رسالتان من الآخرة

المهندس محمد مجيد حنان

عزيزي القارئ ؛ ستستغرب بمجرد قراءتك العنوان .. أيَّمَا استغراب ؟. رسالة واحدة من الآخرة صعبُ التصديق ، فكيف برسالتين اثنتين ؟!.

 لقد حدث ذلك فعلاً ، وإليك الرسالة الأولى :

أُرَانِي يومًا مُغادِرًا عفرين إلى أهلي بقرية برمجة في خريف عام 1995 ، وأدْخُلُ على والدَيَّ .. فتهمِسُ إليَّ الوالدة بوعكةٍ في صحة والدي , فاندفع متلهِّفاً لاستبيان الحقيقة ؟... ينفى وُجُودَ ما يستدعي الاهتمام الزائد بهذا الرشح البسيط .. ومعاتبًا والدتي على مفاجأة ابنها بخبر المرض .

رجوته النزولَ إلى طبيبٍ في عفرين بإلحَاحٍ ؛ فأبَى ، وكلفني إرسالَ أدوية الرَّشْح من الصيدلية .. مِمَّا دعاني الحالُ إلى المبيت لِهَاجسٍ خَفِيٍّ !.

وفي الصباح الباكر ؛ توسلتُ إليه بمرافقتي لِتغيير الجَوِّ والطبيب و .. وما أنْ ابتعدتْ سيارتنا عن القرية مسافة ، حتى فاتحني بلزوم العودة سريعًا إلى القرية ، إثرَ شراء حاجاتٍ للبيت ، ولا مانع من مراجعة الطبيب بناءً على الطلب .. وهو يتمتمُ بعبارات خافضةٍ : مَا فِي دَاعِي لِكُلْ هَشِّي ، سعال وارتخاء بسيط في القوةِ البدنية ..

ولم يخطر في بالي ؛ أنها اسْتِدْرَاجَاتُ القدَر في ثلاثة أشهر تالية .. لِكَهْلٍ ينظر بمنظار المصير ، وأن الموتَ سيخطفه من بيننا بقضاء اللهI  وقدرهِ ، وسيصيبني الذهول ..  دونَ تركِ وصيَّةٍ لِوَحِيدِهِ تعينه في مسيرةِ الحياة !!..

وحيدٌ .. بلا وصية من أبٍ حريصٍ !!.. خذها صورةً من عالم آخر يا محمد !!.. وجدته في منامي يتوَسَّط الجلسة الحاشدة في دار عمي شَيْخُو فِيلـُكْ .. وبأجمل اللباس ، وبفُتُوَّةٍ في الكلام والبدن غير مَعْهُودَةٍ ، يُحَدِّثُ الحُضُورَ برَزانةٍ وتشَوُّقٍ .. عن صُوَرٍ لِلتكريم والتقدير في حَيَاتِهِ المُعاشةِ .. ثم يستأذن قائمًا ؛ يُوَدِّعُهُمْ وَداعَ مَنْ قاربَتْ زيارته النهاية .

 فأرافقه عند الخروج ، وكلانا "كعادتنا" في حديثٍ عن بعض القضايا التي يجب علاجها سوية .. لا تفارق خيالي هالة الانتقال إلى الآخرة في حديثه آنفاً !..

اقتربنا من صهريج الماء في فِنَاءِ "بيشَيْ أودَيْ " المضافة ، وعلى الصهريج بكرة سحب الماء بدَلوِهِ في نهاية الحبل ... فما أرى والدي إلاَّ مندفعًا نحو فوهة الصهريج .. متعلقا بالدلو .. فيَهْوي إلى القعر !!... فأندفع  للامساك ببقية الحبل ، فلم أفلح .. فأنحني متفحِّصًا قعرَ الصهريج .. فلم أرَ إلاَّ  صفحة الماء الساكنة !!..

أسْحَبُ الحبلَ باندهاشٍ شيئًا فشيئًا ، حتى بَرَزَ الدلوُ غِلافَ بَريدٍ يحمل عُدَّتـَيْن لِلبَنـَّائين : (مالة) أداة تسوية الطين والإسمنت ، و(مَيْزِيْنْ) أداة التوازن والتعديل .. وهما أقوَمُ وسيلتين لكلِّ بَنـَّأءٍ !!.. نعم نعم أيها الأبُ الحريص .. إنها وصيتك من عالم الغيب لبناء فقرات الحياة  . وهل الحياة تستقيم إلاَّ بالتخطيط والتسوية والاعتدال !!.. لقد تبلـَّغْتُ مضمونَ الوصية الغالية يا أبي .. وسألتزم كما عهدتني .  

الرسالة الثانية :

ليلة حالمة في سَمَر مع والدي من عالم الغيب .. علي السفح الشرقي لقريتنا بُرِيْمُجَهْ ، يُخَيَّلُ إلينا انتشار النيران وأضواء القرى الكثيرة المتناثرة ..

فاجأني الوالدُ سائلاً : هل أعاد شريكنا ( عَ . رَ ) ما في ذمته من قيمة آلاتِ معصرة الزيتون ؟. قلـتُ : لا .

أخذ بيدي مُرَافِقـَا للبحث عنه ، فكان اللقاءُ .. فالإمْسَاكُ بسَاقَيْهِ من قبلنا ، وإلـْقَاؤُهُ في حفرة مخروطية لخربة غرفة قديمة من الطوب .. يجب أن يكون هنا مصير هؤلاء في الحياة !!..

بحثت عن أجوبة للرسالتين فكان ما يلي :

يا محمد : ضع نصب عينيك البناء ، وكن عادلاً ، واحْـذر التعامل مع أنموذج " عَ رَ " ؛ تسلم لك الحياة

بريمجة 1995

22 / 5 / 2007

===============

السماءُ أمطرتْ الثعالبَ

   حدثني مَحْمَدَيْ عَرُفِي مَيْرَىْ فقال حضرتُ مجلسًا في قريتنا ضَمَّ أحمدي عكيل وأولاده ، وهو يستعرض لهم ما آل إليه أمرُ سَيْطرةِ أخيه على حصته من تركة والدهما ؛ يومَ ما أقدم " في غيابه بدمشق بعد وفاة والده " على تسجيل أملاكِهِ  باسمه .. مستهترًا بالرَّحِم والأخوة والعرف والدين والمواثيق .

راح يشرح بإسهاب عن سَيْر إقامة الدعوى ، وضرورة الاستعانة بشهود جدد عادلين .. لدحض إفادة الشهود الذين شهدوا لصالح أخيه . فالطريق طويل , ومدة إرجاع الحق تتوقف على ظروف ملائمة .. وخيبة الأمل ؛ أن تنقلب النفسُ الزكيَّة إلى النفس المريضة الأمَّارة بالسوء !...

تَمَلمَلَ أولادُهُ في صَمْتٍ عميق ، وتشحَّنتْ ملامِحُهم بسُحُبٍ الأسَى من تصرفات العَمِّ وانتهازه فرصة غياب أبيهم "صاحب الحق" ... حتى انفجر الابنُ الكبير أزاد ، فملأ الجوَّ تذمُّرًا , وهو يتمتم مع نفسه بكلمات ، ثمَّ أعلنها جُرْأةً خالية من اللباقة أمام أبيه والحُضُور قائلاً : متى تنتهي معاناتنا ، ويعود حقنا وأملاكنا ؟!. كلُّ الظروف الحالية قائمة لصالح غريمنا !.. فلا أرى بوارقَ الأمل المنشود !. فمتى نسترجع حقنا من تركة جدِّنا ، يا والدي ؟!!...

تنـَهَّـدَ محمدي عرفي ميرى عميقاً ، ثم تابع القول بنبرةِ الحكيم الخبير قائلاً :

سنحصل على حقوقنا !.. نعم يا أبنائي ؛ سيعود حقنا إلينا .. سننتظر قدوم الزمن الذي تتعافى فيه القلوب من أمراض الجشع وحبِّ الذات والمصلحة ... سننتظر زمن إزهاق الباطل وإحقاق الحق .. تلك سِمَةُ الحياة على مرِّ التاريخ البشري ؛ صعودٌ وهبوطٌ .. كما ضياءُ النهار يمسخ ظلامَ الليل ؛ ستأتي ضياء الحق والعدل .. فيَخنسُ ظلامُ الجَوْر !!.. وخذوها درسًا من هذه الرواية لعلكم تتدبَّرون المغزى من قانون الحياة :

يُرْوَى أن ملِكًا رأى منامًا ، ثم نَسِيَهُ . فطلب من وزيره شَهْرَيَارْ تذكيره بالحلم الضائع خلال شهر ، وإلاَّ ينتظره أشدُّ العقاب إن عجز عن البيان .

بذل الوزير قصارى جهده عن طريق الاتصال بالحكماء والعرَّافين والسحرة وأهل الخبرة من عامة الناس .. والأيامُ تمضي ثقيلة ثقيلة ، خاصة وهي تقترب من النهاية .. ولمَّا يحصلْ على مراده !!..

اعتراه اليأس قبيل اليوم الأخير ، وخطط الخلاص من المأزق بما أوحى إليه حُبُ البقاء وخوفُ العقاب .. بدأ خطتَه بالتنكُّر لحاله ، وخرج حاملاً زوَّاد طعامه .. صاعدًا قممَ الجبال ملاذ النجاة ... وما أن أحَسَّ بالأمان ؛ حتى جلس في أجَمَةٍ قرب صخرة ، وبسط زوادته وراح يأكل .

وإذا بحيَّةٍ تخرج من جحرها ، وتحاكيه بكلام واضح ، مخبرًا الوزيرَ بقدرتهِ على كشف حلم الملك ؛ شريطة إعطائه نصف الجائزة الموعودة ؟!.. فسرعان ما وافق الوزير على الشرط فرحًا بالفرج ، ومُؤَكِّدًا منحها المطلوب بأغلظ الأيمان .. فكان ما كان .

رجع الوزير إلى قصر الملك , يخبره بمضمون حلمه الذي مضمونه : أنَّ جلالته كان قد رأى في منامه ؛ أنَّ  السماءَ تمطر الثعالبَ !.

انبسطت أسارير الملك ، فأغدق على الوزير بعشرة آلاف ليرة ذهبية .

فرح الوزير بالجائزة فرحة غامرة .. جعلته يتغافلُ عن وعدِهِ مع الحية .. بنشوة السَّكَر من بريق الذهب .. اغترارًا بالمكسب الثمين ، فكيف يتنازل عن نصف المبلغ للحية ، خاصَّة أن المسافة الشاسعة تحول دون قدرة الحية على مقاضاته !.

دارت الأيام وتوالت الأزمنة ، وإذا بالملك يستدعيه ثانية , يطالبُ تذكيرَهُ بمنامه الثاني ، وبجائزة ذهبية أخرى ؟!.

فلم يجد الوزير بُدًّا من العودة إلى الجبل .. إلى الصخرة ( وهو متيقِنٌ بأنْ لا جوابَ إلا عند الحَيَّةِ ساكنةِ الصخرة ) . أخبرته بمضمون الحلم الثاني .. بشرط نصف الجائزة الأولى والثانية .

فما أن تحققت غاية الوزير بمعرفة منام الملك ؛ حتى أعمته أنانيته مستهترًا بأمانة العهود المؤكدة بالأيمان ، فدفعته المصلحة الذاتية إلى مقابلة إحسان الحية .. بضربة حجر في يده , ليتخلص منها بعد الحصول على مراده ، مستأثِرًا بالجائزتين لنفسه .

عاد الوزير مزهوًّا إلى قصر الملك ، وذكَّرَهُ بحلمه الثاني .. بأنَّهُ رأى السماءَ تمطر الذِئابَ .

3ـ مَرَّتْ سِنون عديدة ، وإذا بالملك يطالب وزيرَهُ تذكيرَهُ بحلمه الثالث المنسي .

لم يجد الوزير مناصًا من اللجوء إلى صاحبة الفضل عليه والإحسان ؛ إلى الحية للمرةِ الثالثة .. مثقـَلاً بالندم المرير على خيانته لها ، ونقض العهود معها ، إضافة إلى ظنـِّهِ بأنها ستمتنع عن تلبية طلبه ؛ جزاءَ الاحتيال عليها مرتين .

دفعه تأنيب الضمير .. إلى حمل نِصْفَي الجائزتين ، بخجل مشوبٍ بصفاء القلب ، وضمير يتحرَّق ندمًا على ما فات .. عازمًا بحسن النية إلى سداد المليح بالمليح وإن كان متأخرًا . وما عليه إلاَّ أن يقدِّمَ إلى الحية اعتذاره الأسيف ، يرجوها مقابلة إساءته بكرمها وفضلها ... صَمَّمَ ومَضَى إلى الجبل ، فالصخرة .. واضعًا أمانة الجائزتين أمام جحرها ، يناديها بأعذب صوت ، وألطف كلام ، وأعمق الرجاء ...

أخرجت الحية رأسها من الجحر .. هاشَّة باشَّة ، وهي ترى حقها المنهوب أمام ناظريها ؛ هزَّتْ رأسَهَا برويَّةٍ على طريقة الحكماء وقالت : ليس العذرُ فيك يا صاحبي . فتلك مشيئة الله وحسن تصرفه بالكون ، وتقليبهِ أمور الحياة والإنسان !!..

فإن العهد السابق يا صاحبي ، كانت سِمَتُهُ الأنانية والكبرياء .. التي من خصالها : الحِيَلُ والخداع والرياء والكذب والنفاق و.. فهو المعنيُّ بحقبة تساقط الثعالب .

أعقبتها الحقبة الثانية بما هو أعظم وألعَنُ .. شابَهَا الظلم , وسلبُ حقوق الضعفاء ، ونشدانُ السعادة على شقاء الآخرين وإيذاءُ المقهورين ومَصُّ دماء الأبرياء ، وهتك أعراض المحصنات الغافلات !.

وعهد اليوم أيها الصاحب التائب ، في هذه الحقبة الثالثة ، وبقدرة مَنْ بيده التقادير : أن يرى الملك في حلمه الثالث ؛ أن السماء تمطر خرفانا !.

إنها الحقبة التي تتسم بإعادة المياه إلى مجاريها ، والحقوق إلى نصابها ، وإحلال الأمانة مكانتها وعزَّتها . إنها عهد الإنسانية ؛ بعودة الحقوق المسلوبة ، وانتشار عبق السلام والوئام .. على غرار لطافة الخرفان وطبيعتها الهادئة ، وهي تعيش بجوار أندادها بكل أمان .. بلا خصام ولا أضغان ولا حسد .. فالجميع يحافظون على حدودهم ، ويرضون بما قسم لهم القدر من رزق ، بعد السعي الدؤوب بما لا يضر الآخرين .

وهنا أكمل محمدي عرفي ميري حديثه موجِّهًا القول إلى أولاده : أدعوكم إلى اختصار الحقب .. بالإخلاص في بذل الجهد والعمل في الحقبة الأولى /أولاً . إلى التفتق العلميِّ والإبداع في ساحاته في الحقبة الثانية من حياتكم ... فستأتيكم السعادة المنشودة في الحقبة الثالثة ؛ ثمرةً للغرستين السابقتين .

تعقيب :

في الحقيقة أقول : إن قسما من الحديث صحيح ، والقسم الأخر يحتاج إلى إعادة النظر بناءً على قول أحد المفكرين ، الذي ينص مبدؤه على أن أي عمل لا يمكن إنجازه أو تحقيقه إلا بتوافر شرطين :

أولهما : وجود الفكرة . وثانيهما : توفر الفرصة .

فالفكرة تنام ولا يمكن تحقيقها إلا إذا جاء الوقت المناسب للتحقيق .

وفي غياب الفكرة ؛ ربما تتوالى فرص عديدة لإنجاز أعمال محددة .

إذن ؛ يجب إيجاد الفكرة وتشذيبها وتنميتها لِتتبلور ، وتأخذ شكلها الانسيابي السليم ؛ أملاً في تحقيق الغاية المرجُوَّةِ .. وهو يحتاج إلى شَحْذِ الهِمَّةِ ، فالعمل الدؤوب على مسار الهدف .

ثم .. تأتي الفرصة المناسبة لتحقيق المقصود ؛ وفق مخطط الفكرة .

ولنضرب لذلك مثالا :

1ـ تمَّ الاتفاق مع الأهل "في غرفة الضيوف لدارنا بقرية برمجة " لتعويض مدفأة المازوت بمدفأة الحطب التي بالكاد يؤَمَّنُ وَقودها . وسيارة المازوت تمر بانتظام في القرية ، دون أيِّ إرهاق وتعبٍ . تلك هي الفكرة .

2ـ بدأت مرحلة الجـِدِّ والعمل .. وتمَّ تركيب مدفأة المازوت ، وأعِدَّ البرميل ، وجاءت العربة تملأه بالوَقود .. فصارت الغرفة جاهزة لاستقبال الضيوف بيسر وسهولة .

فالفكرة تمثلت بتوفير التدفئة . أعقبه العمل بشراء المدفأة وتركيبها ، وتحضير برميل لخزن مادة المازوت ، وتخصيص مبلغ من المال ، والترقب لقدوم صهريج المازوت .

dc

22 / 5 / 2007

====================

العمل النجيب

في نهاية الثمانينات من القرن الماضي ، بدأتُ بناء غرفة وصالون وتوابعهما في قريتنا برمجة , وبقي صب عدسة السقف حيث احتاج الأمر إلى ثلاثة أطنان من الإسمنت.

و للحد من استغلال المادة ,اتخذت الدولة إجراءات عدة لتنظيم التوزيع ،واعتمد على المجلس البلدي لتحقيق ذلك .

 حيث اشترط رفع عشر طلبات لمواطنين يحتاجون إلى تلك المادة (الإسمنت )كل دفعة مرفق بكتاب من مجلس البلدة المختصة إلى رئاسة المحافظة لالتماس الموافقة .

أعددت طلباً إفرادياً فاستثناني مجلس بلدة المعبطلي فحملتها إلى الرئاسة ملتمساً الموافقة ، وأحرزت نجاحاً  فكانت الموافقة على الطلب بتزكية من مسؤول من مجلس المحافظة كان على إطلاع للأعمال الكبيرة المنجزة في الشركة التي أعمل بها ، فكافأني  بمنحي موافقة إفرادية.

توجهت إلى محلة باب الحديد مركز انطلاق الباصات المتجهة إلى محلة المسلمية حيث معمل الإسمنت .

فأستقلت مكروباصاً وكان موقع جلوسي خلف السائق مباشرة وذهني مشوش إلى أبعد حد ، نظراً تعاملي سيكون مع فئات من المجتمع أحسنها السائقون وعمال التحميل , وكان جليسي في المقعد نفسه شخص من مدينة إِعزاز .

وصل الركب بنا على دوار محلة الميسلون فتوقف الميكرو لحمل رجل دين , ولما توسط ذلك الشخص الحافلة المكتظة بركابها ، تحركت واقفاً وطالباً من جاري إفساح المجال لأجلس مكاني  ذلك الشخص .

إلا أنه استنكر تصرفي وطلب مني أن أرتاح مفضلاً جلوس رجل الدين في مقعده هو ، لكن غيرنا كان قد سبقنا إلى تكريم ذلك الشخص فجلس مكان شابٍ متحمس .

مددت يدي حاملاً ورقة مالية وطالباً من مرافق الميكرو قبض أجرة رجل الدين ، فتدافع عدد غفير من الراكبين في سباق فريد في كسب الثواب ،فرجع يدي إلى جيبي عائدا بالورقة المالية .

و غاب عن ذهني أين ومتى ترجل رجل الدين إلى الحافلة , وباقترابنا من نهاية الخط , إذ استفسرت من السائق عن المسافة التي تفصل بين نهاية الخط والمعمل , فأفاد بأن المسافة لا يتجاوز1500م ، ولكن الجو حار وغبار المعمل يضيق الأنفاس , و يحدث الحكة في الجلد ، وأردفت بسؤال آخر أطلب منه إيصالي إلى المعمل من نهاية الخط تاركاً له حرية تحديد أجرته ...!

زعق السائق في وجهي رافضاً مستنكراً ، وهو يرغي ويزبد ، فتراجعت مقهوراً ، يعصرني الندم لتجرئي على سؤال السائق بإيصالي .!.

 توقفت الحافلة في نهاية الخط ، وترجلت مع الباقين التسعة المتوجهين إلى المعمل , وقفت حائراً ونفسي لا تطاوعني على المشي , وعيني معلقة على الحافلة التي قامت بالدوران نصف دورة عائدة , وأنا أسف على نزولي من الحافلة ، وأحس بأنني أسير في مشوارٍ لستُ أهلاً على إحراز أي نجاح في مسيرتي نحو الغموض ! .

لكن النجاح يأتي في اللحظات الأخيرة من المسيرة الصعبة الطويلة ، كما يقول أحد القادة المشهورين في النضال ، فيقول : لا تقطعوا الأمل ، مهما يكن الوضع صعباً فالنجاح تكمن في نهاية المسير الصعب .

فغر فاهي لقد حدثت المعجزة ، فبدل أن يكتفي قائد الحافلة بنصف دورة ، ويستعد لانطلاق باتجاه مدينة حلب ، أكمل سائق الحافلة دورة كاملة وتوقفت وبابها المفتوح في مواجهة صدري ، وصاح طالباً صعودي . فتلفت نحو درب المعمل ، ورجوت السائق أن يصطحب باقي القاصدين إلى المعمل معه ، والذين كانوا برفقتنا ، ما دمت سأتحمل عبأ المشوار الخاص .

على باب المعمل مددت بورقة المائة إلى السائق ، فدفعها نحو صدري بلطف شديد ، وطلب مني مسا محته على ما بدر منه .

في المعمل وقفت بعيداً ، حيث تتقاتل الجموع مستميتة في الوصول إلى النافذة ، التي يقبع خلفها الموظف المسؤول ..ومقرر الدور في استلام تلك المادة الصعبة المنال .

و تساءلت جهراً : لم أخلق لمثل هذه المهمة !.

و بلغ بي الإحباط إلى أدنى درجاته يائساً مستسلماً .

انقسمت نظراتي بين الفريق المتدافع أمام النافذة ، ومدخل المعمل .. في كيفية الخروج من هذا المأزق .

اقترب مني شخص وهمس قائلاً : ماذا تريد ؟.

أجبت : القاصد إلى هنا هل يبغي غير الإسمنت ؟.

قال : إلى أي مكان ؟.

قلت : باتجاه مدينة عفرين ، بعد مركز ناحية المعبطلي ، والمسافة تسعون كيلو متراً من هنا .

قال :2500 ل.س أجرة وستصلك صباح غد . ناولته بطاقة الاسمنت مدفوع القيمة , فأخذها وابتعد عني .

انزاح هم ، وسيطر علي هم جديد !. لقد فعلت مثل جحا عندما اشترى معلاقاً وطلب

من اللحام طريقة طبخها . فكتبها له على ورقة , وفي رحلة العودة إلى قريته , ارتاح جحا قليلاً تحت ظل شجرة ، ووضع المعلاق على حجر بالقرب منه , وإذا بغراب ينقض عليها ، ويطير بها بعيداً .

فلم يبال جحا بما جرى بل قال : مادامت الورقة معي فلا يهم .

وراودتني فكرة : وإن لم يأتني بالأسمنت ماذا أفعل ؟

وحتى اسمه لا أعرفه.! .

وحدث المعجزة الثانية :

صياح عال يقطع سلسلة أفكاري : أسـتاذ  محمد !.

تطلعت نحو المدخل ، وإذا بباب سيارة بيك آب بيضاء صغيرة حكومية مفتوح من جهة السائق ، وترجل منه رجل أبيض الشعر ، يركضُ باتجاهي , و بعدما سلمَ علي وبعد أن فهمَ مرادي .

صاح بمستلمِ بطاقتي , وبمحادثة بسيطة معه ، أجاب على كل التساؤلات التي كانت تشغل ذهني ، بل وفر علي خمس  الأجرة ، وأعادني إلى المدينة مكرماً .

