

هَكاري: جبال ورجال

يعرف الكرد منطقة هَكاري من خلال الملحمة الشعبية العريقة (جَبَلي مِيرَى حكارَه)  Gebeli Mirι Hekιre، أي (جَبَلي أمير هكار)، وهي منطقة جبلية في معظمها، شديدة الوعورة، قممها شامخة، ووديانها ضيقة، تقع في الزاوية الشرقية الجنوبية من تركيا حالياً، وتتاخم الحدود الإيرانية شرقاً والحدود العراقية جنوباً، وقد ذكرها ياقوت الحموي في (معجم البلدان، 4/322) باسم (هَكّاري)، وقال: " الهَكّارِيةُ: بالفتح وتشديد الكاف وراء وياء نسبة: بلدة وناحية وقرى فوق الموصل في بلد جزيرة ابن عمر، يسكنها أكراد يقال لهم الهكارية ".

وأنجبت منطقة هكاري عدداً وافراً من العلماء والقادة البارزين، منهم: شيخ الإسلام أبو الحسن علي بن أحمد بن يوسف بن جعفر بن عرفة الهكاري (ت 486 هـ)، و عماد الدين ابن المشطوب وأخوه الجَناح، وهما من أبرز الأمراء في جيش صلاح الدين، ومنهم أيضاً الفقيه عيسى الهكاري موضوع حلقتنا هذه.

وقال ابن خلّكان (وفيات الأعيان، 3/497) بصدد نسب الفقيه عيسى: " الفقيه أبو محمد عيسى بن محمد بن عيسى بن محمد بن أحمد بن يوسف بن القاسم بن عيسى بن محمد بن القاسم بن محمد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، هكذا أملى عليّ نسبَه ولدُ ولدِ أخيه، ويقال له الهكاري، الملقب ضياء الدين". ولم يعلّق ابن خلكان على هذا النسب الذي اختلط فيه الكردي الهكاري بالعربي الهاشمي، واكتفى بأن حمّل حفيد أخي الفقيه عيسى مسؤولية هذه المعلومة، وكأنه يقول ضمناً: لست مسؤولاً عن صحتها أو عدم صحتها.

أما من جانبنا فنرجّح أن نسبة أسرة الفقيه عيسى إلى سلالة الحسن بن علي بن أبي طالب هو اختلاق، وقد فعل الحفيد ذلك لأسباب تتمحور في الدرجة الأولى حول الرغبة في الانتساب إلى عائلة النبي محمد، للفوز بالمقام الرفيع الذي يمنحه المسلمون عادة لمن ينتمي إلى هذه السلالة، وفي العالم الإسلامي كثيرون من العرب وغير العرب نهجوا هذا النهج للفوز بالمزايا التي يختص بها آل بيت النبي.

وبشأن الأصل الكردي للفقيه عيسى نعتمد على أمور ثلاثة:

1 – الأمر الأول أن الفقيه عيسى نفسه لم يذكر لأحد نسب أسرته إلى علي بن أبي طالب، وإنما الذي ذكر ذلك النسب هو حفيد أخيه. ولو كانت أسرة الفقيه عربية هاشمية لما تردّد الفقيه في الإعلان عنها، لأن ذلك كان مدعاة للفخر.

2 – الأمر الثاني أن كل من كتب عن الفقيه عيسى ذكر أنه كردي هكاري، ولم يذكر أنه عربي قرشي هاشمي، وهذا دليل آخر على أن الرجل نفسه لم يذكر شيئاً يتعلق بالنسب الهاشمي، ولو كان قد فعل ذلك لذكره من كتب عنه.

3 – الأمر الثالث أن الفقيه عيسى كان يقف إلى جانب الكرد في خضم الصراع الكردي التركماني داخل الجيش الزنكي.

ولا تذكر المصادر شيئاً عن تاريخ ولادة الفقيه عيسى، ولا شيء عن تفاصيل حياته وهو صبي، وتبدأ أخباره بالظهور وهو في عهد الشباب، قال ابن خلّكان (وفيات الأعيان، 3/497): " وكان في مبدأ أمره يشتغل في الفقه بالمدرسة الزجاجية بمدينة حلب، فاتصل بالأمير أسد الدين شيرگوه، عم السلطان صلاح الدين ... وصار إمامه يصلّي به الفرائض الخمس. ولما توجّه أسد الدين إلى الديار المصرية، وتولّى الوزارة ... كان في صُحبته ". وقال ابن الأثير(الكامل في التاريخ، 12/42): " هو من أعيان أمراء العسكر، ومن قدماء الأسدية، وكان فقيهاً، جندياً، شجاعاً، كريماً، ذا عصبية ومروءة، وهو من أصحاب الشيخ الإمام أبي القاسم البَرْزي، تفقّه عليه بجزيرة ابن عمر، ثم اتصل بأسد الدين شيرگوه، فصار إماماً له، فرأى من شجاعته ما جعل له إقطاعاً ".

