رواية نازح عن سماء الرياض

بقلم : محمود شيخ سعدو

 الصادرة عن الدار العربية للعلوم بيروت 2007

 

  ينطلقُ ( مصطفى سعيد ) من أروِقةِ الواقعِ وسراديب الحياة التي تمتلئ خميرةً دافئةً تعكس النبضَ الحقيقي الصادق للحياة بكلِّ أفراحها وأحزانها, آثامها ومفاتنها , ينطلق من المجتمع ككل, يُدخلُه إلى  مصنعه  الإبداعي, يحتضنه بدفءٍ يقابل دفءَ الواقع, يحمل قطعاً من المرايا التي استعارها أيضاً من أنفاس الواقع, يُسلِّطها على أكثر جوانب الحياة نبضاً, ينقلها بأمانةٍ, وذلك في لوحتِه الدرامية المتشكِّلة من مفاتن الأبجدية { نازح عن سماء الرياض }

 نراه في نازح عن سماء الرياض يغوص في أدقِّ تفاصيل الحكاية ورويداً رويداً يتخلَّى عن عهده مع نفسه بالتزام الدقَّةِ ليُبحرَ في سماء الإبداع اللاشعوري حيث تتساقط منه ومضات إبداعية برَّاقة تُنثر بين الحروف.

الحادثةُ العابرة تدَّرجَ بها إلى المثلِ الشمولي من وجهة نظره, وهنا تكمن خميرةُ الفنِّ الكفيلة بحركة الإبداع إلى ما لا نهاية من الزمن وقد نجح في أن يحررها من قيد الزمان والمكان على الرغم من أن إطار الزمان والمكان ماثلٌ في الرواية, أطلقها في المطلق وعَبَرَ بها الحدود المتعارف عليها بين أوساط المثقفين, حلَّق في فضاءات تُلمح لمحاً وتكاد أن تلمس بأطراف البنان ولا تُلمس { وما أجمل الدمعة التي تعلق بين الأهداب ولا تنزل, تتلألئ , وما أجمل الابتسامة الحائرة التي تقف على طرف الشفاه ولاتُعرف أهي ابتسامة فرح أم ابتسامة حزن } ونرى من خلال كلماته نشيداً من أناشيد الحياة المتواجدة في كل لحظات القرون.

 رواية { نازح عن سماء الرياض } عيّنة صغيرة انتشلها الكاتبُ من جسد الحياة قلَّبها بين يديه للحظات ووضعها تحت مجهر الأديب للحظات أخرى, ثم أعادها بيده إلى جسد الحياة ثانية بأمان وحفظ مكانها ليعودَ إليها ثانية عند إلحاح الحاجة الجمالية ا لتي تحرِّضُ قلمه كلَّ حين.

ظهر في الرواية تعددُ الأصوات واستحضار الشخصيات التاريخية والأدبية بقليلٍ من الكثافة واصطناع الرمز والقناع والميل إلى التناص, طالت الأنفاس حيناً وقصرت حيناً. جنحَ الكاتب إلى البناء الدرامي وتصاعدَ الحدثِ في الحبكة والاستدارة, واستعان بعناصرِ الفنون أغلبِها من حوارٍ وقصٍ ودراما وقد غَدَا بذلك أن يقاربَ اللوحةَ المرسومة والمنطوقة.

أما إيحاءات الرمز والإشارات التي كَثُرَت في العمل تجلَّت بين حكايته كجزءٍ من نظامٍ شمولي للغة ( ابتسيمولوجيا النص ) تَقَلَّبَ في بعض الألفاظ كمعادلٍ موضوعي عن حالةٍ نفسيَّة لازمت الكاتب طوال فترة الحضانة الأدبية للرواية التي عثر عليها من رحم الحياة. إذ لا بد من التسلح بالرؤيا والهدوء للخوض في هذا النص حتى نُعطيَه حقَّه في التعامل مع عمل أدبي يدافع بمنكبٍ عريض ليأخذ مكانه الطبيعي والحقيقي بين الأعمال الأدبية , ولا بد من تلقيه بالمعرفة والثقافة والاطلاع الواسع وإثارة القِوى كلُّها وتدريبها وتثقفيها به مع توقع المدهش والمثير في كلِّ ورقةٍ من ورقات الكتاب بما يتناسب مع المفاهيم الجمالية المعاصرة.