إنتقالي بالمكروباص من نهاية الخط إلى باب المعمل ، وامتناع السائق عن أخذ أي تعويض . وإعادة الطمأنينة إلى نفسي للمعرفة التامة بين ذو الشعر الأبيض وصاحب شاحنة النقل التي سيحمل لي الإسمنت إلى قريتي .. و إعادتي إلى المدينة من المعمل مكرماً .. كل ذلك كرمت به... لأنني بدأتُ بعمل كان المقصود فيه تقدير رجلُ دين لوجه Q .

برمجة :1990

22 / 5 / 2007

=================

إنها حَرْبٌ داخلَ الشاحنة

عمل والدي بتجارة العنب عام1953 ( يَوْمَ ما كانت منطقة عفرين مشهورة بكُرُومِهِا ) متعاقدًا مع المدعو : مسيو موريس ، لإَمْدَادِ معملِهِ في بيروت بأحمال العنب . والشرط الوحيد للتعاقد : تقييم سعر القنطار بنسبة الحلاوة في العنب .

شمل حجم العمل معظمَ أنحاء منطقتنا ، واستوعب شَغْلَ الفرقِ الكثيرةِ من العمال لِجَنْي العنب في أماكن متفرقةٍ متراميةٍ ، وتحميله في الشاحنات ، مما جعل والدي يتنقـَّل في الطرقات غير المعَبَّدة بين مواقع العمل المتباعدة وقتئذٍ .

أيَّامٌ مَرَّتْ مثقلة بأعباء العمل المضني ، وجاء خبرُ وقوفِ شاحنةِ العنب على الحدود السورية اللبنانية ، بسبب إضراب العاملين في سلك الجمارك اللبنانية .

اضطرَّ والدي إلى التوَجُّهِ على عَجَلٍ باتجاه الحدود ، فوصلها بعد أربعة أيام .. وما أنْ ترَجَّلَ من السيارة ؛ حتى فوجئَ بسائق الشاحنة يسرع نحوه مرتبكًا ، يُخبرُهُ عن حَرْبٍ .. يدورُ رحاها بين حيواناتٍ داخلَ الصناديق المكدسة على الشاحنة ، وتُسَبِّبُ خسارة فادحة من عصير العنب الهادر من الجوانب السفلية للسيارة .. وبعد تَقَصِّي الحقيقة ؛ تبيَّنَ أنَّ عماله العاملين في ناحية شيخ الحديد " قد توَلـْدَنُوا " بوَضْع سلحفاةٍ أو أكثر داخلَ كل صندوق مع العنب !.

انفرجت الأزمة في اليوم الخامس .. بفضل انتشار الرائحة الواخزة من عفونةِ العنب .. التي أفسدت الأجواء على الجمارك اللبنانية ، فأخلـَوْا سبيلَ الشاحنة المأسورة .. تخَلـُّصًا من أذاها المنتشر ببركات السلاحف !!.

تابع والدي حديثه قائلاً : غادرنا الحدود نحو بيروت ، وأثقالٌ من الهموم قابعة على تفكيري عن خسارة تلف العنب " عفسًا واعتصارًا " ، وليس في اليد حيلة !..  

وصلنا المعمل على حَيَاءٍ وَوَجَلٍ .. واطـَّلع موريس صاحب المعمل على الحقيقة ، وطمْأنني أنَّ في مقدوره اسخراجَ نسبة الحلاوة قبل التعفن ، وسيحاسبني على أساسها .. فانكشفت خيمة الخوف من الخسارة عن سرورٍ خافِتٍ هادئٍ ..

بل زاد السرورُ ابتهاجًا ؛ أنْ اشترى السيد موريس كلَّ سلحفاةٍ بخمس ليراتٍ لبنانيةٍ .. " هي ثمَنُ شاةٍ يومَذاك " . فانقلبَ مَقلـَبُ العمال ، بقدرة القادر الخبير بعواقب الأمور .. إلى أرباح مضاعفةٍ من بيع السلاحف .. التي لولاها ؛ لذهب العصير هدرًا من جراء إضراب العاملين في جمارك لبنان ، ولعُدنا خاسرين صفر الأيادي .. لكنهم لعبوا في عملهم عبثا ، فعوَّض اللهُ تعالى استهتارهم أرباحًا مضاعفة !!..

uu

تمَـرُّدُ مُراهِــقٍ

حدثني شيخ منان جوخدار من قرية شران ، فقال :

تمرَّدْتُ على والدي وأنا يافع ، فيمَّمْتُ وجهي شطرَ مدينة حلب .. قاطعاً المسافة إلى كفرجنة مشياً على الأقدام ، لمسافة تزيد عن 5 /كم ، إذ لم يكن السيرُ متوفراً ذلك الزمن بين قرية شران ومدينة حلب .

فانتظرتُ مرورَ الباص ( poste البوسته ذات المقدمة البارزة ) القادمِ من عفرين باتجاه مدينة حلب .. صعدتُ الباص ، يقودني إلى هذه المدينة العريقة  تمرُّدِي على الواقع نحو المجهول .. ويشُدُّنِي إلى الوراء أمانُ الدِّفْءِ في أحضان العائلة .. لكنَّ جُمُوحَ التمرد طغى على كل معقول وقتئذٍ .

وصلتُ حلب ، ونمت في خَـان الحاج محمود في باب الجنين .. فراشي ولحافي ومخدَّتِي أكياسُ الحنطة الفارغة !. وفي الصباح الباكر توجهتُ إلى شارع بارون حيث فندق " أوتَيْل بالاس " ، يَرْتادُهُ عِلـْيَة القوم من منطقتنا .. أملاً في أن ألتقي بالوجيه علي أكرم ؛ صديق والدي ، وكانت مخيَّلتي قد لفقت قصة مفادها " أنَّ والدي أرسلني إليه ، ليتوسَّطَ في إيجاد عملٍ لي بحلب " .. فاستغرب الطلب متعَجِّبًا من الأمر مستنكرًا الموضوع !.. ولم يكن يومئذٍ وسيلة للتأكُّد من والدي ؛ فتململ قليلاً .. ثم شاء القدر أن تلمحَ عيناهُ شخصيَّة البَيْك الحَلَبي : سعيد صائم الدهر مُتَرَبِّعًا على الطاولة المجاورة .. فاضطرَّ لمحاكاته قائلاً : يا سعيد بيك ؛ إذا ممكنْ شَغـِّل هالولد عندك في المعمل ؟!..

فأرسلني البيك إلى معمل غزل القطن ونسجه بحيِّ السَّبيل . وفي المعمل .. وما أدراك ما المعمل !!.. قادني رئيس الوَرْدِيَّةِ إلى عامل يُدَرِّبُني على واجبات العمل وكيفيته .. بلغته العربية ، التي أجهلها كلـِّيًّا ، إضافة إلى الجَوِّ المُوحِشِ الذي أعايشه بهذا التشَرُّدِ الذي فرضتُهُ على نفسي بعبَثية المراهقة ، مع البَوْن الشاسع في الزخرف الحضاريِّ بين الريف المتخلـِّفِ ، والمدينة الزاهرة بالرقيِّ والمدنية .. حتى آلََ الأمرُ بمُدَرِّبي إلى أنْ يَتَحَوَّلَ من الدور التعليميِّ .. إلى المستهزئ الساخر المهين .. مع سائر زملائه !!.

حشرتُ نفسي في مأزقٍ لا يُحْسَدُ عليه ، ولا أتمناهُ لأي إنسانٍ .. معاناةٌ من صنوف الإذلال والمهانة في مسلسلاتٍ بلا حدود .. لو مورستْ إحداها في محيط قريتنا ؛ لتسَبَّبَتْ قتالاً شرسًا غيرَ محمود العواقب .

اجترَرْتُ ذلك جزاءً وِفاقاً لعنادي ، ولِغَضَاضَةِ مقرراتي الهوجاء . ودار الزمنُ شهراً ونَيِّفاً ، وأفانينُ المضايقات والمذلاَّت تحتدمُ يومًا بعد يوم .. وتتوالـَي

الأيام ثقيلة مرهقة ، حتى تعمَّمَتْ سهامُ الإهانات من جميع عمَّال الوردية دون استثناء .. ما عدا واحدٍ منهم ؛ يفاجئني يومًا بالاقتراب مني " على غفلة من زملائه " يُسَاررُني بكونه من أبناء منطقتي ، لكنه يخفي ذلك عنهم ؛ تفاديًا من شرِّ هؤلاء المستهزئين بأمثالنا .. فأحسَسْتُ بنوع من القوة ، خاصة وهو يهمس إليَّ بالمؤازرة عند الإيجاب .

عادَ إليَّ رُشْدِي ، وثارتْ في نفسي حَمِيَّة الغيرة على كرامتي ، فصَمَّمْتُ على الدفاع عنها في أوَّلِ مَذلـَّةٍ لاحقةٍ ، ولم لا ؟!. ومعي سَنَدٌ من أبناء منطقتي ؟!.

كان اليوم التالي ، وشاء القدر أن تأتي ساعة الحسم في المعمل .. إذ يدنو مني أحدُ المتطفلين ، ويَمُدُّ يَدَهُ باستهجانٍ إلى عورتي !!..

اسوَدَّتِ الدنيا أمام عينيَّ ، وثارت ثائرتي بحركة سريعة نحو عَصىً غليظٍ من أعواد الأنوال المعطوبة .. المرمية في زاويةٍ من المعمل  ، وهَوَيْتُ بهِ على رأس المتحرِّش الساخر .. فدَوَّتْ منه صاعقة الثور المجروح ، وطغى صراخُهُ على صوت آلات المعمل ، والدماءُ تنسكب على وجهه وسائر بدنه ..

انتبه جميع العمال إلى مصدر الصراخ وحال زميلهم !. فكان استنفارُُهُم  بالتدافع نحوي كالسيل الهادر .. ينصرون زميلهم المصاب . فلم أجدْ بجانبي إلاَّ ابنَ منطقتي متدابرَيْن .. وواقفَيْن أمامهم ، دون كومة أعواد الأنوال ، تتوالى ضرباتنا بالأنوال الخشبية على رؤوس كلِّ هاجمٍ ، فنسقط الواحدَ منهم تِلوَ الآخر ، كَما السَبْعُ يدافع عن عرينه ..

ولم تنته المعركة إلاَّ على صوت صاحب المعمل ، وهو يقوم بجولةٍ تفقديَّةٍ . وكان ذلك إيذاناً بتقرير مصيري في معملِهِ . لكنَّ حِكْمَتَهُ اقتضَتْ تَخْييري بين البقاء في هذا القسم ، أو الانتقال إلى مكانٍ آخر من المعمل .. ، فاخترتُ تركَ العمل احتفاظاً بما تبقىَّ من كرامتي . فأوْعَزَ إلى عامل الأجور ، ومنحوني حقي كاملا ، وتحَرَّرْتُ من أسْر الذلِّ والمهانة .

توجهتُ من المعمل مباشرة إلى باب الفرج مركز باصات السفر ، فكان ثمَّة متسعٌ من الوقت لانطلاق الباص نحو عفرين ، فآثرتُ إملاءَ الفاصل الزمنِيِّ بجولةٍ أخيرةٍ فضوليةٍ في أسواق هذه المدينة العامرة .. وقادتني قدماي إلى مكان  البَسْطات المتنقلة ( المعروضات ) في باب الجنين ..

وكان وقوفي بعفويةٍ على بسطةٍ للسمك ، أرقبُ صاحبَيْهَا في كيفية تسويق بضاعتهما .. صياحًا من أحدهما .. ووَزْناً من الآخر .. ترغيبًا في جلب الزبائن على عادة البيَّاعين في مثل هذه الأسواق ، حتى فوجئتُ بصَيْحَةِ أحدِهِما لِي قائلاً : الرطلُ .. بخمسةٍ وعشرين قرشاً !!. وهو يعرض عليَّ سمكة بعد سمكةٍ ، ثمَّ يضعها في كفة الميزان ذي الساقين الطويلتين ، وفي الكفة الأٌخرى معيار خمسة أرطالٍِ ( ما يساوي 16 /كلغ تقريبا ) ، ثم يفرغان الموزونَ داخلَ كيس الخيش ، وقذفا الكيس أمام قدمي ، ويَمُدُّ أحدُ البائعين يده نحوي طالباً مني مبلغ مائة وخمسة وعشرين قرشاً ؟!... تمَّ كلُّ هذا ، وأنا منذهل عمَّا يجري ، وهما يفرضان عليَّ الشراء فرضًا .. استصغارًا بسذاجتي وسلامة فطرتي .. وابن المدينة عفريت خالصٌ يتجبر على أمثالي من البسطاء .

ولما تيقـَّنَا من فضوليتي ، وعدم رغبتي في الشراء ؛ انهالا عليَّ باللكمات المتواليات ، وأنا أدافع عن نفسي عبثا .. إلى أنْ تَعِبَا ، وتوَقـَّفا عن القتال مسترخِيَيْن على الأرض .. وتعبتُ أكثر منهما .. لكنَّ فترة الاستراحة لم تطل ، وها هما قد عادا إلى قتالي ثانية ، فأيقنتُ أنْ لا مفرَّ من هذا الموقف الصعب ، إلاَّ بشراء السمك ، فأشرتُ إليهما بالموافقة ، فتوقفا عن الصراع .

فتحتُ كيسَ النقود بحسرات قاتلةٍ ودموع مؤلمةٍ . فدفعتُ إليهما المطلوبَ ، وحملتُ كيس السمك على ظهري .. قاصدًا باص الانطلاق في باب الفرج .. فنُغادرُ مدينة حلب بعد العصر ، لأصِلَ موقفَ كفر جنة بعد العشاء ، فأترَجَّلُ من السيارة .. حاملاً كيسَ السمك على ظهري متوجِّهًا نحو قريتي شَرَّان سيرًا على الأقدام ..

ولا تسألْني عن الماء الزَّنِيخ .. الذي يترشَّحُ من السمك إلى سائر أنحاء جسمي .. ولا عن الإرهاق في حمله لِمسافة 5/كلم ليلاً !!.. ويكفي أن تعلم أنَّ هذه النتيجة المزرية .. مصيرُ كلِّ متعجرفٍ عنيدٍ متمرِّدٍ على كيان الأسرة التي تعشعش في أكنافها ظلالُ الأنس والراحة ..

تِلـْكَ الكلمة الأخيرة أقدمها لِذوي الألباب : ماذا ينفعني ، وأنا ما زلت أشعر بمرارة موقفي المذكور حتى اليوم ؟!.. فهل مِنْ معتبرٍ ؟!..

       يجاوز الشيخ 77 من العمر                                                                قرية شران ، صيف 2003

 =========================

 1ـ من هو الشيخ حسين بن علي ؟.

" شيخ حُوسَيْنِيْ كُورْكَا "

c d

كَثُر الحديث عن هذا الرجل .. بين : مريدين له من جانبٍ ، وناقدين أو مجاملين أو حُسَّادٍ من جانبٍ آخر.

وَجَدتُهُ أول مرة وأنا يافع .. وهو يُطِلُّ على ساحة قريتنا .. في وقت كان والدي مع الشيخ وثلة من وجهاء القرية ؛ يسعون في إحلال المصالحات بدل المخاصمات في المحيط الاجتماعي.  

حكمة الشيخ سيفه القاهر للخصم .

وفيما يلي دلالاتٌ على ذلك :

أولا ـ موقفه من صاحب وجاهةٍ .. بادره في المجلس ، وهو ينفث سُمَّه مستفسراً :

ـ لماذا ..أنتم الشيوخ .. تستقبحون اللـِّقاءَ الحُرَّ بين الجنسـين ، وتحاربونه باسم الزنى ؟.

أجاب الشيخ : لأنَّ ديننا يحرمه .

ـ يا شيخ ؛ الله خلق هذا لهذا ، وهو حَقٌّ ونعمـة كبيرة ، فلِـمَ التحريم ؟!.. أريد منك إجابة مقنعة ؟.

 ـ أجاب الشيخ برَزَانـَتِهِ : ما موقفـُكَ ، وأنتَ تعود إلى دارك ليلاً ، وتدلف إلى غرفة نومك ، وِترى غريبًا مع زوجتك .. وعلى سريرك ؟!.. 

ارتبك الوجيهُ متمتمًا : لا .. والله يا شيخ .. والله سـ ... فعلاً ؛ الزنى حـرام .. حـرام حـ...ـرام .

ثانيا ـ دَعَاهُ الوَجيهُ : عارف آغا غباري إلى وليمةٍ على شرفه .. في قريته جلبر .. وبعد السمر الطويل في مضافته بالأحاديث الحلوة والمتنوعة .. التي كانت تشدُّ آذان الحضور بلهفٍ بتشوُّقٍ بهيج .

وكم كانت حكمته داحضة ؛ عندما طرح عليه عارف آغا سؤاله :

ـ يا شيخ حسين ؛ كيف تستطيع تدبيرَ أمور معيشتِكَ ، وتأمين أرزاقك وحاجات أهلـك ، وأنتَ متنقلٌ أبدا بين الناس في حَلِّ مشاكلهم ، ومشغولٌ بمصالحاتهم ، ولـَمِّ شَمْل المتفرقين منهم .. إضافة إلى كثرة أذكاركَ وعباداتكَ .. مع اهتماماتك الطويلةِ بمريديك .. ؟!!.

ويشاء القدرُ ؛ أنْ يصادفَ استفسارَهُ دخولُ أجَـرَاءِ الوجيه : عارف آغا ... بمائدة الضيافةِ

العامرة للشيخ ، يضعونها أمامه في صدر المجلس ..

فيُمْعِنُ الشيخُ نظرَهُ في أحد المُشرفين على تـَقديم المائدة ، فأومَـأ إليه مستفسرًا من عارف آغا : مَنْ يكون هذا الشخص ؟.   

أجاب الوجيه بتواضعٍ مفرط : إنه المختصُّ بإعداد القهوة وتقديمها لضيوفي .

ـ عقـَّب الشيخ قائلا : كيف يدير هذا الرجلُ شؤونَ أسرته ، وتوفير معيشتهم وأرزاقهم ، وهو مستمر في مضافتك ؟.

ـ يجيبه عارف آغا بابتسامةٍ موحيةٍ : أنا الذي أتكفل كلَّ ما يحتاجُهُ هذا الرجلُ وأسرته في أمور معيشته .. يا سيدنا الشيخ ؛ مادام مستمرًا في خدماته تجاه مضافتي .

ـ يردفه الشيخ بعفوية : إذن أنت المكلـَّفُ بتوفير كل ما يحتاجه هذا الإنسان ، وأنت مخلوقٌ مثلـُه .. لقـَاء خدماته لـَكَ .. فكَيْـف .. وأنا أمضي وقتي كلـَّه في خدمة مصالح عبـاد الله تعالى .. الغـَنِيِّ الكريم الرزَّاق الرحيم ..

فهو .. هو الذي يُدَبِّرُ معيشتي ؛ لأنني أخدم إرادته في خلقه . أليس اللهُ قادرًا على كفاية عبده المطيع لأمرهِ ؟!!...

ـ خجل عارف آغا .. وهو يقول معترفاً : اَيْ وَالله .. صحيح ..صحيح . فاستغفر رَبَّهُ من مسارعته ، واعتذر من الشيخ عن بادرته غير المرضيَّةِ .

ثالثا ـ كلٌّ وجيهٍ يسعى لِنـَيْل شرف ضيافة الشيخ ..

ومنهم : إبرامَيْ جلوسِي : وجيه قرية سنكا .

.. في ثنايا الحديث المتشعِّبِ مع الشيخ في مضافته ، يفاجئ إبرامَِيْ جلوسِي الشيخَ بالسؤال :

ـ يا شيخي لم أستضفك لوجه الله تعالى ، وإنما لغايةٍ في نفسي !.

ـ رَدَّ الشيخ : ولِمَ هذه الضيافة إذن ؟.

ـ لأعرف مقاصدكَ ونواياكَ مِنْ هذه المشيخة ، ومِنْ جَمْع المريدين مَِنْ حولك ، ولِحِسَابِ مَنْ تَعْمَلُ ؟!.

ـ وهل وصلتَ إلى نتيجة ؟.

ـ نعم يا شيخي الفاضل .. بعد كل المتابعات والملاحقات ؛ تبَيَّن لي أنك تبذل كلَّ جهودكَ ، وتقومُ بجميع أعمالك ؛ رجاءَ كَسْبِ رضى اللهِ U وحده ، دون ارتباطٍ بإنسانٍ ، أو مطمعٍ في دنيًا تصيبه .. هنيئًا لكَ ..!!.

ـ أنهىَ الشيخ حوارَهُ قائلاً : ولن تجد غير ذلك ، ما دمتُ حَيـًّا إن شاء الله .

رابعا ـ طـُلِبَ مِنَ الشيخ ، وأمثالِهِ في المنطقة ، الحصولُ على ترخيص يسمح بزيارة الناس له وحضور مجالسه .

ابتسم الشيخ ، وبدأ يحكي قصة :

كان اللقلقُ كعادته يتبختر في مشيته متنقلا من مكان إلى آخر في غابةٍ .. غير مكترثٍ بما يدور حوله .. لِمَا يَتَمَتعُ به من حصانة .. عدم الاعتداء عليه ؛ لِمَيِّزاتٍ محبوبةٍ فيه " ... وما هي إلا لحظاتٌ ؛ حتى سُمِعَ صوتُ بندقيةٍ ، وفوجئَ اللقلق ُبرصاصة صيادٍ تجتاز بين ساقيه الطويلتين !.

فيتساءَلُ اللقلقُ في نفسه : ماذا يريد هذا الصياد العابث من صيدي .. لحمي غيرُ مأكول ، وريشي غير مرغوب فيه ، وحتى هيكلي .. لا يناسبه التصبيرُ في صدر المجالس !!..

فكـَّرَ اللقلق طويلا .. وفكـَّرَ .. وفكـَّرَ .. فلم يصل إلى معرفة أيِّ غايةٍ تبَرِّرُ لهذا الصياد صيدَهُ .. فما كانت النتيجة إلاَّ أنْ تميَّزَ حَسْرَةً من العبثيَّات .. فسقط ميتا من القهر .

ـ وأنتم .. هكذا تفعلون بنا .. يا ولدي . / أنهى الشيخ الموقف " وكأني به يقول له : أتريدون أن نتميَّز ألمًا .. كما اللقلق .. ؟!. " .

خامساً ـ لا أخفي .. بأنني من المُعْجَبين بشخصية صلاح الدين الأيوبي . ومن الغرابَةِ بمكانٍ !.. أنه كلما خطر في بالي تاريخُهُ الحافل بالمآثر البطولية الفريدة ، وخصاله الإنسانية الفذة ، ومواقفه النبيلة تجاه العدوِّ والصديق ، وانا أستعرض حركاته وسكناته على شاشةِ العقل ؛ غارقا في ذكراه .. حتى تحلَّ ملامحُ وجهِ الشيخ حسين في لقطاتٍ تخَيُّلِيَّةٍ عابرةٍ تغطي كثيرا تلك الصور البديعة .. ببهاء تواضعِهِ وعبق حلمه وكرمه .. تحت ظلال إيمان صلاح الدين .. وخاصة في قسمات وجهه مجامعُ السماحةِ وحسن مداراة الأمور .. إلى جانب المعاناة المهللة بإكليل الصبر .. في تحمُّلِ غوائل الناس بالصفح الجميل .. دونما إثارات لِمَنْ في حضرته .

كلما ألتقِي بهِ ؛ أسأله : أستاذ كيف حالك ؟.

ـ يأتيني الجوابُ مُطربًا سمعي بصوت ملائكي .. ينساب كجَـدْول ماءٍ صافٍ في يوم ربيعي : كالسابق .. ( وَكْ بَرَيْ ) .

خصـالٌ فيـه

سادسًا ـ يُكرمُ كرَمَ مَنْ لا يخشى الفقر .. وكثيرًا ما يردد هذه العبارة : ليس الكرم بصرف الكـَمِّ ، وإنما هو الإنفاقُ في حدود المقدور .

كلما حاولتُ تنبيهه للانكماش عن كثيرين ممن يقصدون مجلسه ، وهم ليسوا أهلا للجلوس  بجواره الطاهر ، وعليه انتقاء الأخيار وذوي الفضل والصلاح .. ويجب أنَّ لا يستوعب صدرُكَ الرحيبُ بعضَ الناس الهوامش الذين جُبلوا بأصباغ اللوث والفساد والخبائث والرذائل .. فلا يليق بمجلسك وجودُ الغارقين في الضلالات والغوايات ...