ونستنتج مما سبق أن الفقيه عيسى بدأ حياته طالب علم، وتخصص في علم الفقه الإسلامي على وجه التحديد، ودرس هذا العلم في كل من جزيرة ابن عمر (جزيرة بوتان) القريبة من منطقة هكاري، ثم انتقل إلى مدينة حلب، وكانت حينذاك من العواصم الثقافية الكبرى، ونفهم من عبارة "يشتغل في الفقه" التي أوردها ابن خلّكان أن الفقيه عيسى استكمل تعلّم الفقه في المدرسة الزجاجية، ويبدو أنه أتقن ذلك العلم، وأجيز فيه على عادة طلبة العلم في ذلك الزمان، وحاز على لقب (الفقيه).

الزنكيون والكرد

دخل السلاجقة الترك بغداد عاصمة الخلافة العباسية سنة (447 هـ/1055 م)، وفرضوا سيطرتهم على غربي آسيا، وفي إطار الستراتيجية السلجوقية تم تعيين عماد الدين زنكي حاكمًا على الموصل ومعظم ديار الجزيرة سنة (521 هـ)؛ الأمر الذي جعله على تماس مباشر مع النفوذ الفرنجي في إمارة الرُّها وإمارة أنطاكيا، وكان أول ما بدأه عماد الدين أنه سيطر على المناطق الكردية بدءاً من منطقة شهرزور (قرب سليمانية حالياً) وانتهاء بمنطقة هكاري وديار بكر وماردين وما جاورها( ابن الأثير: الباهر في التاريخ، ص 57 – 58، 64. ابن أبي الهيجاء: تاريخ ابن أبي الهيجاء، ص 203. ابن الأثير: الكامل في التاريخ، 11/94). وصار الزنكيون على تماس مباشر مع المناطق المحتلة من قِبل الفرنج، وفرضت عليهم الضرورات الجيوسياسية أن يتحملوا عبء الصراع ضد الفرنج.

وقد استقطب عماد الدين زنكي قوتين كرديتين:

·   القوة الأولى قوة مقاتلة، وكان الأيوبيون، ومن معهم من فرسان القبيلة الهَذْبانية (هُوز باني)  Hoze Bani، ويعني هذا الاسم بالكردية- فيما أعلم- (أصحاب قطعان المراعي الجبلية العليا)، وكان الهذبانيون من أهم القوى الكردية المقاتلة التي ضمها عماد الدين إلى صفوف جيشه، إنها كانت قوة متمرسة على الحروب منذ أن كانت تعمل في صفوف الدولة الشدادية الكردية في جنوبي القوقاز، ونتيجة للكفاءة الحربية لكل من الأخوين أيوب وشيرگوه صارا من كبار القادة في الجيش الزنكي، وكان الأيوبيون يستقطبون الفرسان القبليين الكرد للانخراط في صفوف الجيش الزنكي، حتى إن شيرگوه أنشأ فرقة خاصة مكوّنة من أولئك الفرسان ومن الفرسان التركمان، سمّيت باسم (الفرقة الأسدية)؛ نسبة إلى لقبه (أسد الدين).

·   والقوة الثانية قوة ثقافية دينية، تمثّلت في مجموعة من الفقهاء الكرد، برز منهم آل الشهرزوري بريادة القاضي كمال الدين الشهرزوري، وقد تولّى هذا الفقيه القضاء في بلاد الشام، وبلغ رتبة الوزارة في عهد نور الدين زنكي، وكان قادة الدولة الزنكية في حاجة ماسة إلى الدعم اللوجستي الثقافي الذي كانت مقاليده في أيدي الفقهاء، وكان الفقهاء ورجال الدين عامة هم القادرين على تحريك الجماهير، ودفعها إلى الوقوف مع الحكام، وبذل المال والنفس في سبيل السياسات المرسومة حينذاك.

واغتيل عماد الدين زنكي سنة (541  هـ/1146 م)، وانجلت المنافسات الداخلية عن مركزين للقوى داخل الدولة الزنكية: الأولى تركمانية بقيادة بعض كبار الضباط التركمان، والثانية كردية بقيادة الأسرة الأيوبية. وفور مقتل عماد الدين نشب التنافس بين أبنائه، وأفلح الفريق الكردي في إيصال مرشحه نور الدين محمود بن عماد الدين إلى سدة الحكم، واستبعاد سيف الدين غازي الابن الأكبر لعماد الدين، ومرشح الفريق التركماني، ووقف القادة الكرد بكل ما أوتوا من قوة وكفاءة لترسيخ أركان الدولة الزنكية بقيادة السلطان نور الدين.