 ومن هنا تتبلور أهميةُ المتلقي في التعامل مع الشخصيَّة المبدعة والشخصيَّة المؤرِّخة المسجِّلة لأحداثِ الواقع, فالكاتبُ له شخصيَّته المستقلَّة, يعيشُ ويرتحلُ ويتعرفُ إلى هذا وذاك وتكون له آراؤه ومواقفه وهذه هي الشخصيَّة التاريخيَّة أيضاً, وله بعد ذلك ذاتُه المبدعة وهذه الذات تتشكل آلياً من غير قصدٍ في أعماله متضمنةً آراءُه ومواقفه وخيالاتُه وهواه وكلُّ ما يطمح ويصبو إليه من فرزٍ عميقٍ في داخله وحنينٍ إلى انتخابِ المثل الأعلى للحياة. ليس المقصود من ذلك أحداث قطيعة بين الواقع والفن, فكلاهما يتغذى على الآخر ويدفعه للتطور, ويحدثُ من احتكاكِهما شرارةٌ أبديَّةٌ. العملُ يؤرخُ بغيرِ قصدٍ حقبةً مهمةً غَفِلَ عنها البعض, وأهمية هذه الحقبة تكمنُ في بقاءِ تَذكُرِ الحكايةِ من عدمها .

محمود شيخ سعدو

ناقد وشاعر سوري

mshs4u@hotmail.com

 عن صحيفة البلاد السعودية

 رابط المدونة الخاصة بالرواية

تيريج عفرين 28 / 7 / 2009

( هندسة الحب )

عن الدار الوطنية الجديدة الخُبر/ صدر الديوان الثاني والاصدار السابع لمصطفى سعيد بعنوان ( هندسة الحب ) يقع الديوان في 100 صفحة من القطع الصغير, ويحمل بين دفتيه خمساً وعشرين قصيدة مرفقة بصور فوتوغرافية.

 

 
ومن بين القصائد المنثورة نقدم مقتطفات من قصيدة ( ما بين برزخين )


أحبكِ حتى أقاصيكِ

فحدودُكِ برزخان

وعرضُكِ مقدارُ الكونِ

وضعفان..

وروحُكِ

غذاءُ البشرِ

المنسكبِ بآنية الله..


أحبكِ بهمسٍ

أحبكِ بصمتٍ

أحبكِ كطفلٍ

أحبكِ لأرتقي لحدودِ اللاوجودِ

خطوتُ نحوَكِ بسكونٍ

كالخطا على خيطٍ

معلقاً بينَ سنبلتين

معلقاً بينَ برزخين

أتأرجحُ, أتأرجحُ

أرجوحتي من خصلاتِ شعركِ

شعرُكِ النديُّ

معلقٌ بينَ سنبلتين

معلقٌ بينَ برزخين

وذاك خاتمٌ في يدكِ

ككوكبٍ منـزوٍ

وظلي منـزوٍ

نحوَ نفسِهِ..

يتأملُ

فداحةَ جمال

تسيلُ من فمي رغوةُ المسرة

فأنا سليل ألقٍ مستعرٍ


ماذا أفعلُ بأشلائي..

وأنتِ تنتهكينَ تيجانَ الزمان

وأنتِ تغتالينَ بقايا إنسان..

ترمُقينَهُ بطرفِ أنفِكِ

وأنا..

زاهدٌ بالصمتِ

قربَ ضريحِ المقصلة..



أحبكِ حتى أقاصيكِ

فحدودكِ برزخان

وعرضُكِ مقدارُ الكون

وضعفان..

وروحكِ

غذاءُ البشرِ

المنسكبِ بآنية الله..


يا غذاءَ العالمينَ ..لا أحتملُ الجوعَ والأنينَ .....
 
مصطفى سعيد / تيريج عفرين 5 / 1 / 2009

العودة إلى الصفحة السابقة