رَدَّ بصوتٍ لطيفٍ جذابٍ يتقطرُ منه التواضع الآسر : يا محمد ؛ مثلي كمثل البحر المحيط .. أقبل ارتماءَ أيِّ صنفٍ من الناس .. فلعليِّ أزيد صالحَهُمْ محامدَ ، وأغسلُ عن طالِحِهم أدران الضلال !!..

وعلى شاكلتي كان موقفه من المختار : أحمد سيدو .. الذي نبهه في نفس المسار ، فأجابه الشيخ قائلاً :

لولا وجودهم معي ؛ لارْتكبوا حماقاتٍ لا تقبلها الأرض ولا السماء .

وكذلك كان التنغم على موسيقى الوتر البهيج ؛ يوم ما التقى به مختار قرية طرُندة : أحمد سيدو وسط مجموعةٍ من مريديه .

سَلم عليه المختار أحمد ، واستفسر عن أحواله وعن وجهة خروجهم .. أجابه الشيخ : نحن قاصدون أداءَ فريضة الحج .

تابع المختار حديثه النابـِذَ على عادته .. " بعد النظر إلى لِحَى المحيطين بالشيخ !!.." : لو فعلنا كذا وكذا بهم .. لكان كذا ..

ـ لِـمَ هذا الكلامُ يا مختار ؟!.

ـ أفاد المختار : ليس واحدٌ من هؤلاء أهلاً لرفقتكَ ، لأنهم أهل العبث .. ويحجُّون من أجلك .. غطاءً لعيوبهم ، وليس حبا في الله تعالى !!..

ـ صحيح كلامُـك يا مختار ، ولكن إذا كان اللهُ تعالى لا يمنعهم من حَجِّ بَيْـتِهِ الحرام ، فلماذا لا أقبلُ رفقتهم أملا في تهذيب نفوسهم وإصلاح أعمالهم مستقبلا !!..

سابعًا ـ جَمَعَتـْنِي الصدفة في داره مع غـَنِيٍّ من قريتنا .. وَوُضِعَتْ صينية الفاكهة من العنب والتين ، فاعتذر ذاك الغنيُّ عن تناول شيءٍ منها ، مُعَقـِّبًا الكلامَ بـ : قدمت هذا الصباح من مدينة حلب ، وأكلتُ الكثيرَ الكثيرَ من شجرة التين الكبيرة الموجودة في مفرق كفر جنة !!.. كما هي عادتي في أسفاري إلى حلب في موسم التين ، أوقفُ سيارتي جانبًا ، وأملأ معدتي من هذا التين اللذيذ !.. أليس فواكه البرية كلها حلال ؟!. أليس كذلك سيدي الشيخ ؟.

لم يجبْهُ الشيخ على تفاهة السؤال ، حتى كرره ثانية وثالثة .. 

ختم الشيخ حديثه المَمْجُوج قائلاً بصوت رخيم : حـ....ـرام .. فتب إلى الله ؛ لعله يتوب عليك !!..

ab

ثامنا ـ حَدَّثَ الشيخ مرة :

 يُعَيْرني بعضُ ذوي الجاه .. بعدم وجود حملةٍ للشهادات العالية من بين زُوَّاري من المريدين وغيرهم .

دفعني الفضولُ إلى المبادرة يوما " أنا الكاتب عن الشيخ " .. دون انتظار جواب الشيخ على سؤال السائل .. فسبقته القـول : أنت صاحبُ الرأي السديد يا شيخي ، والمنطق السليم ، وبذرة الخير مغروسة فيك ، وكل عملٍ تؤديه ، تبتغي به صلاحَ الناس ابتغاء مرضاة الله U .. وكم من رُوَّاد المعارف في التاريخ .. لم يكونوا من حاملي الشهادات .. مثل : أرسطو ، وابن خلدون .. وعلى رأس الفضلاء محمد r .

فانبسطتْ أساريره ، وسكت عن الكلام المباح , وأظنه يحمل نفس الفكرة .. ولكن ؛ ليتني لم أستبقه الإجابة يومئذٍ .. لعله كان يبرِّرُ بما هو أدسم وأجمع للكلام .

ـ فأوردت له حديثَ أحد الأطباء من المنطقة .. وهو ينتقدني على مكوثي في عفرين طوال هذه الفترة .. دون الانتقال إلى حلب .. وفي ذلك كلُّ الإهمال لنفسي وأولادي .

فأعقب الشيخ قائلاً : كان يجب أن ترد عليه بالقول : وماذا أفعل في حلب ؟!.. , أتريد أن أترك خدمة الناس في بلدي ، كما آثرتم إهمالهم بالابتعاد عنهم !!..

تاسعا ـ طلب مني والدي بحرارة .. أن أوليَ أصدقاءَهُ بالأهمية والصِّلة والتقدير .. فأردف والدي قائلاً : حتى لو خُيِّرْتَ بين الاهتمام بي أو بهم ؛ فقدِّمْهم عليَّ ... أعقبت طلبه بالسؤال على سبيل الطرفة : وإن ماتوا ؟!.

ـ قال : اعتن بِخلفهم وبأولادهم . وكان الشيخ الجليلُ من بين مَنْ أوصاني بهم .

عاشرا ـ من غباء بعض الأغنِـياء المُحْدَثِين " ذوي الطـَّفْرة " : إطلاق اللسان بلا قيود ، والتلوُّنُ كالحرباء بلا حدود .

صَدَفَ وجودُ واحدٍ من هؤلاء من قريتنا ـ مالتْ له الدنيا يومًا ـ في مجلس الشيخ .

انتفـَشَ صاحبُنا الغنيُّ مُتصَدِّرًا المجلس ... وبدأ يخوض في سيرة أحد الوجهاء المشهورين للقرية " وقد طواه الثرى منذ سنين " .. حتى وصل به الأمر إلى وصفه بـ " .. المتجَبِّر .. الظالم " !!. قاطعه الشيخ قائلاَ : لم يكن كذلك !.. بلْ كان صالحاً .

فسرعان ما انقلب المنتفِشُ رأسًا على عقب .. من مهاجم إلى القول : نعم ، نعم كان صالحاً .

وشخصٌ آخر من ذوي الطفرة في الغنى من قريتنا يتملق في حديثه معي ( فلتة لسان ، أو تحت السواهي دواهي ) قائلاً :

شيخ حسين إنسانٌ فريدٌ من نوعه ؛ طيبٌ صالحٌ تقِيٌّ  .. وجميعُ مَنْ يَهْفون إليه من قريتنا .. " وحتى أنا " .. ليس حبًا في اللهِ ، وإنما نتستر به .. تغطية لعيوبنا ، وتكملة لنواقصنا .. باستثنائك أنت ، يا محمد !.. فأنت الوحيد الذي تزوره وتكرمه بإخلاص وفي حبِّ اللهِ تعالى ، لا تشوبُهُ غاية مصلحية .. أنت رجل بكل معنى الكلمة ..

ثم تابع حديثه : .. اُنظر إلى شريكك عارف .. فقد خسر كل شيء ، وما زالت الانتكاسات تتوالى عليه .. كلُّ ذلك ؛ لأنه نقض عقدَ شراكةِ المعصرة معكَ ، ولم يَفِ إليكَ استحقاقك ، وأنا أيضا أشعر بجزءٍ من الوزر في هضم حقك !!. ياقارئي : " كيف تنظر إلى هذه النماذج ؟!!. "

حادي عشر ـ من أقواله وخلاله :

اصبر على عدوك ، ولو خلال أربعين عاماً ؛ لابدَّ وأنْ ينصركَ اللهُ عليه ولو بعد حين .

لا يغرَّنـَّك نقد الناقدين له ، فإنهم قوم جاهلون .. لأنَّ من أهمِّ شروط النقد ؛ المعرفة التامَّة للمنقود ، وإلاَّ فإنَّ مُجَرَّدَ النقد حماقة .. وما أكثر هذا الصنف !!. ولطالما يُعَضُّ صاحبه بفكـَّي الندامة والملامة .

خذ لذلك مثلا : نخبة من حملة الشهادات في مجلس بقريتنا .. فينفرد أحدهم بالتلويح على الشيخ مجَرَّدًا عن كلِّ لباقةٍ .

ـ همستُهُ : هل تعرف الشيخ في سلوكه ومضمونه وأعماله ؟.

ـ فتخَنـَّسَ الناقدُ ، وانسحبَ من حلبة الصراع مخذولا مدحورا .

فالشيخُ : حسين بن علي .. رائدٌ في حلمِهِ وتواضعه ، وصبره على جفوة الغِلاظ الشِّداد .. بلا حدود له .

ثاني عشر ـ سَـاقـَنِي واجبُ العيد إلى مسؤول التموين سابقا : محمد الأغا من قرية عَرَبَا إبَّانَ مرضه فأفاد :

ـ التقيتُ منذ ربع قرن بالشيخ منتظرًا في موقع كتخ .. قاصدًا قريته كـُركا . وبعد السلام والسؤال عن الحال والأحوال .. استدرك الشيخ مطمئنا : سنترافق سوية إذن .

وما هي إلاَّ لحظـَاتٌ ؛ حتى قدمت  سيارته " البيك آب " يقودها ابنه : علي ، وبجانبه والدته " زوجة الشيخ ".

فتوقعْتُ جلوسَهُ بجانب زوجته ، وصعدتُ إلى صندوق البيك آب من الخلف ، فكان العجب العجاب .. أنْ رأيت الشيخ ورائي يصعد . فاسحييت منه ، ورجوته الركوبَ بجوار زوجته وابنه من الأمام ؟!..

0 لا يا ولدي ؛ عليَّ الجلوس معك .. للاستئناس سوية طول الطريق ..

ـ هل تعلم يا أخي محمد ؛ أنَّ سماحته وتواضعَه استأسرا قلبي ، وسأبقى عمري عبدَ إحسانه

!!.. ، كما قال الشاعر :

أحسنْ إلى الناس تستعبدْ قلوبَهُم   فطالما استعبدَ الإحسانَ إحسانُ

0 بل أدهشني أكثر ؛ أَنْ كنتُ في ضيافة شخصٍ من كركا " قرية الشيخ " ، وكان واقعُ المجلس لا يتناسب مع وجود الشيخ الجليل فيه !!..

فلما التقيتُ به بعد ذلك .. أبدى اعتذارَهُ الشديد ، وهو يقول : يا محمد ؛ سمعتُ بوجودكَ في قريتنا بضيافة فلانٍ يوم كذا ( وهو يعلم صبغة مجلسنا يومذاك !!.. ) .. ولقد حاولتُ المستحيلَ أن أجد فرصة القدوم إليك ؛ ولكن الضرورات حالت دون ذلك ، فسامحني يا ولدي ، وسنلتقي قريبا إن شاء الله تعالى .

فكم كان خجلي شديدًا منه ، وهو يعتذر عن عدم زيارته لي !.. فكِدْتُ أذوبُ أمام عِظـَمِ سماحته .. حتى انفلتَ مِنْ لساني بعفويةٍ .. هذا الوعد : لقد طلـَّقتُ تلك المجالس طلاقا بائنًا ، يا شيخي الجليل ، إن شاء الله تعالى . 

كان لقاءٌ ، وكانَ سؤال : مَحْمَدِي عگَيْلْ مِنْ قرية : دارگُرَيْ لِلشيخ :

ـ أريدُ أنْ أسألكَ سؤالاً .

ـ الأفضل .. أنْ لا تسأل . " وهو يعلم أنَّ سؤولٌ فضولِيٌّ ، ومن الصعب تراجعه عن سؤاله "

ـ يا شيخ .. قلْ لي ؛ أيُّهُمَا أفضلُ من الأخوَيْن : عـَا .. أم عـَز ؟. " وكلاهما من برمجة "

ـ قال الشيخ : عـَز أفضلُ من عـَا .. على الرغم من أنني لو حدَّثتك عن حادثةٍ كان عـَز بطلـَهَا .. لهجرتـَهُ إلى الأبد !!.

c dab إ.خ.ع/المعاني من : م.حنان

 ما أٌريد أن تعرفه عن صلاح الدين

 هو صلاح الدين بن أيوب شادي ، ولد سنة 532 هـ 1138 م بتكريت قرب مدينة الموصل في العراق . حيث كان والده أيوب " الملقب بـ : نجم الدين " والياً فيها . ثم انتقل إلى الموصل فبلاد الشام ، ليستلمَ ولاية بعلبك زَمَنَ : نور الدين زنكي .

رافق عمَهَ شيركوه بن أيوب " الملقب بـ : أسد الدين  إلى مصر سنة 1163م على كره منه ، لمؤازرة شاور وزير الخليفة : العاضد أبو محمد عبد الله , ثم أصبح وزير الخليفة . وبوفاته تَسَلـَّمَ الخلافة في  مصر . ولما مات نور الدين الزنكي ؛ وَحَّدَ مصر مع بلاد الشام .

كان صلاح الدين مسلماً تقيـًّا وَرِعًا مفعماً بالإيمان ، غير أنه لم يؤد ركنين من أركان الإسلام الخمسة !!.. لم يعط الـزَّكَاةَ .. ولم يَحُجَّ بيت الله الحرام .

0 إنَّهُ لَمْ يُزَكِّ ؟!.. لأنه لم يملك مالاً .. داراً .. عقاراً .. بستاناً ، لا قرية ولا مزرعة .. مات ، ولم يخلف في خزانته سوى دينارٍ واحدٍ و47 درهماً .

0 أما الحَجُّ ؟!..  فعلى الرغم من كونه عازماً كسائر المسلمين ؛ إلاَّ أنَّ انشغاله في مسؤولية الدفاع عن الأمة تجاهَ أعدائها ، والحفاظ على وحدتها وتماسكها .. من قيادة معركةٍ .. إلى إعدادٍ لأخرى ؛ حال دون الإتيان بهذه الفريضة ، حتى وافاه الأجل قبل تحقيق أمنية الحج .

لقد جمع صلاح الدين حوله نخبة من القادة الممتازين دون التقيد بالانتماء الديني أو العرقي . وإنما كان جَلاءُ الغزاةِ القاسمَ المشتركَ بينهم جميعًا .

كان صلاح الدين عادلاً في سلمه وحربه ، فاتخذه شِعَاراً ودِثاراً ، وكان مضربَ المثل لأيِّ سلطان يأتي بعده ؛ يشهدُ له أعداؤه قبل أصدقائه . فاحترمه القاصي والداني ، ومازال تاريخه حافلاً بتلك المآثر .

كلما زرتُ دمشقَ ، أُرانِي مندفعاً لزيارة قبر عظيم التاريخ .. في عصر حالكٍ عانت منه هذه الأمة .. أقف بإجلالٍ خاشع أمام ضريحه القديم .. مستعرضاً صوراً من حياته ، فأزداد توقيراً له أمام هول هذا المصير !!..

توقظني من انسيابي الغارق في التاريخ لوحة معلقة [ هذا ضريح السلطان صلاح الدين ، ولد من بطنٍ من أشرف بطون أُمهات الأكراد 1138 ] .

وما لفت نظري منذ سنوات وجودُ ضريحٍ أنيقٍ .. محاذٍ للضريح الأصلي .. مبنيٌّ بالرخام السماوي المزخرف .. شبيهٍ بضريح شاه جيهان في تاج المحل بالهند .. عجبتُ من هذا القبر المتطفـِّل القابع بجوار السلطان ؟!!..

غيَّبَتْ دهشتي ورقة كُتِبَ عليها :

هذا الضريح .. أوصى بإنجازه الملك الألماني : غليوم الثاني .. تكريماً وتعظيماً للسلطان صلاح الدين الأيوبي سنة 1889م .

لقد تشوَّقَ العظماءُ إلى جوارك يا صلاح الدين ، فهل افتقدك أبناؤك ؟!.

 كان متواضعاً حليماً . توجَّهَ يوماً إلى الله بصلاة ركعتين في الجمعة المشهودة .. داعياً .. مفوضًا أمرَهُ إلى Q Y.. عندما زاد تكالب الأعداء ، وتناهي إلى سمعه ؛ أنَّ الخلاف والعزوفَ عن القتال .. قد دَبَّ بين بعض قادته .. وبانتهاء الأزمة ؛ خاف القادة من بطش صلاح الدين ، لكنَّ حكمته اقتضت العفوَ عنهم ، والإفاضة بكرمه عليهم .

عرض عليه الملك : رتشارد ريكاردسون الملقب بقلب الأسد ملك إنكلترا أخته الثيِّب ، وابنة أخته البكر .. لتزويجها من أخيه الملك العادل ؛ إلا أن هذا الأمر لم يتم .

كان حياته مفعمة بالمواقف الإنسانية , وكذلك في فتوحاته ؛ وما أكثرها من مواقف . ولقد أحصيت المواقع التي فتحها ما بين عام 1187 11191 فكانت 83 موقعاً استراتيجياً .

كانت أوامره الصارمة عَدَمَ المَسَاس بالأهالي .. مهما كان انتمائهم في العقيدةً أو القوميةً ، خلافاً للفريق المقابل .

كانت هوايته كثرة التجوال بين الأطلاب " الفرق العسكرية " في الحرب ، و التقصي عن أحوال الجند .. وأحوال الأهالي وحيداً ، وحُبَّ الاصطياد . وهي نفس صفات ريتشارد .

إذ صادف في إحدى جولات ريتشارد في أحد الأوديه الفاصلة بين الفريقين المتحاربين .. أنْ التقى بفارس نِـدٍّ ، و دار القتال بينهما ، فبدأا القتال بالرماح .. ثم بالتروس فالسيوف .. ثم بالخناجر ... فكان التعادل نصيب الفريقين في أغلب الجولات . وانتهى بهما الأمر في نهاية المطاف ، أنْ جثم الفارس النـِّدُّ على صدر ريتشارد ، وحاول ريتشارد تناولَ الخنجر المُرْمَي على بعد سنتمترات من أنامله ، غير أن الفارس القابع على صدره صاح فيه قائلاً : ذلك محال , لأنك ترزح تحت جبل !! .. فعرفه ريتشارد .

ولما مرض الملك ريتشارد ؛ تقمَّصَ صلاح الدين دورَ طبيبه الخاص ..  وتوجه إليه بفواكه لبنان وثلجها ، وأشرف على علاجه من داء الحمى .

ولما تماثل قلب الأسد للشفاء ، أفصح للطبيب المشرف عن تقديره لصلاح الدين ، وشوقه لرؤيته على كريم خصاله وسجاياه .. في إيفاد طبيبه الخاص للوقوف على وعكته الصحية .

فرد عليه الطبيب قائلاً : إن رؤية الطبيبِ الخاصِّ للسلطان .. تُمَاثِلُ رؤيته تماماً .. فلم يفطن الملك مغزى كلام الطبيب ، إلا بعد مغادرته .

اتصل الفرنجة بأحد قواد صلاح الدين , وزينوا له فوائد الصلح وحسناته .. على أن تقسَمَ فلسطين بالتساوي بين الطرفين ، لانهاء الصراع المميت على فلسطين .. فيتقدَّم هذا القائد عارضًا على السلطان صلاح الدين شروط الصلح بدوره ، وهو يستشهد بالآية القرآنية ] .. وإن جنحوا للسلم فأجنح لها .. [ ترغيباً في السلم . فرَدَّ عليه السلطان رداً عنيفاً قائلاً : لغتك عربية ، لكنني أقدَرُ منك على فهم القرآن ومقاصده ... ألم تقرأ الآية الكريمة ] ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين [ .

قام صلاح الدين في عهده بتنظيم الجيش ، وأزال المَدَّ الصليبي ، ورتب الدواوين ، ونشر العلم ببناء المدارس .

وبوفاة الخليفة العاضد في مصر ، وموت نور الدين الزنكي , توَطـَّدَ حكم " الشام ومصر والحجاز واليمن والموصل وديار بكر " تحت قيادته .

وكان متفهماً حازماً .. متردداً .. أحياناً لكن استقراره على الرأي أخيراً يجعله ناجحاً في خططه .

توفي في دمشق عام 1193م ، ودفن في قلعتها ، ثم نقل جثمانه إلى المدرسة التي بناها ابنه الملك الأفضل عند الباب الشمالي للجامع الأموي .

0 من أقواله : يمكن أن يكون في الناس من ينظر إلى المال ، كما ينظر إلى التراب !.. وكان يقصد بها نفسه .

0 سأل كاتبه يوسف بن شداد : أنا أستفتيك ؛ ما أشرف الميتات ؟. قال : الموت في سبيل الله .  وأضاف قائلاً : غاية ما أتمناه ؛ أن أموت أشرف الميتات .

ولما استأذنه ابنه الملك الظاهر في العودة إلى حلب ؛ أوصاه قائلاً :

أوصيك بتقوى الله تعالى ، فإنها رأس كل خير . وآمرك بما أمرك اللهُ به ، فإنه سبب نجاتك . وأحذرك من الدماء والدخول فيها والتقلد لها ، فإن الدم لاينام . وأوصيك بحفظ قلوب الرعية ، والنظر في أحوالهم ، فأنت أميني وأمين الله عليهم . وأوصيك بحفظ قلوب الأمراء ، وأرباب الدولة وأكابرها ، فما بلغتُ ما بلغتُ إلا بمداراة الناس . ولا تحقد على أحد ، فإن الموت لا يُبْقِي أحداً . واحذرْ ما بينك وبين الناس ؛ فإنه لا يُغفر  إلا برضاهم ، وما بينك وبين الله ، يغفره الله بتوبتك إليه ، فإنه كريم .

0 كان كثيرَ التقدير للعلماء . صدف أن قصده متصوفٌ إلى مجلسه . ولما تفقده لاحقاً ، وعلم بسفره إلى دمشق ؛ ظهرتْ عليه بوادر الغضب ، فأردف قائلاً لكاتبه : كيف لم تخبرني برواحه !.. ثم مضى يُسَائلُ نفسَهُ : كيف يدخل علينا مثلُ هذا الرجل ، وينصرف عنا من غير إحسان يلمَسُهُ منا ؟!..

ثم كاتب أهلَ الاختصاص في دمشق .. في رغبته الاتصال بذاك المتصوف لمراجعته ... فيأتي المتصوف ، ويكرمه بما هو أهله ، فيخلع عليه السلطان خلعة حسنة .

0 بقي أن نقول أخيراً : أنه كان يردد هذا الحديث كثيرًا [ مَنْ فُتِحَ عليهِ بابٌ من الخير؛ فليَنْتَهِزْهُ ، فإنه لا يدري متى يُغلـّقُ عنهُ ] .

%

0 لماذا يكره بعض المصريين أحفاد صلاح الدين ؟.

المتتبع للأفلام والمسلسلات المصرية ، يلاحظ صدور عبارةٍ من أفواههم بشكل عفويٍّ : لا تستكردني !!. يتلفظها المصريُّ في كلِّ موقفٍ ، يرجو فيه محاورَهُ .. أن لا يعتبره غبياً ، إذا شعر استغباءه له أو الاحتيال عليه . وهو يقصد معنى : هل تجدني غبياً إلى هذه الدرجة !..

وللحقيقة أقول : مرت فترة من الظلم والقهر على إخواننا المصريين ، باتت فيها السرقة شطارة ، والاعتداء خفية على بعض المتنفذين رجولة ، وكان يعني لهم أنها إعادة لبعض حقوقهم المسلوبة ، حيث كان ميزان العدل مفقودًا في تلك الحقبة .

ولما استقر الملك لصلاح الدين في مصر ، وأرسى قواعد العدالة ، وطبق نظام المساواة ؛ أعاد الحق إلى أصحابها .

غير أن كثيراً من المصريين ، لم يكن لديهم الدراية بانبعاث العهد الجديد

نتيجة حياتهم الطويلة تحت نير ممارسة الأعمال المجحفة بحقهم .. في ظلال العهود الغابرة .. فإنهم وجدوا تطبيق الأحكام العادلة الجديدة ( أحكاما ظالمة جائرةً أيضا ؛ لعدم اعتيادهم عليها ، دونما تقييم جوهري لها ) .. حتى أنهم وَصَمُوهَا بعبارة " حكم قراقوش " نسبة إلى اسم وزير صلاح الدين ، وحاكم مصر ، خلال تغيُّب السلطان عنها .