ومرّ أن الفقيه عيسى بدأ حياته العملية إماماً للأمير شيرگوه، عم صلاح الدين، وهذا يعني أنه كان أحد عناصر الفرقة الأسدية، ويبدو أنه كان قد حاز ثقة شيرگوه، حتى إنه اصطحبه معه إلى مصر بعدئذ، ومعروف أن شيرگوه قاد ثلاث حملات عسكرية إلى مصر، بتكليف من السلطان نور الدين، وبدعوة من الخليفة الفاطمي العاضد لدين الله، بقصد حماية مصر من الفرنج، وفي الحملة الثالـثة سنة (564 هـ/1168 م) استطـاع شيرگوه أن ينقذ مصر من الفرنج، فعينّه الخليفة الفاطمي وزيراً(ابن الأثير: الباهر في التاريخ، ص 120، 119، 132، 137. ابن شـداد: النـوادر السلطـانية، ص 40).

ويبدو أن الفقيه عيسى كان من الرجال الذين وثق بهم السلطان نور الدين، فندبه للمهمات السياسية الصعبة، وقد ذكر أبو شامة في (الروضتين، 1/ 182) أن الوزير المصري شاوَر كان يفضّل أن يهادن الفرنج لما دخلوا مصر، وأدرك الخليفة الفاطمي العاضد أن خطة شاور ستقود مصر إلى الوقوع في قبضة الفرنج، فكتب رسالة سرية إلى نور الدين، يستنجد به، فكلّف نور الدين كبير قادة جيشه شيرگوه بالتوجه إلى مصر، ليحميها من الفرنج، "وأرسل الفقيه عيسى الهكاري إلى مصر برسالة ظاهرة إلى شاوِر يعلمه أن العساكر واصلة، وبرسالة سرية إلى العاضد، وأمره أن يستحلفه على أشياء عيَّنها، وأن يكتم ذلك من شاوَر".

منافسة على الوزارة

كان بقاء شيرگوه في منصب الوزارة بمصر قصيراً جداً، فقد فاجأه الموت سنة (564 هـ / 1169 م)، بعد شهرين وخمسة أيام من تولّيه ذلك المنصب، وفور وفاته بدأ الخليفة الفاطمي العاضد يبحث عن شخصية جديدة للحلول محل شيرگوه ، وبما أن الجيش النُّوري – حسبما يسميه المؤرخون المسلمون القدامى ويسمّونه الجيش الشامي أيضاً- كان القوة العسكرية المهيمنة في مصر حينذاك، بعد انتصاره على الفرنج وحلفائهم المصريين، فلم يكن أمام الخليفة العاضد خيار سوى أن يكون وزيره الجديد من قادة ذلك الجيش.

أما في صفوف الجيش النوري (الشامي) فقد تنافس كبار القادة فيما بينهم للفوز بمنصب الوزارة، بل حشد كل منهم الجنود التابعين له إظهاراً لقوته، قال ابن الأثير (الكامل في التاريخ، 5/105):

" فإن جماعة من الأمراء النُّورية الذين كانوا بمصر طلبوا التقدم على العساكر، وولاية الوزارة العاضدية بعده [بعد شيرگوه]، منهم عين الدولة اليارُوقي، وقطبُ الدين، وسيف الدين المشطوب الهكاري، وشهاب الدين محمود الحارمي، وهو خال صلاح الدين، وكل واحد من هؤلاء يخطبها، وقد جمع أصحابه ليغالب عليها ".

غير أنه كان للخليفة العاضد- بتوجيه من حاشيته- حساباته الخاصة، فصحيح أنه استعان بجيش السلطان نور الدين لإنقاذ مصر من مطامع الفرنج، لكنه كان يعلم أن نور الدين سنّي متعصّب، وأنه مُوالٍ للخليفة العباسي السنّي في بغداد، وكان يعلم أيضاً أن أول ما يطمح إليه الخليفة العباسي هو الإطاحة بالخلافة الفاطمية، وهرباً من ذلك المصير استقر رأي العاضد وحاشيته على استبعاد كبار قادة الجيش النُّوري من منصب الوزارة، وإسنادها إلى صلاح الدين، فأحضره عنده، وخلع عليه، وولاه الوزارة بعد عمه، ومنحه لقب (الناصر)؛ قال ابن الأثير موضّحاً موقف العاضد (الكامل في التاريخ، 5/105): 

" وكان الذي حمله على ذلك أن أصحابه قالوا: ليس في الجماعة أضعف ولا أصغر سناً من يوسف، والرأي أن يولّى، فإنه لا يخرج من تحت حكمنا، ثم نضع على العساكر من يستميلهم إلينا، فيصير عندنا من الجنود من نمنع بهم البلاد، ثم نأخذ يوسف أو نخرجه ".