وقد سرد بهاء الدين بن شداد مؤلف كتاب " المحاسن اليوسفية والنوادر السلطانية " على لسان صلاح الدين ؛ حينما نصر الوزير شاور على غاصب الوزارة وخصمه في مصر ضرغام ، أنه أعاد شاور إلى منصبه ومرتبته ، و قرر قواعده ، واستقر أمره . فشاهد البلاد وعرف أحوالها ، وعرف أنها بلاد بغير رجال ، تمشي الأمور فبها بمجرد الإيهام و المحال .

ويعقب الدكتور جمال الدين الشيال ، محقق الكتاب المذكور ( هذا كلام ابن شداد  ، وأترك الردَّ لِمَنْ يَعلمُ شيئاً عن تاريخ المصريين ) .

( النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية ـ سيرة صلاح الدين الأيوبي ـ بهاء الدين بن شداد )

oo

 ========================

 كنـت في إيـران

سعدت لمَّا اختارتني وزارة الكهرباء موفداً من قبلها مع زميلي عبدو /من دمشق/ في منتصف عام 2003 .

غادرت حلب إلى دمشق ليلاً ، ليكون قَدَري الجلوس مع شاب ذكيٍّ , شَوَّقنِي إلى حديثه على حساب النوم قليلاً .

زوَّدَتني الوزارة صباح الجمعة بالأوراق اللازمة للإيفاد مع تمنياتها بالتوفيق في المهمة . 

وقضيت وقتاً ممتعاً مع ابني آزاد حيث يخدم العلم , وتنزهنا في بلدة المشرفة ، وانتعشت آماله كثيراً لرؤيتي , ورجاني الاعتناء بنفسي جيداً .

وفي الساعة الرابعة ظهراً .. عدت إلى دمشق ، فالتوجُّهَ إلى المطار .. مرورًا إلى غرفة الانتظار فالجمارك .. وطلبت من الموظف ختم قسيمة الخروج حتى يعاد إليَّ المبلغ الذي دفعته .. لكوني موظفاً .. امتنع ببرودة .. وبعد معالجاتٍ معه فترة من الوقت .. ختمها بتأفف ظاهر : " منذ شهر قصدني شخص في عملي طالباً تصوير بطاقته الشخصية .. كمستند لتركيب عداد كهربائي .. تساءلت جهراً ؛ أن شخصا يشبه اسمه اسم صاحب هذه البطاقة ، أتعبني منذ سنتين في موضوع ختم بطاقة الخروج !!. فرد بعفوية .. انظر إليَّ ألست نفس الشخص ؟.

تعرفت على زميلي عبدو في الطائرة , وفي الـ 9.30 مساءً انطلقنا نحو الشمال .. هذه مدينة حمص .. حماة .. ادلب .. حلب .. جُزُرٌ في بحر الظلام .. واجتزنا الحدود على ارتفاع 11000 قدما ، ودرجة الحرارة 54ْ .

أخذتني غفوة لذيذة لا أدري كم طالت فترتها .. لأستيقظ على وخزة من مرفق زميلي عبدو .. لأرى منظرًا باهرًا على الأرض ، كأننا فوق مدينة الملاهي .. أضواءٌ ساطعة منتشرة على منتهى النظر .. كم هي مقادير الكهرباء المستهلكة ؟!.. فإلى مطار طهران .. لأقف مشدوهاً على المساحة الكبيرة ، والطائرات جاثمة كما الأغنام في حظائرها .. يا للمنظر الرائع الخلاب !..

استغرقت رحلتنا ثلاث ساعات لمسافة 1350/كم .

استقبلنا مندوب الشركة المضيفة ، ورافقنا إلى المقر المُعَدِّ لنا في  فندق " برزك تهران- هوتيل " في طهران .. وعرض علينا برنامج الإيفاد .

وفي السبت .. تعرفنا على قائمة المختصين باللقاءات المهنية الرسمية .. من مدراء المعامل والفنيين ...

وظهر لي حلم الإيرانيين وصبرهم .. مع الإخلاص والجدِّيَّة في العمل ، كما لاحظت تآلفهم الرائع رجالاً ونساءً ، تسود بينهم وشائج أفراد الأسرة الواحدة .. من المؤاخاة القائمة على الحب والاحترام والمتبادل .. النافية للتعقيدات الاجتماعية والاستعلاءات الهيكلية في وظائفهم .. كلٌّ يؤدِّي المهمة العامة والخاصة له ولغيره , كأنَّ الفرد منصهرٌ في الكلِّ ، والكلُّ ذائبٌ في الفرد في ساحة العمل .. في ظلال المقاصد البناءة للمؤسسة ..

ولمستُ في أكبر هوشيار وَلعَهُ باللغة العربية .. ممَّا أجده يتنغم بأشعارها ، وخاصة هذه الأبيات :

بلـَغ العـلا بكماله .. بخصاله         كشف الدجى بجمالــه

حسنت جميع خصاله .. فعالـه         صلوا عليه وعلى آلــه

لو فكـَّرَ العاشـق في المنتهى          معشوقه أقصر من عشقه

فما أكثر حفظهم لآيات القرآن الكريم ؛ على الرغم من قلة المتكلمين بلغته العربية .. غير أنهم يكنون للعرب أعلى منزلةٍ للولاء والتقدير .. وخاصة دمشق الحبيبة إلى قلوبهم ، فلا يذكرون اسمها إلاَّ بـ : شاما شريف .

وممَّا لفت نظري إلى مدينة طهران ، وأنا أرقبها من نافذة الطابق الخامس في الفندق : قمم جبل شامران على بعد 20/كم .. من سلسلة جبال ( البورز ) .. يحصِّنها من الجهة الشمالية .. والشارع المحاذي لها ؛ الذي يقطع المدينة من شمالها إلى جنوبها بطول 60/كم وعرض 40/م .. يكلله من جانبيه ساقيتا الماء الصافي بعرض 3/م وبعمق الساق .. تحنو عليه صفوف الأشجار العملاقة كالأم العطوف , يتدلـَّى من طرفيْ ثغرها وشاح رصيفين !!.. وراءهما البنايات الشاهقة ، والشوارع العريضة النظيفة .. المزدحمة بسكان طهران الـ 15 مليوناً .. وكنت أرى أيضا أبراج 400 ك ف قاطعة منحدر جبل شامران القاسي ؟

من حسن حظي ؛ أنْ صادف وجودَنَا هناك .. إقامة " معرض الكتب الدولية " في مباني جامعة طهران .. لـ 720 دوراً للنشر , للقسم العربي من 21 مجمعاً.. حيث لاحظت رجالاً بأسمال بالية ، يقبلون على شراء الكتب غير مبالين بأثمانها الغالية .

جامعة طهران مبنية على أحدث طراز عصري ، كما المدينة .. بدلالة اللوحة الكبيرة في وسطها بقياس 10 7 /م ، تبين نسبَ التلوُّثِ في كل لحظة .. من غاز ثاني أكسيد الكربون والرطوبة والغبار !!..

وأغلب سكان طهران متواضعون بسطاء , يقطر الصبر منهم , لا يهتمون بأناقتهم كثيراً , ويغلب اللون الأسود على ثيابهم . علاقاتهم بسيطة فطرية ، ليس فيها غموض الضبابية والزيف .. والمثارات الجنسية معدومة في شوارعهم .

المعمل الذي زرناه مختصٌّ بصناعة المحولات الكهربائية حتى استطاعة 2500 ك ف آ ، ومنذ عام 1965 , والدولة تستورد عوازلها فقط من الهند .

إيران تصنع كل ما تدب على الأرض الإيرانية من السيارات إلى القاطرات إلى السفن بأنواعها إلى التجهيزات الإلكترونية .

رافقنا المندوب الشيبري إلى سفارتنا لختم مهماتنا ، وهو يشرح لنا المناطق التي نجتازها .. هذه : ولي العصر ، وهذه محلة أفريقيا ، وهذه محلة الأكراد .. وتلك الأبنية الشمالية المحاذية لجبل شامران .. منطقة الأغنياء .

وشعرت في السفارة بنسمات الوطن تداعب كياني ، إذ استقبلنا القائم بالأعمال : عبد الهادي طويل .. استقبال الأخ لأخيه ، مظهرًا أحلا عبارات الوفادة والترحاب واللباقة .. ممَّا أزال عن ذاكرتنا كلَّ الرواسب الجافة عن معاملات القائمين في السـفارات لمواطنيها .

طهران مكتظة بحدائقها الفسيحة ، وأبنيتها المتطورة ، وجسورها .. وأنفاقها ضخمة فخمة . مناخها شِبْهُ مناخ بلادنا . طعامهم الرز ، والشايُ مشروبهم .

وما ألـّذ خبزهم " خبز الصاج " الذي فقدناه منذ عقود من السنين .. دفعني الشوق المفقود إلى الوقوف أمام مخبزه القريب من الفندق .. ليسوقني القدر إلى التعرُّفِ بإيرانيٍّ " أبو نادر " يقطن مع عائلته بجوار الفندق ، ويحمل الإجازة في اللغة العربية .. ولم تمض لحظات على وصولي الفندق ، حتى هتف إليَّ يخبرني .. بأن زوجته " أم نادر " تريد السلام عليَّ .. ويا لها من حديث رحيبٍ .. رغيبٍ في تلبية وليمة زوجها .. الوليمة التي حال ضيق الوقت عن تلبيتها ، فقابلت محمدته بدعوته  لفنجان قهوة في الفندق عصر يوم التالي ضمن الميسور .

في صباح الأربعاء ؛ أزَارُونا على " ميكرو باص خاصٍّ " المتحف الوطني " من المتاحف الثمانية .. حيث الحدائق جنة الله على الأرض .. هضاب خضراء مزروعة بالورود والرياحين ،  وأشجار الحور الباسقة تظلل الممرات .. تنساب جداول المياه حيثما حللتَ ، يزيد الطبيعة الخلابة سحرًا ..

ثم خطونا إلى هضبة مطلةٍ على الحديقة .. هـذا بيت : علي رضا ؛ والد الملك المخلوع : رضا شاه .. صعدنا عدة درجات إلى غرفة : انتظار الملوك والرؤساء والسفراء ، ثم القاعة المهيبة في /30 / م2 .. للسَّمَر مع ضيوف الملك .. زُرِّقتْ  جدرانها الداخلية بفسيفساء الزمرد المائل إلى الأخضر الفستقي .. تقنع الأبصارَ شاخصة عند إلقاء النظرة الأولى عليها ..

فلنمضِ .. غرفة المنامة الزاهية بالألوان .. Bed room الرداء الرسمي لكلٍّ من الملك والملكة ما زالا بإنتظرامهما !.. بعدها الحمام والتواليت ، والكرسي المزدوج بجوار المغسلة ..

وفي الدور الأرضي " القبو " قاعتان متقابلتان ، إحداهما لأنواع الطعام والشراب .. تقابلها غرفة الخدم .. وجميع أبواب القاعات موصَدٌ بحواجز زجاجية ، يمنع الدخول إليها ، أو التصوير فيها .. باستثناء واجهة القصر .

قال مرافقنا : هل أعجبكم ؟. قلت : لا ؛ كنا نتوقع أن نزور متحف الحضارة الفارسية القديمة ، وليس بيت الشاه أو بيت أبيه . فأفاد : بأنها في شيراز وأصفان .

عدنا إلى الفندق وبعد الغداء استرحنا وهتفت إلى أبو نادر لأن العصر قد أذن فجاء في الساعة الخامسة والنصف ودار حديث عن الأدب والعلم وكيف أن الأغنياء والشباب الطموح اللذين يريدون المناصب العليا ,غادروا إيران إلى أوروبا وكيف انزاح أهل القرى إلى طهران أملاً في الغنى والعمل فزاد أعباء المدينة .

وأعجبني شعر ليزيد بن معاوية لدى سؤاله لماذا لا يصلي تفوه بها أبونادر :

دع المساجد للعباد تجلسها        واجلس على دكة الخمر واسقينا

لم يقل ربي للذين شـربوا بل قال ربي : ويـل للمصليـنا

وأعقبه ببيت للرصافي ، حين دخول الإنكليز العراق في العشرينات من القرن الماضي :

بلد يزاحمي الغريب بوسطه      الأهل أهلي والديار دياري

ثم زرنا مسجداً قريباً من الفندق وصلينا ، فرحب بنا الإمام باللغة العربية الفصحى ، واستأسرنا لزيارة بيته القريب من الجامع .

سألت " أبو نادر " عن حروف اللغة الفارسية وأصلها .. استثارنيه ما كتب على لوحة دعائية .. في أحد شوارع طهران .. بأربع كلمات ( حُمُولة نقليات سريع هوائي ) ، هل هي فارسية أم عربية ؟. قال : إنها عربية ممزوجة بمسحة من الفارسية .. يعود سببُ ذلك إلى بداية ظهور الإسلام هنا ؛ حيث كان الظلم مستشرياً في فارس .. نتيجة تقسيم المجتمع الفارسي إلى أربع طبقات : الأسرة المالكة ، وطبقة الجيش ، طبقة الصناع ، وطبقة العبيد والمزارعين . فلا يجوز للفلاح أن يمارس أيَّ عمل غير الزراعة ، وكذلك ابن الحداد . والتعليم خاصٌّ بأبناء الملوك فقط دون غيرهم .

وكانت أخبار المسلمين تصل فارس .. عن العدالة والمساواة بين الملك وشعبه ، ولا فضل لأحد على أحد إلا بمضامين القلوب ، والجميع أمام الله تعالى سواء .

وقصة رسول كسرى إلى المدينة لمقابلة خليفة المسلمين مشهورة ، حينما سأل أحدَ الناس عن قصر الملك ؟. قيل له : لا يحكمنا ملك بل خليفة .

قال رسول كسرى : إذاً أريد قصر الخليفة ؟ . قيل له : ليس للخليفة قصر .

قال رسول كسرى : وكيف أقابل الخليفة ؟. قيل له : اذهب إلى شرقي البلدة .

فتوجه الرسول إلى الشرق ، حيث صادف عجوزًا فسألها ؟.. فأشارت العجوز إلى رجل نائمٍ تحت الشجرة .. مضى إليه ليرى الأرضَ فراشَه ، وحذاءَهُ وسادتَهُ .. فنبست شفتاه بكلمته المشهورة : عدلتَ يا عمر ، فأمِنْتَ فنِمْتَ !..

وعندما جرت المعركة بين المسلمين والفرس ؛ استسلم الجيش طواعية .. تخلصًا من الموالين للملك , واستنشاقاً لعبق العدالة الإسلامية ، فاغترفوا جميع المفاهيم الإسلامية .. ولم يبق من الفارسية إلاَّ بعض الحروف .. 

الخميس 7 صباحاً 15/5/2003 .

انطلقنا بعد الإفطار إلى متحف إيران القديم جنوب طهران .

أثارٌ قديمة جداً .. حيث تمكنا من التقاط صورة مع : كورش التمثال الذي يرمز إلى مدى التطور الكبير والقوة والجاه .. للفرس ولـ 2000 سنة خلت .

وفيه " إيران في ظل الإسلام " وجدنا لوحة عليها آيات من القرآن الكريم ، تعلوها صورة نصفية لرجل ذي لحية سوداء .. أشير في أسفل الصفحة إلى أن الصورة  لمحمد رسول اللهr     .. استطاع زميلي عبدو التقاط صورة للوحة .

ثم انتقلنا إلى حديقة : شامران وبعدها إلى مقاصف مبنية بطرازات مختلفة .. منها الآزرية المكونة  من سقف خشبي ، وكوخ مقسم إلى عدة أقسام ، في كل قسم دكة من الخشب ، يجلس عليها الضيوف والسواح .. فقدم لنا الشاي مع العجوة السوداء الرطبة والبسكويت .

وأخيراً .. قصدنا حمام الساونا التابع لفندق تهران بزرك Tahran grand hotel  ، فأجبرونا على شراء لباسَيْ شورت ( سروال قصير ) .. وللحمام أماكن مختلفة .. من قسم للبخار ، لم أحتمله سوى أجزاء من الدقيقة ، مما اضطررت إعادة العملية عدة مرات ، نظرًا لأن البخار يحجب النظر ، ودرجة حرارته 30 ْ مئوية .. إلى غرفة الحرارة ذات 60 ْ مئوية ، تحملت المكوث فيها أقل من دقيقتين لأتخلص من معاناة هذا الحمام خلال 30 دقيقة ، منصرفا إلى الفندق .. لأشعر بمعافاة جسمية غريبة ، سلمتني إلى الفراش حتى الصباح الباكر ، فالنزول لشراء بعض الهدايا للأهل .

وفي الساعة 2,30 يهتف مرافقنا التجاري للشركة ، لإنزال أغراضنا إلى بهو الفندق استعدادا للرحيل .. فكان النزول والوداع ، والمضيُّ إلى المطار .. فالشكليات الاحتياطية الإدارية مزعجة جداً للوصول إلى الطيارة .. لكنها سفرة في ربوع إيران لا تنتسى ..

وفي السادسة إلا ربعاً كنا في الطائرة 1,30 .. ووصلنا دمشق في 8,30 .

وفي مطار دمشق .. عرفني زميل السفر : عبدو على عائلته وأولاده الخمسة  الذين حضروا لاستقباله .. وحملوا زوَّادَ سفري معهم ، ريثما أنهي إجراءات وصولي في المؤسسة التي أوفدتني .

وكان التطمين للأهل في حلب بالاتصال معهم ..

معلومات عامة عن إيران :

ـ مساحتها : (1,1000000 ) كم ، وسكانها 65 مليون نسمة . شيراز : أجمل مدينة في الجنوبي الغربي .. حيث آثار كسرى وفارس وإمبراطوريتها العريقة ، تليها أصفهان ، ثم بحر الخزر ، ثم طهران .

ـ زراعاتها : القمح والشعير والأرز والذرة الصفراء .. وشاهدت في حوانيتهم  الفواكه الخضار ، مثل : التفاح والجبس والبطيخ والخس والهليون والخيار والبصل والثوم .

ـ يجهزون طعام الأرز بعدة أنواع ، يضاف في بعضها العصفر ، وعلى بعضها  الزبيب .. وهما مليئتان بالتوابل.. ولم يخل منها إلا نوع واحد أبيض كنت أطلبه . ومن أكلاتهم السمك المقلي والكباب المشوي .

وهناك الحساء " الشوربة " بأنواعها .. ولحم الدجاج في مرقة البندورة ، أو لحم ديك الرومي بالمرقة .

أما السَّلطاتُ فحَدِّثْ عن غرابتها ولا حرج ، ما استسغتُ نوعا منها ، لما تحتوي من خلائط عجيبة ..

ـ طهران مدينة جميلة ، تشبه برلين ، لكنها أشد زحاماً .. تمتد  مسافة 90 كم بعرض70 كم ، شوارعها نظيفة جدا ، طابعها حضاري مثل أيِّ مدينة أوربية .. باستثناء الكتابة العربية والكلام الفارسي .

يتمركز الأغنياء في الشمال قرب جبل شامران ، والفقراء في الجنوب .

من مناطقها : شامران ، باجر يش ، فرمانية ... وشبكة الكهرباء فيها مخفية .. لا أعمدة له ولا أبراج ، وجميعها معزولة ، عدا أجزاء قليلة منها.

 الحمل الوسطي العادي 27 /ألف ميجاواط وهي تمثل مقدار الإستهلاك من الكهرباء في إيران ، و يصل إلى 32 /ألف ميجا في الذروة .

ـ تصنع ايران الطائرات والسيارات بأنواعها , والدرجات النارية , والمحولات الكهربائية . اللوحات وتصميم شبكاتها إيرانية بحتة .

وأكثر مبانيها ذات دعامات حديدية .. ولم أر سوى حفرية واحدة ؛ نظرا لأن جميع شبكات الهاتف والمياه والصرف الصحي والكهرباء .. أرضية .

v

محمد حنان 11 / 11 / 2005

============

الغذاء الصحي

يكثر الحديث في المجالس العامة ، وتدار نقاشاتٌ عديدة ومتنوعة عن الغذاء الصحي ، أو اللجوء إلى العلاج الطبيعي المكوَّن أصلاً من النباتات الطبيعية الصرفة .

ويبدي البعض نصائح لا تمت للحقيقة أو الواقع بشيء ، حيث يستسلم المتلقِي ما يلقنه المتحدث ، لأنه لا يجد بديلاً عنه ، بسبب ندرة المعلومات ، والإسفاف الذي يتعرض له مواطننا ، نتيجة النصائح الطبية .. التي شجعت التوجُّهَ نحو الأدوية المصنعة ، والأغذية  المحفوظة خلال نصف قرنٍ مضى .

وإليك عزيزي القارئ آخرَ ما توصل إليه العلم عن :

زيت الزيتون

كل الجمعيات الطبية متفقة في كثير من الدول ، على أن نسبة الأشخاص المصابين بأمراض القلب ، والشرايين ، وارتفاع نسبة الكوليسترول ، والسرطانات .. هي أقل لدى الشعوب القاطنين في حوض البحر الأبيض المتوسط ، بالمقارنة مع سكان أوربا الشمالية والأمريكتين .

وقد ثبت أنَّ استعمال كمية من الزيت نفسه في القلي عشرين مرة .. هي أقل ضرراً من استعمال أي نوع من أنواع الزيوت الأخرى للمرة الأولى . و يعود السبب إلي إن جزيئة زيت الزيتون هي أحادية الصيغة .

زيت الزيتون علاج لجلطة القلب ، ومضاد للكولسترول الزائد ؛ لاحتوائه على " البولي فينول " المضـاد للتأكسـد . كما أنَّ زيت الزيتون يكشط الكولسترول الزائد ، ويبقي على الكولسترول الطبيعي الضروري للصحة . فهو مسؤول عن حماية الأوعية الدموية من التخرش .

وتروِّجُ بعضُ الشركات دعايتها لبعض أنواع الزيوت ذات الأصل النباتي . كزيت الذرة ، أو بذرة النخيل وبذرة القطن وزيت عباد الشمس .. ويعوَّل عليها أنها زيوت كاشطة للكولسترول .

والحقُّ يقال : نعم .. ولكنها لا تتصف بما يمتاز بها زيت الزيتون ؛ نظراً لوجود مواد كيميائية مضافة إليها ، وهذه المواد تذيب الطبقة الدهنية من داخل الأوعية الدموية بلا ضابط ، وفي أحيانٍ كثيرة ، تزيل الطبقة الدهنية الأساسية . بينما يحافظ الكولسترول الطبيعي على سلامة الأوعية في أداء عملها المطلوب .

وفي غياب تلك الطبقة ، تظهر مشاكل صحية جانبية رديفة ، إضافة إلى ما يعاني منه المريض أصلاً .

يعتبر زيت الزيتون الزيتَ الوحيدَ الذي يستخلص عن طريق جرش حبيبات الزيتون ، دون إضافة أيِّ شيء .. في عملية شبيهة بعصر البرتقالة .. ثم عملية عصر ميكانيكية بحتة ؛ بوساطة مكبس هيدروليكي ، أو باستعمال القوة النابذة بالطرد المركزي " بتدوير عجينه الزيتون بسرعة عالية 3000 دورة في الدقيقة " .

بينما تستخلص سائر الزيوت الأُخرى .. باستخدام وسيط كيميائي مذيب ، ويبقى قسمٌ منه ممزوجاً مع تركيب الزيت ، ويسبب أمراضاً لمستخدميه .

تتطلب أشجار الزيتون خدمات يدوية كبيرة . وإنَّ كلفة إنتاج كيلو غرام واحد منه عالية جداً ، مما يحدُّ من انتشارها ، إضافة إلى عدم وجود شركات مختصة ، تسوق المنتوج عالمياً ، بعد تنقيته من المواد العالقة ، وتعليبه ، وغياب قوة إعلامية لترويجه .

وشجرة الزيتون معمِّرَة . ( يحكون عن  شجرة في مدينة الخليل بفلسطين ، أن النبي إبراهيم u زرعها ) . خشبُ الزيتون متين صلبٌ ، يتحمل ثقلاً كبيرة ، خاصة في الأماكن الرطبة . فقد كان يُستخدم خشبُهُ عوارضَ لأساور الأبار والصهاريج الأرضية . وهي دائمة الخضرة . قدَّسَها الحثيون ، وصنع الرومان من أغصانها أكاليل النصر ، كما أن رفع غصن منها يمثل راية السلام و الوئام .