وها هنا نشبت الأزمة في صفوف الجيش النوري، وأبدى كبار القادة كرداً وأتراكاً معارضتهم لتعيين صلاح الدين في منصب الوزارة، وبطبيعة الحال كان من المحال أن يستمر صلاح الدين في منصب الوزارة مع وجود تلك المعارضة القوية، إذ كانت العادة أن يكون القائد العام للجيش النوري هو الذي يتولّى الوزارة، وما كان صلاح الدين قد عُيّن بعدُ قائداً عاماً للجيش النوري من قِبل السلطان نور الدين؛ ولذا لم يتردّد كبار القادة عن إعلان معارضتهم، والوقوف ضد قرار العاضد، وقال ابن الأثير في هذا الشأن: " فلما خلع عليه لقب الناصر لم يطعه أحد من أولئك الأمراء الذين يريدون الأمر لأنفسهم، ولا خدموه ". وقال ابن تغري بردي في (النجوم الزاهرة، 2/ 119):

" فلما حضر في القصر خلع عليه خلعة الوزارة: الجبة والعمامة وغيرهما، ولقب بالملك الناصر، وعاد إلى دار عمه أسد الدين شيرگوه وأقام بها، ولم يلتفت إليه أحد من أولئك الأمراء الذين يريدون الأمر لأنفسهم ولا خدموه ".

وكان الرجل الذي ترك بصماته واضحة على تلك اللحظات الحاسمة، وعلى تاريخ غربي آسيا، وعلى مستقبل الوجود الفرنجي في شرقي البحر الأبيض المتوسط، هو الفقيه عيسى الهكاري، فقد وقف إلى جانب صلاح الدين، وأفصح موقفه ذلك عن أن الرجل لم يكن مجرد فقيه يجيد الغوص في بطون الكتب الدينية، والربط بين الفروع والأصول، وإنما كان أيضاً سياسياً محنّكاً، يجيد قراءة الشخصيات والأفكار، ويعرف كيف يتعامل مع أصحاب الطموحات، ويعلم بدقّة مراكز القوى في الجيش النوري، ويمتلك مهارة المناورات السياسية الدقيقة.  

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: أما كان الأحرى بالفقيه عيسى أن ينحاز إلى جانب ضباط أعلى من صلاح الدين رتبة وأكثر خبرة؟ هذا التساؤل جدير بالبحث، ويبدو أن الفقيه عيسى كان يرى في صلاح الدين جانباً آخر، وكان قد لمح فيه من المزايا القيادية ما لم يكن يجدها في الآخرين؛ أبرزها الحيوية، والشجاعة، والخلق الرفيع، والجمع بين استعمال اللين والحزم بحسب المواقف.

وقد يقال: لم لا نفسّر انحياز الفقيه عيسى إلى صلاح الدين على أنه كان انحيازاً إلى الفريق الكردي ضد الفريق التركي؟ والحقيقة أني لا أستبعد ذلك، لكني لا أعتقد أن ذلك كان العامل الأوحد، فقد كان بين القادة المتنافسين قائدان كرديان مرموقا المكانة جداً، هما سيف الدين المشطوب الهكاري، وشهاب الدين محمود الحارمي خال صلاح الدين، وإذا أخذنا الانحياز إلى الكردية وحده تفسيراً لموقف الفقيه عيسى لكان من المنطقي أن ينحاز الفقيه عيسى إلى القائد سيف الدين المشطوب الهكاري، باعتباره ابن منطقته، إضافة إلى أنه كان صاحب مقام رفيع في الجيش النوري.

مناورات سياسية

أجل، إن الفقيه عيسى وقف إلى جانب الشاب صلاح الدين، وقام بمناورات سياسية دقيقة، ونلمح في خطوات تعامله مع هذه المشكلة أنه جزّأها إلى أقسام، وتعامل مع كل قسم على حدة، وكان خبيراً بشخصية القادة المنافسين لصلاح الدين، وبدأ الخطوة الأولى مع القائد سيف الدين المشطوب الهكاري، قال ابن خلّكان (وفيات الأعيان، 7/154): "فسعى مع سيف الدين علي بن أحمد حتى أماله إليه، وقال له: إن هذا الأمر لا يصل إليك مع وجود عين الدولة والحارمي وابن تليل ".

إن المدخل الذي اتخذه الفقيه مع المشطوب كان مدخل الواقعية السياسية، فقد أفهم المشطوب بصريح العبارة أنه سيخرج من الرهان خاسراً، لأن مراكز القوى المنافسة له هي الأقوى، وأن يكون قائداً بإمرة صلاح الدين الذي سيجلّه ولا ريب خير له من أن يكون بإمرة الياروقي والحارمي وغيرهما. وفهم المشطوب الرسالة، وأدرك أن قراءة الفقيه للواقع هي قراءة صائبة، فترك صفوف المعارضة، وانضم إلى المؤيدين لصلاح الدين، وبذلك زالت واحدة من العقبات الكبرى التي كانت تحول دون وصول صلاح الدين إلى قيادة الجيش النُّوري وإلى الوزارة.