العَسَـل

ـ يعتبر العسل مضاداً حيويًَّا طبيعيًّا ، ودواءٌ لمعظم الأمراض الجسمية ، وعلاج للجروح والحروق المتقيحة ، وللالتهابات ، وقروح الجهاز الهضمي ، والتسّمُّم بالمعادن الثقيلة ، ومعالج جيد لخمسة أنواع من أمراض العين ، لكن يحتاج إلى بعض الوقت .

 ـ يقوم 30 نحلة بإنجاز400 رحلة طيران .. ولمسافة قد تطول إلى30 /كم من موقع الخلية ، لانتاج 1 كيلو غرام ثقلي من العسل .

ـ يقسم العمل في مملكة النحل ( الخلية ) وفق نظام دقيق ، حيث تجمع العاملات  الرحيق اللازم لصناعة العسل ، ويختص قسم منها بحراسة المملكة ، ونظافة الخلية ، مع التهوية الضامنة لسلامة العسل والمملكة .

ولذا تعتبر من أنظف الكائنات الحية قاطبة . وإذا هاجمها عدو ، فإن المدافعين يستبسلون بالقضاء عليه وتفتيته ، ونقله بعيداً . وإنْ عجزت عن التقطيع "  كالسحالي / مثلاً " ،  فإنها تغلفها بطبقة من الشمع ، وتجدد الغلاف كلما تشقق .

الكلُّ يعمل لصالح مملكة الخلية ، والموت مصير كل متقاعس عن العمل .

مم يتكون العسل ؟

يتكون من 40% سكر دكستروز ، ومن البروتين الذي يساعد في نمو العضلات ، والكربوهيدرات ، وفيتامين ب1 الذي يفيد في حالات شلل الأعصاب وتنمُّل الأطراف ، وفيتامين ب2 الذي يدخل في علاج تشقق الشفاه والتهابات العين واحمرارها ، باستخدام محلول "97% من العسل مع 3% سلفا " .  وفيتامين ب6 لعلاج أمراض الجلد ، وحامض النيكوتنيك الذي يؤدي نقصه إلى مرض البلاجرا ، وفيتامين هـ الذي يؤدي نقصه إلى عقم الإنسان ، وأملاح البوتاسـيوم والكالسيوم والصوديوم والمغنيزيوم والمنغنيز والحديـد والنحـاس والفوسفور والكبريت والكلورين .

فائدة عابرة : زرتُ مُرَبِّي النحل .. الاخوة : محمد وحنان عبدو في قريتهم قُرْزَيْحلْ . وأفادوني بما يلي : الوخز بإبَر النحل علاجٌ ناجعٌ لمرضَ الرِّثـْيَة " الروماتيزما " . قال محمد : فقد جَرِّبْتُهُ على نفسي عمليًّاً ، مِنْ جرَّاءِ مُعاناتي لآلام هذا المرض ، وظهر مفعولها بسرعةٍ ملحوظة ، خاصةً إذا كانت الآلامُ في عضوٍ واحدٍ من الجسم .

ويتم ذلك بتسْليطِ ثلاث نحلاتٍ على الموضع الموجوع ، وبعدما تغرز النحل أشواكها في الجسم ؛ أي : تلسع بالشوك ، وتنفصل جعبة أذيالها عن أجسامها كما هي عادتها عند اللسع ؛  تستبعَدُ النحل ، ويضغط على الجُرَيْن المنتفخ ، ليتسرَّبَ الترياق إلى العضو المريض . وتكرر هـذه العملية كل ثلاثة أيام . ونادرًا ما يصابً مربُّو النحل بالأمراض السرطانية ؟!..

ـ كما يعالَجُ النمَش ، وحبُّ الشباب ، وأكياس الماء ، والتهاب اللثة ؛ بأن يُؤخذَ مقدارُ حبَّة الحِمِّص (ما يعادل 5/غرام ) من شمع العسل المسَمَّى بـ : سينيت في عفرين ، أو : بروبوليس بالمصطلح العلمي ، ويتم علكه في الفم صباحاً ومساءً ، ولمدة 20 يوماً .

ـ ويُعَالجُ العقيم والعِنِّين " أو الضعف الجنسي " ، باستعمال الغذاء المَلَكِي " هي مادة سَحلبية في الشكل واللون ، ذو طعم حامضي لاذع ، تفرزها جبهة العاملات من النحل .

ـ ولتقوية ذاكرة الأطفال ؛ يجري العلاجُ بغبار الطلع ، الذي يحصل عليه .. بوضع جهاز في مدخل الخلية " شبيهٍ بالسَّلة " ، فيجتمع فيه غبار الطلع .

 موسوعة الإعجاز العلمي ص782

البـِطـِّيخ

للبطِّيخ نوعان : الأصفر والأحمر :

آ ـ البطيخ الأصفر : ويطلق عليه اسم الشمام   lemelon. يحوي على بروتين0.7% والدسم 0.2% ، والسكر6% ، وفيتامين ج ، ب2 ، والكبريت ، والفوسفور ، والحديد ، والنحاس ، والصود ، والبوتاس ، والكلس ، والمانيزا .

والشمام علاج ممتاز لإلتهابات الجلد . ينقيِّ ماؤه الجلدَ من الكَلَفِ والنَّمَش . كما أنه علاج فعَّال في محاربة الأورام السرطانية ؛ لاحتوائه على مضادات الأكسدة . وتمنع تحوُّلَ الخلايا السليمة إلى خلايا سرطانية خبيثة ، وذلك بشرب ثلاثة أكواب من عصيره يومياً .

ب ـ البطيخ الأحمر : يحوي 90 ـ 93%  من وزنه ماءً ، ومن 6ـ9% سكراً ، وهو غنيٌّ بفيتامين ج ، وفقير بفيتامين آ ، وفيه حمض النيكوتين ، إضافة إلى معادن : البوتاسيوم ، والفوسفور ، والكلور ، والكبريت ، والصود .

ويرى العالم أينسلي / الأمريكي الجنسية / أن عصير البطيخ يقي من التيفوئيد ، ويفيد المصابين بالرثية ( الروماتيزم ) .

أما بذوره فهي تحوي على 43%  دهون ، و 27% بروتين ، و 15% سكاكر ، وذو تأثير جيد كمليِّنٍ لجهاز الهضم ، ومجدد للقوى .

التـَّمْـرُ

عثر على نخلةٍ في مقبرة فرعونية في موقع سَقـَّارَة بمصر .. حول مومياء  .. تعود إلى الأسرة الأولى /3200/ سنة قبل الميلاد ، كما أن كتباً كثيرة في الأديرة القبطية تذكر فوائدها .

جاء في الحديث قوله r ( يا عائشة : بيتٌ لا تمر فيه ، جـِيَاعٌ أهُلـُهُ ) صحيح مسلم .

يعتبر التمر من أغنى الأغذية بالسكر ( الجلوكوز ) . فهو الغذاء المثالي للجسم ؛ لاحتوائه على : 55% جلوكوز ، و 45%  فركتوز .

إضافة إلى : البروتينات ، وبعض الفيتامينات ( آ ، ب2 ، ب12 ) ،  والمعادن التالية الكالسيوم ، فوسفور ، بوتاسيوم ، كبريت ، صوديوم ، المغنيزيوم ، والكوبالت ، والزنك

والنحاس والمنجنيز . ونسبة من السلولوز ، و16 حمضاً أمينياً .

ورد ذكره في القرآن الكريم ، والتوراة والتلمود ، واستخدم عيسى عليه السلام أغصانه كرمز للسلام .

وهوعلاج لفقـر الـدم ، ويؤدي إلى النحافة ، ومضادٌّ للسرطان ؛ لاحتوائه على المغنيزيوم . ومدرٌّ للبول ، ومقوٍّ للعظام والسمع ، ومهدِّئٌ للأعصاب .

روي عن رسول الله r ( خيرُ تمراتكم البُرنيَّ ، يُذهبُ الداءَ ، ولا داءَ فيه) البيهقي .

لا يعيش فيه الجراثيم . ومضادٌّ للسموم ؛ إذا تناول الإنسان سبع تمراتٍ قبل الإفطار صباحاً .

التـِّينُ

عُرفَ منذ 4000 سنة ،عند الحثيـين . وورد ذكرها في القرآن والإنجيل والتوراة . وهو منتشر في منطقة البحر الأبيض المتوسط . ذكره سقراط ، وهوميروس ، وأفلاطون كان يكثر من تناوله .

استعمله الحثيون والفينيقيون غذاءًً ودواءً . فصنعوا منه لـزقاتٍ لمعالجة البثور ، وعالجوا الحمَّى بنقيع التين ، وأما الفراعنة فقد استعملوه علاجا لألام المعدة .

وهو مفيد لالتهابات الفم والبلعوم واللثة ، وعلاج للسرطان ؛ إذا تزامن أخذه مع زيت اللوز المُرِّ .. على شكل مركب سايكو دكسترين .

يحوي التين بين 18ـ30% من السـكر ، والمواد الآزوتية51 % ، وعلى المواد الدسـمة من 0.1ـ20% ، وعلى2680 حريرة /في الكيلو الواحد الجاف .

مجلة الدواء العربي عمان 4 \ 1992

حَـبُّ الرَّشـَاد

يسمونه الثـفاء أيضاً . هو غنيٌ باليود ، لهذا كان سهل الهضم . ويحوي على الحديد والكلس والفوسفور والمنغنيز ، وغنيٌّ بالفيتامين ج2 ، ويعدُّ عنصراً من المضادات الحيوية المبيدة للجراثيم ، كما أنه مُدِرٌّ للبول ، ومُقَشِّعٌ ، ومُهَدِّئٌ ، وخافض للضغط ، ومُقوٍّ لبصيلات الشعر .. بفَرْك عُصارته على فروة الرأس ، كما تعالج به التقرحات الجلدية ، والتسمم ، والتعب ، والزحار ، والإسهال .(أحمد قدامة / قاموسي الغذاء والتداوي بالنبات)

الرَّمَـاد

ويقصد به مخلفات النبات بعد حرقه ، ويتكون من فحمات البوتاسيوم وأُكسيد الكالسيوم وأُكسيدي السيليكون والفوسفور، ومعادن عديدة ؛ منها النحاس ، والمنغنيز، والمغنيزيوم .

يفيد في وقف النزيف الناتج عن الجروح السطحية ، وذلك باستعمال رباط ضاغط ، لِيتشكل التخثر . ويُبعَدُ الجراثيم عن الجرح .

الموسوعة العالمية  encyclopedi  & international grolierالمجلد2 لعام 1972نيويورك

|||

الرُّمَّـان

معروف منذ القدم . استخدمه الحثييون والفراعنة في علاج الأمراض . موطنه الأصلي جنوبي غربي آسيا ، ومنه  انتقل إلى فارس ثم حوض البحر الأبيض المتوسط .

والرمان شجر مثمر من الفصيلة الآسية myrtacees  . تتميز ثمرته بحبوبها الحمراء اللؤلؤية .. انطلاقاً من زهرتها الحمراء المعروفة بـ : جُلْ آر " الوردة النارية " .

أنواعه ثلاثة : الحلو ، واللفـَّان ، والحامض .

ـ يحتوي الحلو منه على :  8% سكر ، و 81% ماء ، و 0.6% بروتين ، و0.3% دسم ، و 2% ألياف ، ومواد عفصية كالتالين ،  وحمض الليمون 1% ، ومقادير ضئيلة من الأملاح المعدنية ؛ كالحديد والفوسفور والكبريت والبوتاس والمنغنيز وفيتامين 2 .

ـ  وفي الحامض : تقل نسبة السكر ، وتزيد نسبة حمض الليمون 2% . ويرتفع البروتين في بذوره إلى 9% والدسم إلى 7% .

ـ وفي قشوره : حمض العفص tammic acide ؛ وهي مـادة قابضة ، ومسـحوقه المجفف مضاد جيِّـدٌ للإسهال والزحار . ويستخدم المقلي منه طارداً للديدان ، لاحتوائه على مادة البلليترين peletierine .

وإذا قطـِّرَ عصيره في الأنف ؛ فإنه يحمي الأغشية المخاطية من الأورام .

النباتات الطبية واستعمالاتها / الدكتور صبري القباني

YYY

لا تقـْنـَطْ

ينحدر الإنسان في ظروفٍ طارئة نحو هاوية القنوط واليأس .. فينقطع حبل الأمال ، بانمحاق الرجاء .. فيسـتسلم لواقعٍ مُرِّ المذاق ، تائهٍ في صحراء الضَّياع .. خاملٍ بلا رجـاء .

وأقـول ناصحاً  : ضع القنوط جانباً ، واسحق الإحباط ، وأرفع شعار الأمل ،  وثابر الركوب على زورق النجـاة ؛ تسلم لك الحياة !! .

هناك مثلٌ إنكليزي نصـه :  do not get  mad , get even  .. أي : لا تغضب .. سَـوِّ الحسابَ . على الإنسان إذا تعرض لنكسة أو مهانة ؛  أن يخمد نار الاكتواء في نفسه ، ولا يسـتسلم للغضب المجنون والانفعال الطائش .. بل عليه التحلِّي بالرويَّة ، ويتخذ الأسباب الحكيمة للصعود قدماً إلى قِمَّة الأمل والسعادة المنشودة .

فالانتصارات في الحروب لا تأتي إلا في لحظاتها الأخيرة ، كما أن كل نجاح للمشاهير في المجالات العلمية وغيرها ؛ كان نتيجة إحباطات كثيرة .

ولقد قرأت عن قائد عسكري ، وهو يجيب عن سؤال صحفي أُعْجبَ بصموده في معركة غير متكافئة .. ثم انتصر فيه ، قال : لا تقطعوا الأمل حتى في أحلك الظروف .

فاصمد ، وتمسَّكْ بما تعتقده يقيناً ، وادْأبْ فيه بكل جدِّيَّةٍ ، وترجم أقوالك إلى أعمال ، وليكن شعارك : أعمالنا تسبق أقوالنا .

ورد على لسان أحد القادة العسكريين : أنه راقب نملة في ساحة المعركة ، فوجدها تحمل حبة قمحٍ إلى جحرها صعوداً على سطح الصخرة ، ففشلت ستَّ مراتٍ ولم تيأس ، ونجحت بالمحاولة السابعة في خدمة مملكتها .. فهامس نفسه قائلاً : نملة بذلت قصارى جهدها في سبيل مملكتها ، حتى حققت هدفها المنشود .. فلماذا أكاد أيأس من النصر رغم تجديد المخططات تجاه العدوِّ ؟!!. فتنشَّطَ لوضع خطَّةٍ أخرى ؛ فكان النصر حليفه .

فالذي قرأ عن حياة العالم أديسون ومحاولاته في الاختراع ، ينبهر أمام صبره وأناة هذا الرجل .. الذي كان يعتبر إنساناً بليداً . فكان دأبه المتواصل عاملاً في إبداع أكثر من أربعمائة اختراعاً ، منها المصباح الكهربائي .

nn

تكلم ببطء .. وبصوتٍ منخفض .. ولا تسهب ..                     جون واين/ممثل

 

لا أُريد سوى رفع قدمك !..

حسن هو الوارث الوحيد لعمه الغنيِّ .. الراقد في غرفة العناية المشدَّدة والمزودة بكافة التجهيزات الضرورية لمساعدة المريض المدَلَّل .. واسطوانة الأوكسجين بوصلاتها إلى الكمامة على فم عمه العزيز على نفسه .

هاهو ذا يجلس على طرف سرير عمه .. يبكي بحرقةٍ ، والدموع تنهمر على خدَّيْهِ ، والمحرمة عاجزة عن استيعاب دموعه الذارفة .. نتيجة استدرارها بالحركاتِ التمثيلية ليديه .. يَدٌ تمسح الدموع ، وأخرى يمررها على وجه عمه بحنانٍ ظاهر بين الفينة والفينة .. مردداً عباراته النامية بكلمات الفداء :

بماذا تريدني أن أفديك يا أغلى عَمٍّ ، روحي فداك .. دُلَّني على شيءٍ أقدمه قربانًا لك .

أجاب عمه بصوت خافت من وراء كمامة الأوكسجين : لا تقم بأي عمل يا ولدي .. فقط ارفع قدمك عن خرطوم الأوكسجين !!..

عزيزي القارئ ؛ قـََيـِّمْ وضعك ؛ كم شخصاً مثل حسن يحيطون بك ؟!!..

}

كل كلب على مزبلة دار صاحبه شجاع

مَثَلٌ مِنْ منطقة عفرين

كيف أصبح مليونيراً ؟!

قيل لطاليس : كيف أصبحتَ مليونيراً ؟ .

قال : من تجارة التفاح .

قيل : كيف ؟

أجاب : كان لدي 25 ليرة ، فاشتريت كيلو غرام من التفاح ، فمسحت الواحدة تلـو الأخرى ورتَّبْتها بأناقةٍ , فبعتها بـ 50 ليرة .

واشتريت بالمبلغ 2 كيلو منها ، فبعتها بـ 100 ليرة !..

قيل : وبَعْـدُ ؟ .

قال : توفي عمي الغني في أوستراليا ، وأنا وريثه الوحيد ، فأصبحت مليونيراً .

الصلع : هو الأمنية المحققة

قيل لمليونير : ما هي الأمنية التي أردت تحقيقيها ، وقد تحققت ، بعد أن أصبحت مليونيراً .

قال : كان أَكْرَهَ شيءٍ عندي في صغري أن تقومَ أمِّي بتمْشِيطِ شعري .

فكنت أتمنى أن أكون بلا شعر اتقاءَ المشط ! وها قد تحقق لي تلك الأمنية !.

;

نصيحة إلى أم لديها أولاد

ـ إذا أردتِ أن لا يتقبل أولادُكِ عملاً تكرهينه ؛ خاطبيهم مباشرة .

ـ الفقر هو ثمرة الشهوات غير المنضبطة .

ـ كل شيء زاد عن حده , انقلب إلى ضده .

ـ وزع الأب التفاح على أولاده العشرة , ولم يبق لزوجته نصيب .

فخاطبت الزوجة أولادها : فليُعْطِ كلُّ واحدٍ منكم نصف تفاحته لأمه , ولتمت أمكم جوعاً .

حديث مع جورج دولابجيان

في سنة 1947 كنت شاباً يافعا ً، أملك سيارة ، وأحمل شهادة سوق ، وأعمل ثمانيَ عشرة ساعة يومياً على سرفيس عبَّارة ـ الميدان في مدينة حلب .

أَنَّبَنِي والدي على إفراطِي في العمل ، فقال : العملُ لا ينتهي ، عليك بالاعتدال . فإنَّ لجسمك عليك حقاً .

لم أتقيَّدْ بنصيحة الوالد الكريم . مرضتُ بعد فترة ، وعانيت الأمَرَّيْن .. حتى أدركتُ صدقَ نصيحة والدي :

( للعمل وقته ، ولراحة البدن وقتها . العمل مقدسٌ ، ولكنْ يجبُ تحديد فترته ) . 

كنا نسكن في حَيِّ الهُلـُّكْ بحلب . وتعرضت دارنا للسرقة ، فاستعَنَّا بالشرطة . استفسر المُحَقِّقُ عن جيراننا  " لأنهم ـ حسب اعتقاده ـ موضع الشبهة " فاستنكرنا ذلك ، لكونهم من أبناء جلدتنا .

لم ينفع المحقِقَ استنكارنا .. إلى أن صدقتْ نبوءته ، وتبين أن الفاعل هو ابن جارنا .

هل الغنى بالعمل الكثير ؟ . أجاب : لا .. اعملْ فقط ، واعلمْ أنَّ أكبر الغنى كامنٌ في دعاء الوالدين بالحسنى لـَكَ ، لا عليكَ ، فهذا يفيدك أكثر من الغنى .

ـ أذكى شخص في منطقتكم هو : حسن كيفو .. صاحب الملايين .. في أواخر سبعينيات القرن الماضي .

نصحني بشراء بناية في محطة بغداد بحلب ، بما لا تتجاوز 200 ألف ليرة  ، وبيعت لاحقاً بمائة مليون ليرة .

ـ قال : أخصص كل سنة150 ألف ليرة لمساعدة المحتاجين من المساكين والعُجَّز . وتشاطرني زوجتي في ذلك ..  وتسابقني أحايين كثيرة في هذا المجال .

ـ ظلمني أخي الأكبر كثيراً في تركة والدنا ، فاستولى عليها بالتمام والكمال ، باستثناء سجَّادةٍ صغيرةٍ اقتنصتها أُمي منه عنوةً ... فكانتْ عدالة السماء حَكَماً فصلاً .. إذ عاش  أخي طول عمره المديد في العوز والفاقة .. وأنا في رَغَدٍ من العيش كما ترى .

ـ قصدني شخصٌ " مُقرَّبٌ من وجيهٍ متسلِّطٍ " ، يريد اقتناءَ آليةٍ " رافعة " ، كنتُ قد استوردتها من ألمانيا ، وهي مستعملة .

واتفقنا على بيعه كخردة ، أي قطعاً من الحديد فقط ، ورضيَ بذلك ، وأعطاني مبلغاً من قيمتها ، والباقي خلال أربعة أشهر . و يخسر الناكث في البيعة سدسَ المبلغ المتفق عليه .

جاءني بعد مائة يوم طالباً إعادة الآليَّة بحجج واهية .. ضارباً عرض الحائط القيَمَ والمعاييرَ الإنسانية والقانونية .

تألَّمْتُ كثيراً من تسَلطِهِ واستغلاله الظروف السيئة . فلم يسمح لي عقلي وخبرتي في الحياة أن أجابه هذا الماردَ وسطوته ، فأعدتُ إليه سلفته واستلمتُ الآلية في أسوء حالها .

وشاء القدر أن تشْتغِلَ عندي هذه الآلية 15 سنة .. تدِرُّ عليَّ الملايين من الليرات ، ثم بعتها بستة أضعاف قيمتها ، عندما عرضتها لقريب ذاك المتنفذ .

والأعوجُ أعوجُ ، مهما حولتَ تقويمه . لقد تصَرَّفَ قريب المتنفذ مع شخصٍ آخر في عملية مماثلة . فلم يكن هذا الغير حكيماً خبيراً " مثلي " بكيفية المعاملة مع هذا النموذج من البشر المتسلِّطين ، فناطحه بالقساوة ، ولزوم التقيّد ببنود العقد رغم أنفه ..فكان مصيرُهُ الجروحَ القاضية بسكاكين ذاك الأهوج .. لضعف إدارته والحكمة في تصرفه .

sssssssssss

 ثمن الحلف الكاذب

هذا سَرْدٌ لحادثةٍ مضى عليها قرنٌ كامل ، ووقعت أحداثها في قرية بَازِيَـا المطلة على وادي جرجم .. والمُرْتمية على سفح جبل قازقلى ؛ حيث مُسـْتقرُّ آل سلمان .

علـو سلمان ؛ شابٌ طائشٌ منقادٌ لغرائزه ، وغير مبالٍ بالأخلاق والشرف والآداب .

يدلُّ على خِسَّةِ نفسه ودناءتها ، وامتهان الكرامة لديه وانعدامها ؛ إقدامه على الاغترار بفتاةٍ قاصرةٍ " من آل باشي " واغتصابها !.. أودتْ بكارثةٍ هوجاء .. خلى منها عالمُ البهائم !!..

لم تتمخَّض المفاوضات والوسائط .. ولا حتى تسهيلات آل باشي .. إلا عن جبروت آل سلمان ، وتماديهم في غيِّهم ، وتمرُّدهم على كل القيم ..

رَضِيَت العائلة المنكوبة بأبخس جبيرة .. للشرخ الحادث في الشرف " عُشْر المعيار العرفي وقتئذٍ " !!.. ومع ذلك ؛ تجبَّرَ آل سلمان ، وألصقوا افتراءاتٍ أٌخرى بعائلة آل باشي " على الرغم من سابقتهم الشائنة " ، وكَالـُوهم بشتى أنواع المهانة تنهشُ كرامتهم ، على غرار وحشٍ ينهش فريسته !!..