وذكر ابن خلّكان (ابن خلّكان: وفيات الأعيان، 7/154) أن الفقيه عيسى انتقل إلى المنافس الثاني، أقصد شهاب الدين محمود الحارمي، وقال له: "هذا صلاح الدين هو ابن أختك، ومُلكه لك، وقد استقام الأمر له، فلا تكن أول من يسعى في إخراجه عنه، ولا يصل إليك" ، وواضح أن الفقيه اختار مع الحارمي مدخلاً آخر، هو البناء على القرابة بين الحارمي وصلاح الدين، إضافة إلى زرع اليأس في نفسه، وظل الفقيه عيسى يلحّ على الحارمي حسبما أفاد ابن خلّكان(وفيات الأعيان، 7/154" ولم يزل به، حتى أحضره أيضاً عنده، وحلّفه له ".

وبقي معارضان خطيران اثنان، هما قطب الدين خسرو الهذباني، وعين الدولة الياروقي، أما قطب الدين فهو ابن أخي أبي الهيجاء الهذباني الذي كان حاكم إربل، وهو من أسرة كردية عريقة وشهيرة، واختار الفقيه أن يكون المدخل مع قطب الدين هو العصبية الكردية، إضافة إلى إطماعه في مزايا مالية إضافية، فذهب إليه، وقال له: " إن صلاح الدين قد أطاعه الناس، ولم يبق غيرك وغير الياروقي، وعلى كل حال فيجمع بينك وبين صلاح الدين أن أصله من الأكراد، ووعَده وزاد في إقطاعه ". ونقل الذهبي في (تاريخ الإسلام) عن ابن واصل أن الفقيه ذهب إلى قطب الدين، وقال له: " إن صلاح الدين قد أطاعه الناس، لم يبق غيرك وغير عين الدولة، وعلى كل حال، فالجامع بينك وبين صلاح الدين أن أصله من الأكراد، فلا يخرج الأمر عنه إلى الأتراك. ووعده بزيادة إقطاعه، فلان وحلف". وكانت النتيجة أن قطب الدين ترك صفوف المعارضة أيضاً، وأعلن الطاعة لصلاح الدين,

ولم يبق  من المعارضين سوى القائد التركماني عين الدولة الياروقي، وعلم الفقيه أن المداخل السابقة لا تنفع في التعامل مع الياروقي، ولعله كان يعلم في قرارة نفسه أنه أصعب المعارضين وأصلبهم موقفاً، ولذلك تركه إلى النهاية، وشرع بتكوين حلقة فراغ حوله، من خلال استقطاب المعارضين الآخرين، وقاده رويداً رويداً إلى مفترق طريقين: إما الانضواء تحت قيادة صلاح الدين، وإما الابتعاد عن ساحة المنافسة بعد أن بقي وحيداً، واختار الياروقي الخيار الثاني، فعاد إلى دمشق مع المعارضين التركمان الآخرين، وهذا ما كان الفقيه عيسى يريده، وقد تنبّه السلطان نور الدين إلى خطورة ابتعاد الياروقي وبقية الأتراك المعارضين من مصر، ولكن كان الأوان قد فات، قال ابن خلّكان (وفيات الأعيان، 7/155) بشأن الياروقي:

" وكان أكبر الجماعة، وأكثرهم جمعاً، فلم تنفعه رُقاه [أي رُقى الفقيه]، ولا نفذ فيه سحره، وقال: أنا لا أخدم يوسف أبداً. وعاد إلى نور الدين ومعه غيره، فأنكر عليهم فراقه، وثبت قدم صلاح الدين، ورسخ مُلكه ".

مواقف وشهادات

ونخلص مما سبق إلى أن الفقيه عيسى الهكاري يستحق أن يسمى (مهندس قيام الدولة الأيوبية)، فلولا مناوراته السياسية الذكية هذه لما تمكّن صلاح الدين من البقاء في منصب الوزارة، ولولا بقاؤه في منصب الوزارة لما استطاع ترسيخ نفوذه في مصر، وتوسيعه ليشمل شمالي البلاد التي سميت في العصر الحديث باسم (السودان)، ولما استطاع السيطرة بعدئذ على اليمن، ولا ريب في إن موارد مصر المالية، وموقعها الجيوسياسي المؤثر إقليمياً، والكثافة الديموغرافية فيها، كانت عوامل مهمة للغاية، استفاد منها صلاح الدين في السيطرة على بلاد الشام  وعلى القسم الأكبر من كردستان بعد وفاة نور الدين سنة (569 هـ)، فأصبح سلطاناً معترفاً به من قِبل الخليفة العباسي في بغداد، وصار أقوى حاكم في غربي آسيا، وقاد شعوب المنطقة لمواجهة حملات الفرنج؛ وإذا أخذنا كل هذه الوقائع في الحسبان أدركنا أهمية المناورات السياسية التي قام بها الفقيه عيسى لتمكين صلاح الدين من موقع الوزارة.

ولم تتوقف جهود الفقيه عيسى عند هذا الحد، وإنما كان إلى جانب صلاح الدين في معظم الأحداث السياسية والحربية الحاسمة، وإليكم بعض مواقفه ومساهماته.

1 - بعد أن ثبت صلاح الدين في منصب الوزارة بمصر، وعاد الفريق المعارض له إلى دمشق- وكانت بزعامة القائد التركي الكبير عين الدولة الياروقي- أبدى القادة الأتراك تخوّفهم من أن يُرسّخ صلاح الدين أقدامه في مصر، ويستقلّ بها عن سلطة نور الدين، وتأثّر السلطان نور الدين بتلك الهواجس، فشرع يستفزّ صلاح الدين، ويتعمّد التضييق عليه؛ لاستدراجه إلى إعلان العصيان، فيكون عصيانه حجة لإزاحته أو القضاء عليه، وذكر أبو شامة في (عيون الروضتين، 1/440 - 441):

" أن نور الدين لما اتصل به وفاة أسد الدين، ووزارة صـلاح الدين، وما انعقد له من المحبـّة في قلوب الرعايا، أعظـم ذلك وأكبره، وتأفّف منـه وأنكره، وقال: كيف أقـدم صـلاح الدين أن يفعل شيئًا بغير أمري؟ وكتب في ذلك عـدّة كتب، فلم يلتفت الملك الناصر إلى قوله، إلا أنه لم يخرج عن طاعته وأمره ".

وهكذا فقد تغلّب صلاح الدين على منافسة كبار قادة  الجيش له، لكنه وجد نفسه في مأزق جديد، بعد أن صار السلطان نور الدين خصماً له، وكان الخطر في هذه المرة أكبر مما سبق، وكان للفقيه عيسى تأثير كبير في هذه المحنة الجديدة، إذ أرسله صلاح الدين رسولاً إلى نور الدين، ليقوم بطمأنة السلطان وتبديد مخاوفه، وأفلح الفقيه عيسى في تلك المهمة.

2 - كان الفقيه عيسى حريصاً على تماسك البيت الأيوبي، وعدم حصول النزاعات في هرم السلطة الأيوبية، فبعد أن سيطر صلاح الدين على بلاد الشام والأقسام الجنوبية والشمالية والغربية من كردستان وصل إلى مدينة حَرّان، ومرض مرضاً شديداً، حتى إنه أشرف على الموت، وقام خلال ذلك بإحداث تغييرات في مراكز القوى داخل السلطة، تهيئة لأن تصبح مقاليد الأمور بين يدي أبنائه من بعده، فتمرد عليه الأمير تقيّ الدين عمر ابن أخيه شاهنشاه بن أيوب، وكان من كبار أمراء البيت الأيوبي، ومن أبرزهم في ميادين الشجاعة والفروسية، وهمّت نفسه بالسيطرة على مصر، والهيمنة على السلطة، ولما تعافى صلاح الدين، طلب من تقي الدين الحضور إلى دمشق، فامتنع، وعزم على اللحاق بليبيا، وشرع في السفر، وكان ينوي التمرد على صلاح الدين، وإثارة القلاقل في الجزء الغربي من الدولة الأيوبية.

وهنا ظهرت جهود الفقيه عيسى التوفيقية بوضوح، فقد كلّفه صلاح الدين بحل تلك المعضلة، فتوجّه الفقيه إلى تقي الدين، وأقنعه بأن عمه صلاح الدين لن يؤذيه، وثنى عزمه عما كان قد قرّره من التمرد، فخرج تقي الدين إلى دمشق، والتقى بعمه، فعفا عنه، وبذلك نجح الفقيه عيسى في الحفاظ على تماسك الأسرة الأيوبية، وأزال واحداً من أشد المخاطر التي كانت نذيراً بنشوب الصراعات دخل البيت الأيوبي.

3 – لم يكن الفقيه عيسى رجل العلم والسياسة فقط، وإنما كان مقاتلاً في ساحات الحرب أيضاً، وصفه ابن خلكان (وفيات الأعيان، ج 3 / ص 498) قائلاً: " وكان يلبس زيّ الأجناد، ويعتمّ بعمائم الفقهاء، فيجمع بين اللباسين. ورأيت أخاه الأمير مجد الدين أبا حفص عمر أيضاً على هذه الصفة" .