لم يجد آل باشي مُتَنفَّساً لإذلالهم ، ومنجاةً لكرامتهم .. إلا اللجوءَ إلى خطَّةٍ لإنهاء قضيتهم .. حسبَ معيارهم الخاص .. بعدما استنفدوا كلَّ السبل .

أقدم فئة من آل باشي على ذبح أفراد عائلة علو سلمان عن بكرة أبيهم ، تحت جنح الظلام .. ومن الطبيعي أن توَجَّهَ أصابعُ الاتهام إلى عائلة آل باشي من أرضيَّة التوتر غير الخافي على أحد .

حرَّكَ كبير آل سلمان الدعوى القضائية على ثلة من آل باشي .. ومن الطبيعي إعلانُ بَراء تهم من التهمة .. ووثقوها بالشاهد بَكـُو .. الذي أقسم أمام القاضي بأن المُتهَمِين كانوا في ضيافته ليلة وقوع الجريمة .

أسْدِلَ الستارُ على الواقعة ، وأطلِقَ سراح آل باشي ؛ لينفردَ الزمنُ بالحكم .

توالت الأيام والسنون .. وتزوج كوده من ابنة خاله بكـو بمهرٍ كبير .. أثقل كاهله بأعباء الديون ، إضافة إلى مصروف العائلة .. فلم يجد مناصاً إلاَّ نقل البضائع عبر الحدود " التهريب " حلاًّ أمْثـَلَ للتخلص من هَمِّ هذه الضائقة المادِّيَّة المزمنة . عزمَ على الأمر دونما إدراكٍ لخلفيَّات التهريب . 

التهريب عملُ مُخِلٌّ بالقانون ، وتُضَافُ إليه دواعي النَّهْبِ والسَّلْبِ اللصيقة بلوازمه في جهتيِّ الحدود .. والمهرِّبُون هم مَظـَانُّ التهمةِ في شكاوى الحدود الكثيرة .. وها هو كوده ؛ متهمٌ ببعض السرقات ، إن لم يكن بجُلِّهَا .

كوده .. مُطارَدٌ من قبل " الجندرمة " . صهر المختار بكـو ، المسؤول عن رعاية عائلته في غياباته المتكررة .. مما كان يسبب حرجاً على وظيفته ، واضطراره لمرافقة الجندرمة أحياناً بالكبْسَة على داره بحثاً عنه . اعتبر كوده الأمرَ مُضايقة لعائلته ، واعتداءً سافراً على حرمةِ بيته .

فينقلبُ موضوع التهريبِ لدى كـوده .. إلى خطـَّةِ القصاص المُبَرْمَجَةِ بتقدير الزمن .. فأقدم على ذبح كامل عائلة بكـُو صغيرهم وكبيرهم ...

وهكذا .. اسْتوت العدالة على عرشها المفقود فترة من الزمان !!!...

+++

أخفض يابسة  وأدنى سطحٍ للبحر

يَقَعُ أخفضُ يابسةٍ على سطح الكرة الأرضية " بين بلدة أذرعات بالأردن ،  وبصرى بالشام " ، ينخفض عن سطح البحر 392 / م . وأخفض مُسْتوً مائي هو : بحر الميت ، حيث يصل انخفاضه إلى 1312 / قدم ؛ نحو400 /متر .

( الموسوعة البريطانية ) .

وفي هذا المكان ؛ كان ملك فارس ، قد احتلَّ دمشق عام 613 م ، وبيت المقدس عام 614 م . وفرح مشركو مكة بذلك .. وبدأوا يُشمِّتون بالمسلمين قائلين : أنتم والنصارى أهلُ كتابٍ ، ونحن وفارس وثنيُّون ، وقد ظهر إخواننا على إخوانكم ، ولنَظْهَرَنَّ عليكم .. وكان لتشميتهم وقعٌ أليمٌ في نفوسهم .