وذكر ابن الأثير (الكامل في التاريخ، 5/140)، في أحداث سنة (573 هـ)، أن جيش صلاح الدين هاجم مناطق فلسطين الواقعة في أيدي الفرنج، وانشغل الجنود بطلب الغنائم، لكن الفرنج فاجأوهم بهجوم معاكس، " وكان مع صلاح الدين بعض العسكر، لأن أكثرهم تفرقوا في طلب الغنيمة، فلما رآهم وقف لهم فيمن معه، وتقدم بين يديه تقي الدين عمر بن محمد ابن أخي صلاح الدين، فباشر القتال بنفسه بين يدي عمه، فقتل من أصحابه جماعة، وكذلك الفرنج، ... وكان أشد الناس قتالاً ذلك اليوم الفقيه عيسى". وفي تلك المعركة لحقت الهزيمة بجيش صلاح الدين، ووقع الفقيه عيسى في أسر الفرنج مع أخيه ظهير الدين، فافتداه صلاح الدين بستين ألف دينار.

وظل الفقيه عيسى ينشط بفعالية وبإخلاص لترسيخ أركان الدولة الأيوبية، ويقف إلى جانب صلاح الدين في السرّاء والضرّاء، إلى أن توفي سنة (585 هـ/ 1189 م)، وقد أشاد ابن الأثير ( الكامل في التاريخ، 12/42) بمكانته قائلاً: " وتقدّم عند صلاح الدين تقدماً عظيماً ". وقال ابن تغري بردي (النجوم الزاهرة، 2 / 152) في أحداث سنة (585 هـ): " وكان صلاح الدين يميل إليه ويستشيره، وكأن الله قد أقامه لقضاء حوائج الناس والتفريج عن المكروبين مع الورع والعفة والدين، رحمه الله ".

وقال ابن خلكان (وفيات الأعيان 3/497 – 498) بمناسبة وفاة الفقيه عيسى: " أحد الأمراء بالدولة الصلاحية، كبير القدر وافر الحرمة ".  وقال ابن خلكان أيضاً (وفيات الأعيان، 3/497): 

" فلما تولى صلاح الدين رأى له ذلك واعتمد عليه، ولم يكن يخرج عن رأيه، وكان كثير الإدلال عليه، يخاطبه بما لا يقدر عليه غيره من الكلام، وكان واسطة خير للناس نفع بجاهه خلقاً كثيراً. ولم يزل على مكانته وتوفر حرمته إلى أن توفي في يوم الثلاثاء عند طلوع الشمس، التاسع من ذي القعدة سنة خمس وثمانين وخمسمائة بالمخيم بمنزلة الخروبة [قرب عكا]، ثم نقل إلى القدس ودفن بظاهرها، رحمه الله تعالى".

وجملة القول أنه لولا وجود رجال أفذاذ ومخلصين، من أمثال الفقيه عيسى، إلى جانب صلاح الدين، لكان لتاريخ غربي آسيا مسار آخر مختلف تماماً.

 

المراجع

1.    ابن الأثير: التاريخ الباهر في أخبار الدولة الأتابكية بالموصل، تحقيق عبد القادر أحمد طليمات، دار الكتب الحديثة، بغداد.

2.    ابن الأثير: الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت.

3.    ابن تغري بَردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1935.

4.    ابن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق الدكتور إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1977.

5.    الذهبي: تاريخ الإسلام، تحقيق محمد محمود حمدان، دار الكتاب المصري، القاهرة، 1985.

6.    أبو شامة: عيون الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، حققه أحمد البيسومي، وزارة الثقافة، دمشق، 1992 م.

7.    ابن شداد: النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، تحقيق جمال الدين الشيّال، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 1964م.

8.    ابن أبي الهيجاء: تاريخ ابن أبي الهيجاء، تحقيق صبحي عبد المنعم محمد، دار رياض الصالحين، الطبعة الأولى، 1993م.

9.    ياقوت الحموي: معجم الأدباء، تحقيق الدكتور إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1993 م.

 

وإلى اللقاء في الحلقة الثالثة والخمسين.

د. أحمد الخليل   في 2 – 4 -  2008

dralkhalil@hotmail.com

 

===============

 

مشاهير الكرد في التاريخ

( الحلقة الحادية والخمسون )

  أتروبات الميدي والإسكندر المكدوني

(توفي بعد سنة 320 ق.م)

شرق وغرب

منذ القرن (18 ق.م)- على أقل تقدير- ثمة ظاهرة غريبة في تاريخ (أوراسيا) تلفت الانتباه؛ إنها ظاهرة حروب الكر والفر بين الدول والإمبراطوريات في قارتي آسيا وأوربا، وتفيد المصادر أن الحِثّيين كانوا أول الشعوب الأوربية التي غزت آسيا الصغرى، وأقاموا فيها الدولة الحِثّية القديمة حوالي سنة (1750 ق.م)، واختفت دولة الحِثّيين حوالي سنة (1200 ق.م) تحت ضغط الشعوب الإيجية (شعوب البحر)، قادمةً من جزر بحر إيجه وجنوبي بلاد الإغريق، وكانت حرب طرْوادة من أحداث ذلك الغزو(وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، 1/83، 84). وفي ذلك التاريخ أيضاً جاء الفِريجيون مهاجرين من تراقيا، واحتلوا وسط الأناضول غربي نهر هاليس (قزل إرماق). وتلاهم بعدئذ السِّيمِّريون والسكيث، وأصبح الحضور السكيثي في شمالي ميديا قوياً حوالي منتصف القرن السابع قبل الميلاد(هـ. ج. ولز: معالم تاريخ الإنسانية،  2/346).