نزلتْ آياتُ سورة الروم ( 1ـ 6 ) تُنبئُ بنصرِ الروم خلال بضع سنين .. وكان هرقل قد أعدَّ جيوش الروم ، وغزا بهم بلادَ فارس عام 621 م " قبل الهجرة بسنة " .. وانتصر على ملك الفرس الذي اضطر للهرب من ساحة المعركة .. تاركاً وراءه الغنائم الوافرة للروم بقيادة ملكهم هرقل ..

~~~

تبعد ـ تبلغ ـ تدور

ـ تبعد الأرض عن الشمس مسافة 92,5 مليون ميلاً ؛ نحو 150 مليون/كم

ـ ويبعد القمر عن الأرض مسافة 24000 ميل ؛ نحو 39 ألف / كم

ـ تبلغ درجة حرارة مركز الشمس نحو 20 مليون درجة  حرارية .

ـ تدور الأرض حول محورها بسرعة 1000 ميل في الساعة ؛ أي مرة

واحدة كل 24 ساعة .

ـ سماكة الغلاف الجوي "100 " ميل .

ويتكون من مزيج من ( الأوكسجين والآزوت وثاني أوكسيد الكربون وبخار الماء والأوزون ، وغازات أخرى ممتزجة بنسب ثابتة ) ، وأيُّ تغيير في هذه النسب " زيادة أو نقصاناً " ؛ سيسبب فقدان الحياة على الأرض .

                (موسوعة الإعجاز العلمي ص414)

ـ محيط الأرض عند خط الاستواء 24900 ميل " 41000 /كم تقريباً " ومساحة سطح الأرض 200 مليون ميل2 ماء " 324 مليون /كم2 تقريباً " ، والباقي يابسة .

وتدور الأرض حول الشمس في فلك محيطه 580 مليون ميل .

وتبلغ سرعة دوران الأرض حول الشمس 60 ألف ميل في الساعة . " نحو 98 ألف /كم " .

فالمجموعة الشمسية تنهب الفضاء نهباً ..  بسرعة لا تقل عن 20 ألف ميل في الساعة ؛ أي أكثر من 300 ميل في الدقيقة ..متجهة نحو المجموعة هركيوليس .

(موسوعة الإعجاز العلمي)

@

مدلول قدر الله

خرج عمر بن الخطاب t متجهاً إلى بلاد الشام ( زمن الفتح الإسلامي ) . ولما وصل قرية سَرغ /على حدود بلاد الشام والحجاز/؛ لقيه قادة الجيش ، ومنهم أبو عبيدة بن الجراح ، وأخبروه عن انتشار الطاعون بنواحي عِمْوَاس ( بلدة في فلسطين .. بين القدس والرملة ) .

فاستشار القومَ في المضيِّ إلى الشام أو العودة .. فتضاربت الأقوال بين العودة تحاشياً للوباء .. والاستمرار لِمَا جاؤوا له اعتماداً على قدر الله تعالى .

فامتطى عمرُ دابته ونادى في الناس : إني مُصْبِحٌ على ظَهْرٍ .. فَأَصْبِحُوا عليه . قال أبو عبيدة بن الجراح : أفِرَاراً مِنْ قَـدَرِ اللهِ ؟.

رَدَّ عليه الخليفة عمر قائلاً : لو غيرُكَ قالها يا أبا عبيدة !.. نَعَمْ نَفِـرُّ مِنْ قدَر الله إلى قدر الله .. أرأيتَ لو كانتْ لك إبلٌ ، فهبطتْ وادياً له عُدْوَتان ؛ إحداهما خَصْبَة ، والأخرى جَدْبَة . أليسَ إنْ رَعَيْتَ الخَصْبَة ؛ رَعَيْتَها بقدر الله تعالى ، وإنْ رَعَيْتَ الجَدْبَة ؛ رَعَيْتَها بقدر الله تعالى ؟!! .

 ( موسوعة الإعجاز العلمي ص 608 )

فلنفهم القدَرَ ، كما فهمه عمر .. ( وانظر القصة في الصحيحين عن حادثة طاعون عِمْوَاس ، والحديث الذي وافق معناه موقف عمر t ) .

;

 

هل حقاً انشق القمر ؟!!

 وقفت مدهوشاً أمام الآية الأولى لسورة القمر ] اقْتَرَبَتِ السَّـاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ { .. أقلِّبُ النظرَ في مدى مطابقة الواقعة مع الإثبات والبرهان العلمي .. فلم أجدْ جواباً دامغاً للمسألة ؛ على الرغم من البحث الدائب .

 سألتُ أهل العلم في الدين عن البرهان المحسوس ؛ فلم يفيدوا إلا الاستسلام للقرآن الكريم في هذه الحقيقة ، ريثما يكتشفها الإنسان بالدليل العلميِّ .

وصادفني الحظ في إحدى القنوات الفضائية ، وهي تستضيفُ الدكتور :  زغلول النجار الخبير الجِهْبـِذِ بالمقارنات الدينية والعلمية .. مما أفاض بالمعلومات الضَّافية .. مع ما جمعتها سابقاً .. وهي التالية :

ـ انشق القمر في السنة الخامسة قبل الهجرة ، الموافق 617 ميلادية .

ـ كتب باللغة الصينية على جدار الصين تاريخ الانشقاق بالتقويم الصيني وهو يوافق 617ميلادية .

ـ تصريح مجموعةٍ من علماء الفضاء الأمريكيين ، في استضافة التلفزيون البريطاني لهم ، وقد سألهم مقدمُ البرنامج عن أسباب التبذير الأمريكي ..  بصرف /100 / مليار دولار على رحلات الفضاء ، لإنزال إنسان على سطح القمر ، فلم تحصل على أثرٍ لقدمٍ بشريةٍ  على سطحه ، وكلُّ ما حصلوا عليه فتات من صخوره !!!.. ، وأعقب : لو وزعت هذه الأموال الطائلة على المحتاجين ؛ لما بقي إنسانٌ جائعٌ أو عارٍ أو حافٍ .. على وجه الأرض .

أجاب أحد العلماء الحاضرين : كلا يا سيدي ؛ لو أنفقنا ضعف هذا المبلغ ، لما أصابنا الإحباطُ والندم .. فلقد توصلنا إلى حقائق علمية هامَّة !!..

لقد عرفنا أن طبقة من الصخور المتحولة ؛ يقطع القمر عند أكبر قطرٍ له ، فتَحَقَّـقَّنَا مِنْ حدوثِ انقسامٍ للقمر إلى قسمين .. ثم التحَمَ من جديد !!!..

'!s

مهما كان موقعكِ ؟

     أطل الذئبُ " مِنْ عَلٍ " على العنزة السائحة في جدول الماء المتجمِّعِ من التل الشمالي .  

    وما أن انتبهت العنزة إلى وجوده ؛ حتى غيَّرَ الذئبُ سَـحْنَتَهُ ، وكشَّرَ أنيابَهُ ، ومَطَّطَ شفاهَهُ مُزَمْجراً بقوةٍ : ألا تعلمينَ أنَّ مَنْ يُعَكـِّرُ المَـاءَ على الذِئْـبٍ ؛ فإنَّ مصيرَهُ الافتراسُ ؟ !!..

0 أجابت العنزة المسكينة بسرعة ، وهي تنفي التهمة عن نفسها : وكيف لي بتعكير الماء عليك ، وأنا في أسفل الجدول ، وأنت في الأعلى ؟!.

0 أجاب الذئب : مهما كان موقعك ، فأنتِ عكرتِ الماءَ عليَّ !!..

!! هناك كثيرون يتقمصون دور الذئب !!

!

فليَمُـتْ هـو و حِمَـارُهُ !!

 حدثني كمال عثمان " مِنْ قريةِ عَرَبَـا " فقال :

   حَلَّ الصياد : حَمَـدْ من قرية "حس جمالا " ضيفاً على صديقه ، ورفيق عمره ،   وتوأمِهِ في هواية الصيد : حَسْ كـُلـَكْ مِنْ قريتنا .

وجلس الصديقان يتسامران ، وتوقفا عن السمر بنداء من الخارج ، يقطع خلوتهما.

خَطـَا حَسْ كـُلكْ نحو الباب ، وإذا بجاره بَكـُو يرجوهُ شـيئاً من التبن .. لإطعام حماره الجائع منذ ثلاثة أيام .

طلب حَسْ كـُلكْ منه دخولَ الدار ، ريثما يحضِّر له مطلوبَهُ .

وما أنْ وضع بَكـُو قدمه في عَتَبَةِ الغرفة ؛ حتى لاحظتْ عيناهُ شخصَ حَمَـدْ !.. فسَرَتْ رعشة قوية في كيانه ، وانسَحَبَ مسرعاً إلى دارهِ ، كمَنْ مَسَّهُ جنيٍّ !..

استغرَبَ حَسْ كـُلك مِنْ نفور جاره ، وهو يعود بالتبن لحماره الجائع مذهولاً !!.

فأعقبَ ضيفُهُ مُهَدِّئاً بالـَهُ : سوف لا تجد أثراً لِبَكـُو خارج داره منذ اللحظة ، ولا يَجرُؤ على الخروج إلا بعد مغادرتي هذه الأنحاء !!!.

أضافَ حَسْ كـُلكْ بأسىً ظاهر قائلا : التبن نادرٌ في هذه الأيام ، وحماره جائع من ثلاثة أيام !!.

أجاب حَمَـدْ : فليمُتْ هو وحماره جوعاً !!..

لِمـاذا ؟!!... لِنَعُدْ إلى البداية ، وسرح في الحديث :

في أواسط السبعينات من القرن الماضي ، ساد جَوٌ من عدم الطمأنينة والأمان على النفس والمال والراحة ؛ بظهور بعض الخارجين على القانون ، منهم : كولك ، وشيخو ، وخُلْفُوْ ، وسَـالان .. فترةٌ من الزمن ..

وزاد في الطين بلة ؛ ندرة المواسم .. بسبب شُحِّ الأمطار . فقِلَّةِ الغِلالِ .

في شتاء تلك الظروف الاستثنائية ؛ حَلَّ بَكـُو ضيفاً على حَمَـدْ الصَّيَّاد العجوز في قريته حس جمالاً .

في تلك الأمسية ؛ لم يجد بَكـُو مجالاً لِمُفَاتحَةِ المُضِيفِ عَمَّا قدِمَ من أجله ، إلا الترَجِّي منه بإغلاق الباب جيداً .. خوفاً من اقتحام الخارجين على القانون .

لكن المضيفَ رَدَّ قائلاً : لا ؛ لا أخشى مكروهاً ، لعدم وجود سابقةِ عملٍ مُشِينٍ من قبلي بحقِّ أحدٍ ، حتى أتعرَّضَ لِعَمَليَّةِ إقلاق راحتي ، وتعكير مزاجي .

ولما استفسر الضيف عن مخبإ العصابة ؛ أجابه حَمْد : أنهم دائماً في هذه النواحي .. فترجَّى الضيفُ الاتصال بهم لأمر يهمه !!.. فيسأله حَمدْ عن السبب ؟!. فكانت المفاجأة .

لم يجد بكو بُداً من الإفصاح عن سبب لجوئه لحَمدْ تلك الأمسية ، فقال : توجد ثلاثُ حجلات سِمَانٍ ( يقصد ثلاثة أشخاص .. حالتهم المادية ميسورة ) ، ويمكن اقتناصهم على يد واحد من هؤلاء الذين ذكرتهم .

أطرقَ حَمدْ مَلِياًّ يفكر .. فيُفاجَأ بضيفه مُوَضِّحاً المسألة : إنهم سِمَانٌ بما فيه الكفاية .. والمكسَبُ لِكِليْنا .. فأولهم : والدي ، والثاني : احْمُو ، والثالث : حَسْ كـُلـَكْ .

عَقَّبَ حَمَدْ حديثه بالقول : تريد ابتزاز هؤلاء ؟!!..، ومنهم حَسْ كـُلـَكْ .. صديق عمري ورفيق دربي في الصيد ؟!!.. فعلى كلٍّ ، على الرُّغْم مِنْ أنَّنِي تَرَكْتُ مهنة الصيد منذ زمن .. فلا بأسَ مِنَ العودة ثانية .. لِقتلِ كلبٍ أجْرِبَ مثلك ، أنْقِذُ الناسَ من أفعاله الدنيئة .

مَدَّ حمد يدَهُ إلى بندقية الصيد مِنْ علاَّقتها فوق رأسِهِ ، وأدخل خرطوشتين في بيـت

النـار.. و بكـو فاغر الفم من هول ما يجري أمامه ، غير مصدق ما يرى .. فسُدِّدَتْ سَبَطانتها نحوه .. يا لَلْكارثة !!.. ولم يجدْ بَكـُو ستاراً إلا فـَرُو " زوجة حمد " ، فقذف بنفسه خلفها ، يحتمِي بها .

فأرْدَفَ حمد تصميمَهُ على تنفيذ ما يريد بالقول : لا يَهُمْ .. فخرطوشتي تستطيع اختراقَ شخصَيْن معاً !!..

لم يجدْ بكو مَنْفذاً للخلاص من الموت المحقق .. فبادر إلى الباب بسرعة البرق إلى خارج الباب " وهو متستِّرٌ بـ فـَرُو .. المستمرة في توسلاتها واستغاثتها " مهرولاً في الفناء نحو بوَّابة الدار .. على انفجار الطلقة الأولى للبنقية .. المُصِمِّ للآذان .. فيجانب مسار الرصاص بلا شعور !!.. والاضطرار للقفز فوق السور من القشِّ " سَعَنْجْ " ([1]) .. فانهار السور تحته بهدير قوي من الجهات الأربعة .. وبقي مكشوفاً لمرمى الرصاص .. !!. فهوى بنفسه في منحدر عميق تحت هدير الطلقة الثانية .. وما سلم من مقتله .. لولا ظلام الشتاء الدَّامس وكثرة انحرافاته .

  ولا تسل عن كيفية قطع المسافة بين قرية حس جمالا وقريتهِ عَـرَبَـا .. في تلك الليلة الرهيبة .. إذْ رأى الموتَ بعينيه .

مصيـر الخائِـن

قصد الصياد : شيخو فيلك من قرية بريمجة مدينة َعفرين .. يبتغي اللقاءَ بأشهر صياد فيها .. فدَلُّوهُ إلى دارٍ له في أعلى موقعٍ ، يُطِلُّ على الواحـات والتلال المحيطة بالمدينة .

بات شيخو فيلك ضيفاً على قيتـْرَشْ ، واستعرض ما لديه من العدة : بارودة صيد ذات سبطانتين ، وجعبتين ، وأحزمة ، وحَجَلة ([2]) محجوزة في قفصٍ ، تدْعَى ( مَاريَّهْ ) ، و .. و..

ترافق الاثنان في رحلة صيد للبَطِّ على ضفاف نهر عفرين .. صباح اليوم التالي . وما أن رأيا بطة ؛ ألمح شيخو لرفيقه برميها ، فأسرع قِيْتْرَشْ بإطلاق النهار عليها .

ـ لقد أخطأتَ يا رفيقي ؟.. / قالها شيخو .

ـ لقد ظفرتُ بالبطة ، فأين يَكْمُنُ خطئي ؟ . / قالها قيتْرَشْ مستغرباً .

ـ أجاب شيخو : لقد استهدفتَ جسم الطريدة لا رأسها ، فتوَزَّعَتِ الخردق ([3]) جسمَ البطة بكامِلِهِ ، ممَّا يصعب عزلها عن اللحم !! .

في رحلتهم الثانية ؛ قرَّرَا المُضِيَّ إلى صيد الحَجَل . فاستيقظا باكراً ، وحملا عدة الصيد ، وقصدا هضبة " بَرْكَيْتْ ([4]) " المرعي الخصب للحجل . ولم يَدُرْ في خَلَدِ شيخو هدفَ قِيتْرَشْ من صيد الحجلان .

وضع قيترش القفصَ في نقطةٍ بارزةٍ ، وكَمَنَا في المكان المستور . ولم تمض لحظاتٌ .. حتى بدأتْ الحجلة ( مَارِيَّهْ ) تملأ الأرجاء بشدوها الآخِذِ .. فتلقَّى الحَجَلُ البريُّ صّدَاه بشدا " كَوْرَسٍ " متَّزِنٍ من مكامِنِهِ .. في تناغمٍ بديع .. وتزاحموا حول قفصها كتزاحمهم على مورد الماء في صحراء قاحلة ...

أشار قيترش لزميله بأداء دوره في الصيد .. فأعَدَّ شيخو بندقيته نحو الحجل المتهافتِ على القفص ، وأطلق خرطوشة واحدة .. وإذا بالحَجَلةِ " مَارِيَّهْ " صَرْعى في رمقها الأخير .

لقد أخطأتَ الهدفَ يا صاحبي .. بقضائكَ على " مَارِيَّهْ " ، ولم تَصِدِ الحِجْلان !!!.. / قالها قيتْرَشْ بأسىً حارقٍ !!..

رَدَّ عليه شيخو فِيلكْ بكلِّ ثقةٍ : لم أخطئ المرمى يا صديقي .. فلا يجب أن يعيش الخائنُ لقومه !!..

 

([1]) كان أغلب أسوار البيوت من القشِّ الموضوع فوق الأحجار وضعا عشوائياً . وهي المعروفة بـ : سَعَنْجْ .

([2])   حجلة أنثى الحَجَل ، ترَبَّى في قفص ، لٍيُصْطَادَ بها الحجلُ البرِّيِّ بشدوها ؛ فتتهافت ذكور الحجل حولها .

([3])  مجموعة من كرات الرصاص في القسم الأمامي من الخرطوشة ، بعد بودرة البارود .

([4])  تقع على السفح الغربي لجبل ليلون المطلِّ على مجرى نهر عفرن ومدينته .

========

نابليون وصائد الجوائز

أثناء هجوم الإمبراطور نابليون بونابرت " ملك فرنسا " الإمبراطورية الروسية ، وقبل تمكنه من السيطرة على مقاطعة أٌوكرانيا الغنية بثرواتها ؛ أٌبرَمَ اتفاقاً مع ضابط استخبارات من تلك البلاد ، للمساعدة في السيطرة على المقاطعة ، مقابل كيسٍِ من الذهب .

وبعد ما أنجز الضابطُ مهمته ، قصد نابليون ليستلم جائزته حسب الاتفاق المعقود بينهما ، فأًذِنَ له بالمقابلة .

وحينما لم يبق بين الضابط ونابليون سوى خطوات .. ناول نابليون كيسَ الذهب فرداً من حاشيته ، لِيَقذِفَ به نحو الضابط " صيَّاد الجوائز " .. فتلقاهُ الأخيرُ بيديه قائلاً :

وَدِدْتُ كَسْبَ شرَفِ مُصافحَةِ سعادة الإمبراطور المعظم !!.

رَدَّ نابليون بكلِّ احتقارٍ : لا أٌصافحُ سوى الأبطال .. أما الذهب فلأمثالك !..

>>>

آنَ لكِ أًن تزرعي البصل

جُوْنْ " أيرلنديُّ " يخدم في الجيش الإنكليزي أَثناء الحرب العالمية الثانية . وكان قد ترك زوجتهُ بلا معين يساعدها .

وصلته رسالة من زوجته ، تنبئه فيها معاناتها .. وصعوبة إتمامها الأعمال . وأضافت قائلة :

لو وجدتُ مَنْ يفلح الحديقة ؛ لزَرَعْتها بَصَلاً وثوماً و...

ردَّ جون برسالةٍ جوابيةٍ قائلاً : اتركي الحديقة وفلاحتها ، فلقد طُمِرَ فيها أسلحة الجيش الجمهوري الأيرلندي .. للقيام بالثورة على الإنكليز !..

وكان جون يعرف يقيناً .. أَنَّ الرسالة لا بدَّ من مرورها في الرقابة العسكرية ، وأنها ستُقرأ حرفاً حرفاً ! ...

فوجِئَتْ زوجة جون يوماً برقيبٍ من الجيش الإنكليزي .. مَعَهُ ستة جنودٍ .. مُزَوَّدِينَ بالمَعَاول والفؤوس .. داخلين الحديقة .. يَنْكُتُون الأرضَ مِنْ جميع أطرافها .. يحفرونها .. ينقبونها . وما أنْ انتهوا مِنْ فلاحتهم ؛ حتى تقدم الرقيب من زوجة جون المذهولة ، وقال بحرقة : كيف يَكذبُ زوجُكِ عن أسلحةِ الجيش الجمهوري .. مدفونة في حديقتكم ؟!! .

لم ينتظر جون رسالة أُخرى مِنْ زوجتِهِ ، بل بادرها برسالة أُخرى يعَقِّبُ فيها بالقول : لقد فلحْتُ الحديقة ، وعليكِ زراعتها ..!!.

s>g

شروط الصلح

أكبَرُ سعادةٍ شعَرْتُ بها في حياتي ، حينما شاركتُ في رأبِ الصَّدْعِ وإعادة الوئام بين عائلتين ، بعدما فـُقِدَتْ فيهم المحبة ، وأجدبت المودة ، وانعدم التفاهم بينهم . وحَـلَّ محلها الحقدُ والكراهية .

كلُّ طرحٍ إصلاحيٍّ مرفوضٌ ، وحُبُّ المعارضة شعارهم .. وإذا النفوسُ نشَزَتْ ، وإذا العقولُ أغْلِقَتْ ، وإذا القلوبُ بالضغائنِ اسْوَدَّتْ ، ورفعَتْ الأحقادُ عجيزتها !!.. ؛ انطمَسَتْ مواقفُ الرجولة والشهامة ، واستعْصَى التفاهمُ على الحلولِ الناجعةِ الشريفة .. " كما الدَّابَّة النافرة الشَّاردة .. " .

ثم لا تَسْألْ عن العواقبِ .. وإنْ هَدَرَتِ الأنفسُ والأموالُ ، وتكبَّلَتِ الطاقاتُ ، وماتتِ الإنسانية في رحم أمها ، وتعشَّشَ الفسادُ في العلاقات وفي الضمائر !!..

والحقيقة تقال ؛ إِنَّ موضوع الصلح ليس بالأمر الهين ، إلا أنَّ السعيَ فيه لا محالة ؛ على غرار مِبْضَعِ الجرَّاح إذا لم يُجْدِ العلاجُ ..

وكانت نتيجة مداخلتي للصلح .. الوقوفَ على عدَّةِ صفاتٍ ، يَتحتَّمُ توافرُها في ميادين المصالحات .. ابتغاءَ تحقيقِ الهدفِ المَنشود . ألا وهي :

ـ النية الصادقة .. والالتزام بـ : الحيادية و الأسلوب الهادئ والهادف ..

ـ الصبر والصدر الواسع تجاهَ الانتكاسات والمعاناة من الطرفيين ، مع الاستمرارية والمتابعة ..

ـ الاحتكام إلى العقل " لا العاطفة " في تحليل نقاط الخلاف ، وتمييز السـلبية منها عن الإيجابية ، وعرض الحلول الملائمة في تقريب وجهات النظر .. ولا مانع من استشارة ذوي الخبرات والتجارب وأهل العلم والصلاح ..

ـ جَعْلُ الهدفِ من المُجْرَيات كلها : إحياءَ العدل المفقود " بإعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقه " .. بعيداً عن أسلوب جَبْر الخواطر ومراعاة الوَجَاهة .. الذي لا يمكن أنْ تقضي على جراثيم التنافر ..

وأستحسن اللجوءَ إلى عادة المصاهرة بين شباب العائلتين في حادثةِ القتل .. أملا في أن تكون المصاهرة تقزيماً لِمَثاراتِ الخلاف ، وتمهيداً لعناصر المواءَمَة والتوادد .. وتهدئة للنفوس .

o

حتى يكون قرارك من رأسك ؛ لابد أن يكون غذاؤك من فأسك

سيد علي الأهرام العربي العدد 369 أبريل 2004

افلـَحْ مراراًً وبعمق ، وحذار من أن تجور على ثوريّ الفلاحة .

مثل من منطقة عفرين

ابكِ يا محمد .. ابكِ كالنساء على مُلكٍ ، لم تحافظ عليه كالرجال .

والدة محمد عبد الله الصغير ، آخر ملوك العرب في الأندلس

###

زوبـك عفـرين

إن من أسعفه الحظ بقراءة رواية ( زوبك ) للكاتب عزيز نيسين ؛ سيلاحظ تماما أن أحداث الرواية قد تكررت من جديد في منطقة عفرين .. كما حدثني الحكيم مصطفى كل حبش .. فقال :

بَكُو شُقُتِي : مسؤول عن موت سبعة أشخاص ، ولم تنله يد العدالة للاقتصاص منه ، يعود ذلك إلى سطوته ، وتسلحه بصفاتٍِ قلَّ أن تجتمع في شخصٍ واحد !! مِنْ : مكرٍ الثعلب ، ودهاء بني أوى ، وجَلدِ الفيل .. وجعل المال معبوده الأوحد ... منطلقاً من قاعدتين ؛ أولاهما : أن العهود والمواثيق ما وجدت إلا لِتقييد الآخرين ،  وشعاره " ألفُ قلبة ، ولا غلبة " . وثانيهما : لا خطوط حمراء للأخلاق والشرف أو الرادع الديني ؛ فهي كلها مسخرة لجلب المال له .. واليك بعض الوقائع من بدايتها :

بَيْـرُو المقهور

بَيْـرُو المقهور !!.. هاهو صرح " قرية عُمَرَا " شامخ على سفح جبل دوزاقِ الممتد من سلسلة ( جايي مينه ) . يعلوها في القمة آثار كالوشك " اسم مصغر للقلعة ، فيها أوابد من أزمنة  غابرة " . وفي الشمال الغربي جبل شُكَتـَيْ دُزَا .

وفي الجنوب الغربي امتداد وادي جالي خُرَيْبَهْ العميق .. وهو موطن بكـو الذي يملك فيها معصرة  زيتون .. بتجهيزاتها الآلية القديمة .. التي حلَّتْ محلَّ الأجهزة الخشبية اليدوية لعصر الزيتون ، واستخلاص الزيت منه .. تلك نقلة نوعية في التطور في نهاية النصف الأول من القرن الماضي .

يحيط بمنزل بكو " وبالخربة حيث آلات المعصرة " سور من ثلاث جهات فقط ؛ والجهة الشمالية محصَّنة بمنحدر شديد نحو وادي خريبة لإلقاء نفايات المعصرة تجاه الوادي العميق .

ويعلم جميع المقرَّبين من بكو شقتي أنَّ هذه المزبلة الشمالية شبيهة بالرمال المتحركة القاضية على كلِّ كائن حيٍّ يقترب منها .. كما الحال في أطراف بعض بحيرات إفريقيا .. حيث الهويُّ  في منحدر الوادي ، والاصطدام بعشرات الصخور الناتئة كالحراب الطاعنة  .. ويجهل جميع المقربين من بكـو الغاية التي يريدها من بقاء تلك الحالة في هذه الجهة المفتوحة والخطرة .

يعرض بكـو بدهائه على ابن عمته " بَيْـرُو الماهر في البناء " المشاركة معه في معصرةٍ جديدة . فيرضى بسذاجته ، ونجح بكو في تحقيق مرماه .

بدأ بَيْـرُو العمل يعاونه 12 عاملا على حسابه ... فهدموا جدران الخربة القديمة . وشرعوا في البناء الحديث .. بكـو يخطط ، وبيرو ينفِّذ مع عماله ، يواصلون الليل بالنهار خلال ثمانية أشهر وتسعة أيام .. بكل همة وعزيمة ..

وها هو بَيْـرو يضع آخر حجر في البناء .. وهو ممتلئٌ بنشوة الشراكة ، وآمالها العِذاب مع ابن خاله بكـو !!!...

لم تدم عليه فرحة الانتهاء من آخر حجر لجدار المعصرة ، وهو غارق في تخيُّلات المشاركة مع ابن الخال في المكبس .. حتى أزاح عنه مَعْمُو " صاحب اللسان السليط " ستار شوقياته الحلوة وطموحاته ، وأبدل بها النهاية المرَّة التي تنتظره .. قائلا :

يا بَيْـرُو و و و و ..  انفذ بجلدك أيها الأحمق !. يكفيك عمل ثمانية أشهر مع عمالك مقابل لا شيء !.. هل صدقتَ نفسك الوعدَ البرَّاق ؛ أنك ستكون شريكاً لِبَكـو !!.. لقد ابتلعك ، ولم تفق بعد .. هل غابتْ عن ذاكرتك قصةُ : حَمَدَيْ حَسُوْ و خَلـُوْيَيْ مُوْرَيْدْ وما آل إليهما الأمر ؟.. أين شركاؤه السابقون ؟ .. أَلا تكلف نفسك التفكير في مصيرهم ؟.. أما علمت أنَّ كرشه الكبير منتفخ بحجم جبل ليلون .. من كثرة ما أَكل من حقوق البسطاء أمثالك .. واعلمْ يا بيرو أنَّ البناء في حرم داره ، وهو القويُّ وأنت الضعيف ، يكفيك ما هدرت من الجهد ، وما كلفتك أجور هؤلاء العمال ...!...

استفاق بيـرو من غفلته ، وتنبه إلى صدق حديث معمو .. باستعراض جميع جرائم بكو القديمة والحديثة .. وأدرك أنه قد علَّق آماله ببيت العنكبوت بكـو .. فمضى التعب والمصروف أدراج الرياح ..

فانهارت أعصابه من هول المأساة الرهيبة .. المفجعة .. وسقطت مطرقة الِبناء من يده ، ولم يقدر النزول من فوق السطامة إلا بمعاونة مساعديه ..  وسار نحو داره بخطوات مرتجفة .. غير متزنة .. منحني الظهر .. يكاد يهوي على الأرض !!..

وكان لابد من المرور بمحاذاة دار شَيْخَي .. حيث زوجته .. صاحبة اللسان السليط لا يسلم مارٌّ من لذعات لسانها الجارحة .. فلم يحس بيرو بشيء من تعليقاتها الكاوية ؛ لأن الصدمة أفقدته كلَّ انتباهٍ لما حوله.

أكمل بيرو مسيره .. يجر نفسه جراً .. حتى استقر في الفراش . ولم يغادره إلا بعد أن أسلم روحه إلى الباري ، بعد واحد وعشرون يوماً بالتمام .

وعاد الحكيم مصطفى قائلاً :ِ أليس بكو مسؤولاً عن موت بيرو ؟ .

كاظم الدَّارُزي

كاظم الدارزي ؛ ورث المال من والده ، ويعمل بائعاً متجولاً في منطقة عفرين انطلاقاً من قرية عٌمَرا .

كم كان يغتبط كاظم ، وهو يتذكر بعضاً من سوالف والده حسن الكثيرة .. ومنها : أنه كان يبيع الياردة (90 سم ) من القماش بخمسين ضعفاً ، دون أن يتذمر المشترون أو يساومونه ؛ لانقطاعهم عن العالم الخارجي أولا ، ولعدم وجود منافس له في الميدان ثانياً. وكان غيابه يستغرق عدة أشهر بين القرى ، يبيت هنا وهناك ، وتفقات أكله ، مع الشعير والتبن ولحماره .. داخلة في مستلزمات ضيافته حيث المقام .. وهو السبب في غناه الفاحش .... وكلُّ أمنية كاظم أن يحذو حذوَ خطوات والده ، لكن مرض القلب حال دون تحقيق ذلك .

جاءه بكـو يوماً ، يعرض عليه شراكة منشأة حديثة يُـدِرُّ عليهما أرباحاً خيالية وغنى بلا حدود .

اعتبرها كاظم فرصته الذهبية .. معتمداً في ذلك على تقييمه الوضع السائد في المجتمع الجبلي ، وعلاقتهم بوالده حسن ، وأيقن أنه وجد ضالته التي ينشدها في أحلامه . ولا سيما العلاقة الوثيقة لعائلة بكو منذ القديم مع أبيه وجَدِّهِ .

كاظم .. شريك جديد لـ بكـو  .. دفع كاظم جميع مدخراته الحالية والموروثة من أبيه وجده  إلى الشريك : بكـو .. دون التقيد بالقاعدة الذهبية : لا تضع ٌكلَ بيضك في سلةٍ واحدة ) ، ووثيقة الضمان والأمان .. أنه كتب في دفتره المبلغ أمام شريكه الجديد ، وكان يعتبر ذلك صَكاً يعتمد عليه في ذلك الوقت .

بهذا الرأسمال الضخم من الشريك الجديد الدَّارُزي ؛ أجرى بكـو تسقيف البناء وتوضيب الأساسات ، وشراء الآلات وتركيبها .. و.. وتقديم قروض السلف الكثيرة للمزارعين .. ضماناً لجلب محاصيل الزيتون

إلى المنشأة .

كانت تلك السنة سنة خير وعطاء ، سبقتها سنون عجاف .. إضافة إلى ظهور قطاع الطرق والخارجين على القانون .. من أمثال المارد صالان ، والشبح ملازم ، والمتحذلق رشو .. الذين أقلقوا الراحة ، وأضاعوا الأمان في المنطقة .

لم يستطع كاظم ضبط نفسه بالتريث لنهاية الموسم ليقاسم الأرباح واستعادة رأسماله ؛  ودفعه تشوُّقه إلى زيارة شريكه في عزِّ الموسم .. للوقوف على العمل .. وهو يُمَنِّي نفسه بالأرباح الكثيرة .. وعند الخروج مرَّ بقبر أبيه وجده .. يخبرهم أنه ليس أقلَّ منهم فطنةً وذكاءً لتضخيم رأس ماله .. كما زيَّنَ له بكو .

وصل مدينة عفرين ، وانتظر بفارغ الصبر سيارة الجيب الوحيدة .. تقِلـُّهُ إلى عمرا في أعلى جبل ترتقيه رجلاه ، ونبهه سائق الجيب أن العودة من القرية تكون عادة في الخامسة صباحاً .

وصل القرية عصر ذلك اليوم ، واستغرب جمود بكو لأول وهلة !.. ثم انفرجت أساريره لاحقاً بما أتحفه بكو بالترحاب والكلام المعسول ، وزاد طمأنينة عندما طلب منه التريث قليلاً قبل دخول المعصرة .. وما هي لحظات .. حتى أحْضِرَ خروفٌ .. وتم ذبحه أمامه .. وطلب منه التخطي فوق الذبيحة .. إظهاراً للحفاوة العظيمة بقدومه حسبَ المعتقدات في ذلك الوقت .

ثم دخل دار بكو ، كما كان أبوه وجده يزورونهم من قبل ، وكأنه أحد أفراد الأسرة . ولم تمض فترة طويلة على جلوسه ، حتى وقعت الواقعة ...  رجـالٌ مدججون ببواريـد

الصيد والمسدسات ؛ يدخلون الدار ويخرجون .. وبوجوه توحي بالشرِّ كما بدا لكاظم .