ثم جاء دور آسيا في الردّ، فكان الملك الفارسي دارا الأول (522 – 480 ق.م) أول من دشّن الهجوم على قارة أوربا، بحملته على بلاد السكيث الأصلية في شمالي البحر الأسود (أوربا الشرقية)، ثم طوّر ابنه أحشويرش وتيرة الهجوم، فغزا بلاد الإغريق براً وبحراً بقوات هائلة العدد، ودخل أثينا، وأحرق الأكروبول (مركز كبار آلهة الإغريق).

وفي سنة (334 ق.م) قام الإسكندر المكدوني بهجوم معاكس، وقاد حملة أوربية نحو الشرق، وحقق النصر على الملك الفارسي دارا الثالث في معركة جرانيكوس (334 ق.م)، ثم في معركة إسوس (333 ق.م)، وأخيراً كان النصر حاسماً في معركة گوگاميلا Gugamela قرب أربيل سنة (331 ق.م)، " ثم توجّه إلى برسيپوليس حيث أمر – وقد بلغ انتشاؤه بالخمر في إحدى المآدب ذروته- بإحراق بيت ملك الملوك، ثم أعلن فيما بعد أن هذا هو انتقام بلاد الإغريق لإحراق إجزرسيس [أحشويرش]  أثينا"(هـ. ج. ولز: معالم تاريخ الإنسانية، 2/436، 437).

وتوالت سلسلة الكر والفر بين القارتين في القرون اللاحقة، تارة بين الفرس الساسانيين والرومان، وتارة بين الساسانيين والبيزنطيين. ثم بين العرب المسلمين والبيزنطيين، وكان من نتائج ذلك فتح إسبانيا، ووصول العرب إلى جنوبي فرنسا، ثم بدأت الحملات الفرنجية (الصليبية) على شرقي المتوسط بدءاً من سنة (1095م). ثم تسلّم الشرق زمام المبادرة، فسيطر الترك العثمانيون على القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية سنة (1453م)، وكان الهجوم على أوربا الشرقية والغربية والوصول إلى أبواب ڤينّا عاصمة النمسا سنة (1683م). ثم جاء الهجوم الأوربي، في العصر الحديث، على آسيا عامة، وما زالت الكفّة راجحة للقارة الأوربية إلى يومنا هذا.

وقد تعددّت التفسيرات حول العوامل الكامنة وراء ظاهرة الكر والفر هذه بين أوربا وآسيا، والحقيقة أن السيطرة على الثروات وعلى طرق التجارة العالمية، هي العامل الأكثر فاعلية، بل لعلها كانت العامل الأول والأهمّ، وكانت الجغرافيا المستهدفة طوال ثلاثة آلاف عام هي المنطقة الواقعة بين جبال زاغروس شرقاً، وجنوبي أوربا غرباً، بما فيه البحر الأبيض المتوسط طبعاً، وإضافة إلى الثروات الاقتصادية (معادن منتجات زراعية وصناعية)، والثروات البشرية (عبيد، أسرى، مرتزقة)، كان الوصول إلى الأسواق التجارية في العمق الآسيوي والعمق الأوربي هو الهدف الأكبر.

وكان الوطن الميدي- جغرافياً وبشرياً واقتصادياً وسياسياً- حاضراً في صميم عمليات الكر والفر الكبرى بين آسيا وأوربا، شأنه في ذلك شأن بقية مناطق غربي آسيا وشعوبها، وكان موجوداً بقوة في الحسابات الجيوسياسية لدى الدوائر الشرقية والغربية المتصارعة، ونتناول في هذه الحلقة أبرز الأحداث التي جرت على أرض ميديا خلال الصراع الفارسي الإغريقي، وتحديداً خلال الغزو الذي شنّه الإسكندر المكدوني على إمبراطورية فارس، وكانت ميديا الأتروباتية هي الجزء الميدي الأكثر إسهاماً في أحداث ذلك العهد، وكانت حينذاك بقيادة حاكم ميدي يدعى (أَتْروبات).

فماذا عن ميديا الأتروباتية؟

وماذا عن أَتْروبات نفسه؟

الإسكندر في ميديا

لقد أفلحت السياسات الأخمينية – تنفيذاً لوصية قمبيز- في تقطيع أوصال الوطن الميدي، وكان التقطيع شاملاً، فلم تنجُ منه لا الجغرافيا ا&#