فيستفسر كاظم من شريكه عنهم .. فأفاد بكو بخبثه : إنه صـالان !! .. إنه عَالِمٌ بِسِـمَنِكَ ( كناية عن الغنى ) ، وبوجودك هنا الليلة عن طريق جواسيسه ، جاء يطالب بفديةٍ كبيرةٍ ، وإلا قطع رأسك !.. فانقطعت أوتار قلبه خوفاً ، وانطوتْ صفحة المال عَرَقِ العمر من حسابه !.. ونقاشٌ حادٌّ يدور بين بكو وأعوانِهِ .. يوهم كاظماً دفاعه عنه ومساومته حفاظا على حياة شريكه ، وهو لا يفهم شيئاً من الحوار بغير لغته .. وكل ذلك يزيد حرقاً لأعصاب كاظم وانهياراً ... وبعد فترة ترقُّبٍ مرير كأنها الدهر .. أُفصح بكو لشريكه الضيف عن نتيجة المداولة حول كيفية حماية حياته ...

وفي تلك اللحظة ..مُدَّ خِوانُ الطعام أمام كاظم ، وتحت مظلة ثلاثة سبطانات البواريد لأعوان بكو .. دعا بكو ضيفه كاظم لتناول الطعام .. وحال فرط توتره .. دون القدرة على إيصال ملعقة الطعام إلى فمه .. حتى سقطتْ من يده على صينية الطعام ..!.. وبدأ يهامس نفسه : يا الله !! لم تبق لديَّ قوة لأفتح فمي !..

ورفعت صواني الطعام كما وضعت .. وبحركات استعراضية مدروسة مسبقاً .. وكأن الجنود ينقلون الذخيرة تحت قصف مدفعي كثيف .. في معركة حامية الوطيس .

وكان اتفاق الجمع على أن حياة كاظم ستكون أكثر أماناً في دار صهر بكو .. المتطرفة في شمالي القرية .. على مسافة نصف كيلو متر من المكان .. هكذا أسرَّ إليه بكو .. وبُدِئَ بتنفيذ خطة حماية الضيف . وهمه

تنفيذ مرماه الخبيث للخلاص من كاظم

نقل من دار بكو تحت الحماية المكثفة والمسلحة من أعوانه إلى الملاذ الأمن .. وما أن وصل الموكب ؛ حتى أدخل كاظم غرفة معتمة ، وأغلق عليه البابُ .. وهو يسمع حركات تنقل أشخاص على السطح ، ورصف أكياس الرمل لتأمين الستارة اللازمة للمدافعين .. هكذا يفسر له بكو .. وطرقات شديدة على باب المخدع ، تعقبها طلقات نارية  متتابعة .. ثم سكونٌ رعيب .. فأنينٌ مكتوم من قريب وبعيد .. هرجٌ ومرجٌ ، وأصوات استغاثة .. حتى الساعة الخامسة صباحاً .. فيفتح الباب بسرعة ، ويحيط بكاظم ثمانية أشخاص ببواريدهم .. يتقدمهم مسلحان يستكشفان خلوَّ الطريق من المعتدين ، وحارسان من الخلف .. حتى أوصلوه موقف سيارة الجيب .

ويالَسُوء الحظ !! .. لقد تكَدَّس في الجيب 15 راكباً فوق بعضهم " بدل 9 استيعاب الجيب " .. فالمستحيل ليست له مفردة في قاموس بكو .. فقد أوعز إلى كاظم بتسلق السُلَّم الخلفي للجيب ، وزيادة في الحيطة لسلامته ؛ ربطه به .. وكاظم مستسلم له لا يريد إلا الخلاص بروحه .. وانطلق الجيب يمشي الهوينا على الطريق الوعرة .. والانحدار الشديد، وحدوث توقعات القلبة إلى الوادي مراراً .. وكل ذلك يهون أمام قطع رأسه !.. دونما أيِّ خاطر حبيب يخطر في باله كيوم قدومه .. وأخيراً .. يتوقف الجيب في مدينة عفرين .. وكاظم غائب عن وعيه ، وعضلات يديه متصلبة متيبسة تماماً .. وبجهد كبير من الركاب ؛ تم إنزاله من السلم ..

ولا تسل كيف وصل بلدته دَارُزَيْ !.. ولم يمهله الزمن كثيراً ، حتى فارق الحياة ..

وكان بكو أخيراً في موقع الحدث .. لقد تنفَّثَ بأسىً عميقٍ في مجلس العزاء ببلدة دارزي ، وهو يتكلَّمُ بصوت يتقطر منه الحزنُ والألم : ..كل الصفات الحميدة كانت متوفرة في المرحوم .. لولا حسن ظنه بالناس وبساطته في عدم توثيق ديونه اكتفاءاً بتسجيله في دفتره لا أكثر !...

تلك كانت قنبلة بكو فجَّرها أمام ذوي المرحوم ، فقطع عليهم آخرَ أملٍ لعائلة كاظم في استرداد المال الذي سطره في سجله باسم بكو .

وهنا عقب الحكيم مصطفى قائلاً :هل يوجد قانون يستطيع محاسبة بكو على موت المسكين كاظم ، ورَدِّ مالِهِ لعائلته ؟؟!!...

ooo

التعسُّـفٌ القاتــل

حمو ؛ مختار القرية " المريض بداء الربو " ؛ أنموذج للإنسان المسالم الوديع .. غير أنه عصبي المزاج سريع التصرف ، مري قوي الشكيمة ، وقراراته فورية التنفيذ .

وكان خطأه الذي أودى بحياته ناتجاً من اضطراره لاسـتلافِ مبلغٍ من المال من بَكُـو " صاحب معصرة

الزيتون " .. جرياً على عادة أصحاب مواسم الزيتون في القرى .. ضماناً لجلب محصول الزيتون للعصر في منشأةِ المقرض ، فتتحقق الفائدة لكلا الطرفين .

دخلوا موسم حصاد الزيتون .. وبَلـَّغَ حمو صاحبَه الدائن لإرسال عماله في نقل أكياس الزيتون من داره إلى المعصرة .. فتراخى بكـو في تلبية طلبه لثلاثة أسباب :

1ـ أكياس الزيتون المكدَّسة في المعصرة فوق الطاقة اليومية للمكبس .

2ـ تخفيف الضغط على أزمة الدور الواجب اتباعه .. خاصة لغير المستلفين .

3ـ كونُ مستلف المال تحت رحمة صاحب المنشأة ، فلا يستطيع أخذ محصوله إلى معصرة أخرى .. مراعاة للضمان المتعارف عليه ، وإلا حُرِمَ من القرض ثانية .

وفي طريق عودة حمو إلى بيته صابراً على هذا التحَكـُّم ، يلتقى بـ / آزري / ابنة جاره الفتِيَّة الغضة .. التي أجرم الجهل بها وبأمثالها الجميلات ، حتى تورَّمت أجفانها ، وتشقَّقتْ شفاهها ، وانزوت نضارة شبابها تحت أثقال الأمراض .. في زمن لا يعرف الطبُّ والدواء مكاناً لهما .. إلا التمائم والحجيبات ..!.

وكم تألَّمَ حمو من تعرُّج هذه الفتاة الحلوة .. نتيجة غرز قطعة زجاج في قدمها اليمنى .. يوم ما كانت تبحث عن قطعة قماش على مزبلة الآغا .. لتلبس عروسها .. حتى ألَ بها الأمر إلى تجبير ورم رجلها بلفافات ثخينة من قبل جدتها ... إضافة إلى تعليق حجاب الشيخ حُسُّو في عنقها ، طرداً لعين الحسود !!.

وقف حمـو رغم أنفه ؛ لاسترواح أنفاسه المتقطعة بسبب الربو .. فتقع عينه على جمعٍ غفيرٍ يقترب منه ..

إنهم عائلة مَالَيْ عَفدي خلو ؟!..  تُرى ما هيَ وجهتهم ؟!.. يسائل المختار نفسه .. ولِمَ لا أعرف أسباب تحرُّكهم بعد الاستئذاَن مني كمختار !!.

استراح من جواب عفدي : إنهم قاصدون مزار ( جيل خانة ) ، للتبرك بالمقام ؛ رجاء زيادة حليب كنَّتهم لإشباع رضيعها !!... هكذا كان الظنُّ أيام زمان !!.

مضتْ مراجعات حمو الكثيرة عبثاً " لدى صاحب المعصرة بكو " . وفي كل مرة يأتي بالتسويف القاتل ، دونما رحمة بصيرورة الزيتون للتفسُّخ ، وهو الموسم السنوي الوحيد للمعيشة .. استعمار مقيت من مُسَلِّفِي معاصر الزيتون !!..

اشـتد غضب حمو من إذلال بكـو له جَرَّاءَ دَيْنِهِ في ضائقته ،  ولم يجدْ بُـداًّ من المضيِّ سراً إلى معصرة حسـن في قرية آلكانا .. شاكيا إليه ظلم بكو .. ويرجوه نقل أكياس الزيتون من داره إلى معصرته .. فكانت الاستجابة فورية .. نظراً لأن عمل منشأته ضعيفٌ جداً ، ولعدم قدرته على تسليف أصحاب المواسم من سيولته النقدية . وكم كان يتمنى لو يملك مصدراً لهذه السيولة لتنشيط منشأته " مثل بكـو الذي يسيطر على الساحة في المنطقة بما يملك من المال " !!.    

نقل الخبر إلى سمع بكو ، فاستنفر رجالهُ يحملون أكياس حمو مصادرة إلى مكبسه ، يضعونها بجانب المزبلة .. تأديباً له على تجاوزه .. ومخالفته عهدة الالتزام من جهة ، وإظهاراً لجبروت مالكي رؤوس الأموال ، وإنذاراً لكل مَدينٍ مستلِفٍ يجاري حمـو فـي تمرُّده على عرف الاستلاف .. ولو على حساب

تعفُّن  زيتونه !.. ما أشدَّ مرارة التحكُّم بمحاصيل الناس الضعفاء !!.

فلم يتمكَّن أحدٌ من الكلام ببنت شفة .. صمتٌ ذليلٌ يخيم على الميدان ، وسرى الخبر في كل مكان .. لأصحاب المواسم والمعاصر معاً .. وكلٌّ يحتاط للأمر ، ولا يجرؤ أحد على عصر محصوله .. خوفاً من شر المسيطر الباغي !!.

عاود حمـو رجاءه المتكرر من بكو لعصر محصوله .. ولكن لا حياة لمن تنادي ، بل زاد الطين بلةً ؛ أن أهمل بكو نهائياً إظهار أي مجاملة معه ، كما كان يفعل سابقاً .

فلم ينفع حمو جميعُ أنواع استنجاده بأصحاب المعاصر الأخرى .. وبأبناء قريته .. وبأخيه .. كلهم خذلوه .. ولم يبق أمامه إلا حماره وقوته البدنية في شيخوخته .

جاء إلى كومة أكياسه في ساحة معصرة بكو .. وهو يتميَّز حقداً وذِلَّة ، وأوقف حماره بجانب الكومة ، ولفَّ رَسَنَهُ بمِعْصَمِهِ ، واحتضن كيس الزيتون الذي بحجمه .. رافعاً إياه مراراً ليضعه على ظهر الحمار .. وعبثا كانت المحاولات .. بل بات الحمار ينزاح شيئاً فشيئاً نحو كومة المزبلة .. نتيجة ضعف قوته .. إلى أن حاول أخيراً بكل عزمه وضع الكيس .. مما سبَّب قلبَ الحمار على النفايات الآسنة .. فالهُويّ بالكيس وصاحبه متدحرجاً نحو الوادي السحيق !!.

وحَدِّث عن الكسور .. والضياع .. في هذا الفصل البارد .. للحمار.. ولِحَمُـو المريض بالربو .. والزيتون !!!.. ضاع كل شيءٍ بلا رحمة !!..

أنهى الحكيم حديثه : من المسؤول عن مقتل المختار ؟؟!!..

 

كُـريف المسكين

لِقِلَّةِ العمال .. اضطرَّ " بَكُـو " إلى الاعتماد على رجل من الكُريف ، جاء من عفرين يستجديه بما تجود به نفسه من المال ، كما هي عادتهم في تأمين معيشتهم .

فبدلاً من تطييب خاطره بالكلام المعسول .. فرض عليه العمل في الفوج الليلي مع عمال منشأته " معصرة الزيتون " . رضخ المسكين للأمر خوفاً من عواقب الرفض ، وهم لم يتعوَّدُوا هذه الأعمال الرتيبة والمتعبة .. إلا الطرب والنغم الساريين في لا شعورهم .

وبدأ العمل بثقله على مضض ؛ وهو يترقَّبُ غفلة من عيون بكُـو .. للفرار . وما أن جاءته تلك الفرصة ؛ حتى نسَلَ خلف ستارة الجورة الفنية ( متكوِّراً على رصيف ضيِّقٍ يحيط بالجُورة الكبيرة ـ مُجَمَّعِ الحثالة لعصر الزيتون " كُوْرْتيْ آفَيْ رَشْ " ـ الموجودة في كل معصرةٍ .. بقصد كسب الزيت الطافي على العكر الأسود مع الأيام ) .

لاحظتْه عيونُ بكـو من بعيد ،  فأسرعَ نحو الستار ليضبطَ الكريف .. فكانت صرخته المدوية .. وأفقد الفزع توازنَهُ عندما حاول الوقوف .. فترنَّح ساقطاً في البركة ، يختفي  ويعوم مراراً .. ولولا خوف المسؤولية القانونية ؛ لما أنقذه عمال بكو .. حباً في نجدته . خاصة وأن بكو قد أيقن عدم فائدة ترجى منه .. بعد ابتلاع حسواتٍ من مياه العَكَر .

فكان التراكتور .. جَرَّارُ نقل مخلفات العصر ( البيرين ) قد تمتْ حمولته ، وطلب بكو حمل الكريف على البيرين ، ليوصلوه في طريقهم إلى داره بعفرين .

انطلق تراكتور الإسعاف في جو قارس .. وكان الكريف بعد خمس ساعات على فراشه في داره ، وهو متصلِّبٌ كقطعة خشـب ، والأهل يترقبون سريان الدِّفءِ إلى جسمه لإنعاشه ؛ ولم يكن أحدٌ يفكر بمراجعة طبيبٍ .. في زمن ندرة المال في الجيوب ، وجلُّ هَمِّ الناس إملاء البطون الجائعة بشيءٍ من البرغل أو العدس لا غير ، تاركين أمر المرضى للقدر الإلهي جهلا منهم بالأدوية ولزوم طلب العلاج !! .

وحاول أهله عبثاً بترغيبه في احتساء شوربة العدس الساخنة ، لاستعادة الدفء إلى فرائصه .. لكن المسكين في حالة من اللاوعي .. وتوالت أيام قليلة ، حتى قضى نحبه ، وحمل على الأكتاف إلى مثواه الأخير في مقبرة الزيدية المطلة على بلدة عفرين .

تعليق الحكيم الراوي : أيوجد شرع يقاضي بكو على جريمته بحق المسكين كريف !!.

قاتــل حماته

سعى بكـو لدى حماته الأرملة لإدارة أملاك عمه المرحوم ؛ فرفضـتْ . وانتقل إلى الإرهاب والتهديد وسيلة لتنازلها ؛ فلم يفلح .. ولم يقدِّر لها كبر سـنها ، ولا ضعف بنيتها ، ولا مرضها القلبي . وكلُّ هوَسِـهِ هو التصرُّفُ بأملاك عمه .. ووالد زوجته .

لجأ بكو إلى أسلوب خسيس نحوها .. بفرض ستار حديديٍّ حولها .. لتبقى وحيدة بلا معين ولا أنيس .. حتى زوجته زينو المسكينة .. منعها من مدِّ يد العون إلى أمها .. زوجٌ قسى قلبه كالحجر ، وجُبلت أحاسيسه بعصارة الانفعال من أبسط الأمور ، واللجوء إلى الشدة لأتفه الأسباب ، وما باليد حيلة أمام جبروته وعقوباته وضرباته الوحشية !!...

وكم كانت زينو تندب حظها بهذا الزواج المقيـت .. وهي المظلومة المهينة تتمنى الانتقام لكرامتها .. ولكن من يستطيع مجابهة هذا المتعالي الجبار !..

فلم تجد هذه الكسيرة المظلومة شـيئاً ، تُبَرِّدُ به قلبها الجرح .. إلا طربوشـَه الأحمرَ " العزيزَ على نفسه ، يلبسه في مناسبات خاصة " ، وعكازته المدللة " التي طالما هَـوَى بها ضرباً لها لأدنى التهم والأسباب !.

فما أن تتأكد من خروج زوجها من الدار ؛ حتى تضع طربوشه أمامها .. متصورة وجوده على رأس زوجها ، وتهوي بعصاه يمنة ويسرة على الطربوش .. وهي ممتلئة بروح الانتقام ، وتطلق من فمها شتى أنواع قذائف المسبَّات والتحقير .. إضافة إلى التهديد والوعيد بعقوبات أشدَّ .. إذا استمر في مضايقات أمها "

حماته " ..!!...

وما أن تشفي زينو غليلها وجامَّ غضبها بتلك العقوبة الخيالية ، وتخفف ما يختلج في نفسها من كره وحقد على الطربوش ، وتستكين .. حتى يفاجئها الخوفُ من زوجها .. فيما لو رأى طربوشه بهذه الحالة المزرية .. فتسرع إليه واضعة إياه على ركبتها تعدِّله من جميع أطرافه ، وتضعه في مكانه على العلاقة مع العصا .

هاهو بكو يعود أدراجه إلى داره ، ويدلف الغرفة ، فيدلي بأول نظرة فاحصة على القلنسوة والعصى .. فيتمتم بصوت مسموع : أعتقد أن أيادٍ ما عبثت بالقلنسوة ؟.. وهو يبحث عن أي عذر أو إثارة .. لإشباع زوجته بالضرب . وكم ذاقت من عبثياته والويلات من ظلمه خلال عمرها معه ..

وخاصة أمها العجوز " حماتها " التي بقيت بلا عونٍ في حياتها ، ولا مَنْ يقـدم لها خدمة .. ومن يجرؤ على ذلك من هذا الطاغية !!.. وها هي المسكينة قد سـقطت في دارها ، وانكسرت ساقها مولولة .. مستغيثة .. مستنجدة الناس .. فلا مجير !!.. حتى أغمي عليها ، وبقيت كذلك تجترُّ آلامها .. إلى أن فارقت الحياة !!.. ولم يشعر بها أحـد

إلا بمرور أسبوع على وفاتها !! ...

وما أن تيقن بكو من وفاتها ؛ حتى كأنه كان قد تخرَّجَ من معهد التمثيل آنفـاً مُتقِناً فنَّ البكاء والعويل ، وذرف الدموع مدراراً ، ولم يرض إلا أن تتم مراسم الدفن والعزاء من داره ، وأقام على روحها مناسبات ( سَيْرُوكْ ، حَفْتَكْ ، جَيْلـَكْ ) على نفقته .

وبهذا التمثيل الذي يعجز عنه مَنْ بلع عشرة أبالسة .. بلع بكو موسم تلك السنة لحماتها ـ زوجة عمه ـ بالتمام والكمال .. ولما اعترضت ابنتها ـ التي هي زوجته ـ ؛ أغلق فاها بلزاقات البهدلة ، وأوصاف العجوز الشمطاء .. فتراجعت المسكينة مخذولة ، ضعيفة الحجة .. مكبولة اللجام أمام سطوة المتجبرين .. فأرتخت عزائمها عن المضي في الدفاع عن حقها المسلوب .

وكانت حصة بكو من تركة المرحومة وعمه لحمة الكعكة فقط ، وحصص أصحاب الحقوق الأصليين تلك المساحة الفارغة داخل الكعكة بتمامها .. ويا له من قسمة ضيزى !!!...

أعاد الحكيم مصطفى جملته الشهيرة : من المسؤول عن مقتل حماة بكو ؟.

ملاحظة :

أنتظر معكـم أن يخصص الحكيم : مصطفى كل حبش وقتاً ، لكي يتحفنا بالحادثة السادسة والسابعة .


 

الأقـَلُّ ضَـرَراً

كنت أعطي دروساً في الفلاء لأفراد فصيلتي منذ عقدين ونيف . لاحظنا اقتراب رفٍ من عصافير الحنة ( الجرك ) ، وشاهدنا في الفضاء الرحيب طيرَ الباشق ينقض على الرف المتماسك .. فتمكن بتوازنه ومناورته مِنْ إفشال خطة الباشق .

لكن المعتدي لم يهدأ ، فعاود المحاولة من جديد محاولاً زعزعة وحدة الصف ، وبعد جهد كبير ، تمكن من فصل عصفورٍ عن باقي الصف ، لاحقه مراراً لاقتناصه .. فيفشل .. وما كان من العصفور اليائس .. إلا أن هبط عمودياً تجاه حلقة فصيلتنا التي أتوسطها ، واستقر قرب قدمي ساكنا لا حراك فيه .

وانصرف الباشـق خائباً ، وتناولتُ العصفورَ مندهشاَ من استسلامه العجيب .. مشلول الحركة .. راضيا بمصيره المجهول بين يدي إنسان !!.. أدخلته الخيمة .. وشربَ ماءً ، عازفاً عن حبات القمح ...

 أمهلته فترة حتى استعاد حيويته ، فوضعته على يدي أمام الخيمة ، وجال ببصره في السماء الرحب .. ولما أيقن من غياب الباشق ، طار نحو السماء حراً طليقاً معافى !! .

فأدركتُ أنَّ الركون للعدو الأقلِّ خطراً ؛ أفضل من الاستسلام للعدو الأكثر خطراً .

المهندس محمد حسن / قرية عندارة

مِنْ حكايـا المغتربين

عزت خليل من قرية " سَيْوِيَـا " قال :

في بداية  اغترابي منذ عشرين سنة مضت ، كنت أعمل لدى شركة سويدية مختصة بالأدوية الطبية ، يملكها رجلُ سويدي ، يدعى ليخن شتاين .

تضم شركته 450 عاملاً ، إلى جانب 1750 مهندساًً وخبيراً . وحقق لي الوفرُ الماديُّ رغباتٍ جمة .. بما فيها سيارة من طراز قديم .

وكان من سياسة الشركة إشراكُ بعض العاملين في صفقاتها التجارية ، حتى كنت أحدَ ممثليها في جلسة المفاوضات بين الشركة وبعض التجار المصريين .

اقترح المفاوضون زيادة الكمية .. مقابل خفض نسبة فاعلية الدواء .. فرفض الطلب من ممثلي الشركة . أعاد تجار مصر التماسهم بطلب أنواع أدويةٍ .. انتهى تاريخ الصلاحية .. فكان الجواب .. بالرفض أيضاً . هكذا التجارة الآمنة .

ومن جملة الضمانات المتبعة في الشركة : عدم السماح للعامل برفع أيِّ شيءٍ يزيد وزنه عن 20 كغ ، وعليه استخدام الرافعة للشيء الثقيل .

حاولت مرة رفع صندوقٍ يزن 25 كغ .. فحذَّرَني رئيسي المباشر قائلاً : إن إدارة الشركة غير مستعدةٍ لإعاشتك مُقعَداً بقية حياتك !.

أما عن النظافة " في الأرض والجدران ومحتويات الشركة " .. فحَدِّثْ مهما بالغتَ !!. حتى أثناء فرصة عشر دقائق للاستراحة .. فإن الفتاة النشيطة لينا لا تهدأ .. تؤدي عملها بكل إخلاص . ويصدف أحياناً أنها تطالبني بإزاحة قدمي ، ليتسنى لها تنظيف ما تحت الحذاء !!..

وكم كانت دهشتي كبيرة ؛ عندما انصرفت من العمل في ساعة انصرافها .. ورأيتها تركب أحدث نوعٍ للسيارات الرياضية الفارهة الغالية ..!.. وعندما لاحظت استغرابي لوَّحَتْ بيدها قائلة : هـَـايْ ... هل تعلمون مَنْ كانت تلك الفتاة المخلصة المتقنة في عملها بعدما استفسرت عنها ؟! . إنها بنت السيد ليخن شتاين مالك الشركة !!!.

كل شيء صحيح في هذا الكون ، إلا إذا تدخلتْ يدُ البشر فيه !.

==========

======

 عَجْـبُ الُذنـَبِ

 إذا مات الإنسـان ؛ يبلى جـسده كله إلا عَجْبُ الذنب ، ومنه يخلق الإنسان من جديد يوم القيامة .

وثبت أن هذا الشـريط الإولىَّ ، يندثر فيما عدا جزء يـسير يبقى في نهاية العمود الفقري ( العصعص ) .

ذكرها الرسول r في أحاديث عديدة . وأثبتتْ مجموعة من علماء الصين في عدد من التجارب المخبرية إستحالة إفناء عجب الذنب ، لا كيميائياً بأقوى الأحماض ، ولا فيزيائياً بالحرق أو السحق أو التعريض للأشعة .

بقي أن نذكر أن عجب الذنب يخلق في اليوم الخامس عشرة من تلقيح البييضة .

( موسوعة الإعجاز العلمي ـ يوسف الحاج أحمد ـ مكتبة الحجرـ دمشق /ص 167)

 

وهذا سأقتنيه لأقتلك به

ـ تساءَل الدكتور رستم حسو في حفلة عرس بن أختي عن مستوى جمال العروس .

قيل له : جمالها متواضع .

ـ عقب قائلاً : رجاءً لا تخطئوا كما أخطأ جدي وأبي من قبل ! .

احرصوا على انتقاء فتياتٍ جميلاتٍ زوجاتٍ لأولادكم ، أنا وأخي تزحلقنا على روث بقرة جرباء ، نتحسَّر .. ونتحسر .. ولا جـدوى .

فوالدي ضـليع في انتقاء بواريد الصـيد الجيدة ، لكنه فاشل كبير في انتقاء عروس جميلة لأحد أولاده ، كما كان أبوه من قبل ( أقصد جدي ).

 يملك والدي وسـامة الوجه ، وسـلاطة اللسان ، وبداهة الطرفة . وباختصار : ذو الحضور القوي والملفت في أي جلسة كانت .

ـ سئل مرة : ما نصيبك من الدنيا ؟ . أكان الحظ أم السلطان ( تخْتْ ، وُلاّ بَخْتْ ) ؟.

ـ رد قائلاً : لا هذا ولا ذاك ، لقد حرمني الله من النعمتين . ثم تابع السَّرْدَ ..

في أوائل السبعينات من القرن الماضي .. بُدئَ بمشروع إنشاء سد الفرات ، فتوافد الكثيرون إليه ؛ رجاء العمل ، وتحسين مستوى معيشتهم .. وكان والدي من بينهم .

وأتلفت من تجمعهم قرية .. دعيت بـ : الطبقة .

جاورنا رجل دميم الخلقة في الطبقة ، وزاد من دمامته ؛ تشَوُّهُ وجهه بعد حادث سير مؤلم . ويشاء القدر أنْ تكون له زوجة .. هي أية في الجمال الخلاق المبدع . ومنه كانت تكنَّى " بفاطمة المغربية " .

مضت الأيام الخوالي ، وإذا بجارنا الدميم ، يطلب من والدي مساعدته في اقتناء بارودة صيدٍ .. لا تخطئ الهدف ، مهما كان ثمنها .

وبعد جهد جهيد وبحث منقطع النظير ، نجح الفريق الثنائي .. المؤلف من والدي وجارنا إلى تحقيق المراد .

وأثناء المساومة ؛ طلب البائع ثمناً مرتفعاً . وهنا تساءل والدي ؛ مستفسراً من جارنا عن دواعي استماتته في اقتناء بارودة صيد بهذا المستوى من الغلاء .

أجاب جارنا بسرعة وبصوت جهوري لا يخلو من الانفعال المكبوت منذ زمن بعيد : لأقتلك به !.

إن زوجتي لا تنفك دائماً في سرد قصصك وحكاياك .

                                                               حلب ـا 11/12/2004

d

لا تأفَّفْ من خدمة .. لم يقدمه الوطن لك ؛ بل وجه تفكيرك إلى : ماذا قدمتَ للوطن .

+

أقوى حجة ترسخ أفكارك في عقول الآخرين ؛ هي : التحدث بالحقائق .

 

:

إذا انتخبتم غيري

لقد انتخبتموني سـنة 1967 .. فخدمت مصالحي .. وعندي الآن سيارة وفيلا .

وإذا انتخبتموني الآن ؛ فإنني سأخدم مصالحكم ، أما إذا انتخبتم غيري فإنه سيبدأ كما بدأت أنا .

مرشح في انتخابات المجالس المحلية بالجزائر                                                                                                                                                                                                                  

                                                      نقلاً عن مجلة المصور المصرية 1971

d


لماذا يتفوق اليابانيون ؟

هل حقاً ؛ يتفوق اليابانيون على كل شعوب الأرض قاطبة ؟!!..

وما هي أسباب نجاحهم ؟. وهل هم حقاً يتميزون عن غيرهم بصفات خاصة بهم ؟. هذه الأسئلة واستفسارات عديدة أُخرى تتبادر إلى أذهاننا .

رحت أبحث عن الأجوبة .. وتوصلت إلي ما يلي :

1ـ لا يملك اليابانيون صفات أو ميزات منفيَّةٍ عن الشعوب الأخرى ، فقد خرجوا من الحرب العالمية الثانية مهزومين .. وأكثر بيوتهم مهدمة ، وسـحق صفوة علمائهـم ،  وأبيدت جل مـصانعهم ، وجمدت العقول النيِّرة ، وحُطِّمَ كلُّ ما هو نبيل في مجتمع كان يعتبر متطوراً وفق منظور ذلك العصر .

 خرج اليابانيون من الحـرب متولين الأدبار ، والخراب محيط بكل مكان .. والمحتل قابع على صدورهم .. فبدل التأفـف والنقـد .. والشعور بالخذلان وتعليق الهموم والمشاكل بالآخرين ... توجه الياباني إلى العمل 18 ساعة يومياً .

2ـ معيار الياباني : الإنتاج هو الأساس الذي يحدد الأجر والمرتبة الوظيفية . فالعامل الأكثر إنتاجاً ؛ هو أهلٌ للأجر الأكبر .

3ـ الإتقان : هـو المعيار الثالث . فالعامل الذي يتقن ما ينتجه ؛ هو الأكثر تقديراً وأجراً من العامل الذي لم يبلغ درجته في الاتقـان .

5ـ من خلال إحصائية جرت بين اليابان وأمريكا ؛ تبين أن كل /99000 / شخصاً في اليابان .. لهم محام واحد . بينما في أمريكا ؛ وجود محام واحد مقابل عشرة ألاف شخص . وهذا دليل على أن معاناة اليابانيين أقل من الأمريكيين بعشـر مرات ، وبالتالي يعني أنَّ إنتاجهم أعلى من إنتاج الأمريكيين بعشرة أضعاف .

في اليابان : إدارات المعامل والمصانع والمؤسسات ؛ تشـارك في إيجاد الحلـول لعامليهم ، ويقومون بزيارات في بيوتهم لتذليل صعوبات حياتهم ومشاكلها التي يعاني منها العامل .

6ـ هم يعتزون بتمسكهم بتراثهم وعاداتهم . فقد تحدَّثَ أحدُ الدبلوماسيين اللبنانيين : أنه دخل صالة الفندق .. فإذا جمع غفير من اليابانيين يحضرون حفلة عرس يابانية .

لاحظ المتطفل أن العروس قد زينت وجهها بألوان من الأصباغ المتنافرة ، كما كانت عادة اليابانيين قبل مائتي سنة .

سئل الدبلوماسـي مرافقه مستغرباً : كيف شـمل التطورُ جميعَ النواحي باستثناء هذا الجانب ؟ . أجابه المرافق : إن هذه العادات هي التي تميز اليابانيين عن غيرهم !!.

وأورد صحفيٌّ آخر : أن زوجين من اليابانيين كانا يدرسان في باريس ، ويعملان سوية في مطعم باريسي لغسل الأطباق سداً لمصروفهما . ولما عادا إلى اليابان ؛ صارت الزوجة تغسل رجليّ زوجها .. كما هي العادة في اليابان .

7ـ إنهم يقدسون النظام والقانون : عندما زرت محطة توليد كهرباء حلب .. بتنفيذ شركة ميتسو بيشي اليابانية ؛ لاحظت تحركات عمال الشركة المنفذة ، وكأنهم أشخاص آليون ( روبوت ) ، يسيرون على سكك حديدية .. تكاد الأكتاف تتلامس أثناء تنقلاتهم  في ساحة المعمل ، فلا يجامل أحدهم الأخرَ بتحية ، أو كلمة إطراء وذلك أثناء العمل .

8ـ إنهم لا يتقيدون بساعات العمل ؛ فلا يغادر العامل موقع عمله إلا بعد الانتهاء من وجبته الإنتاجية المحددة ؛ مهما استغرق الزمن .. ولو بعد فترة العمل المقررة .

وعند إنجاز الحصة قبل انتهاء فترة الدوام المحدد ؛ فللعامل : حرية المغادرة لموقع العمل ، أو زيادة إنتاجه .. للحصول على زيادة في الأجر الإضافي .

9ـ إنهم لا يعرفون الكبرياء . التقيتُ بمهتمة باللغة العربية ، رافقتْ زميلة لها إلى شركة كهرباء حلب . و عندما تحدثت معها .. لاحظت أنها متواضعة من أخمص قدميها إلى أعلى شعرة في رأسها .

وتناول صحفي آخر تواضعهم بالقول : عندما زار وفد ياباني مركزاً طبياً في دولة أجنبية ، وأثناء الزيارة في أقسام المركز ، عرَّفوه على الكادر الطبي في المركز .

ولما انتهى المترجم من تقديمهم ؛  انحنى رئيس الوفد الياباني لأقربهم .. مشيراً بيده نحو الأسفل .. فانحنى الطبيب المواجه .. ظانّاً أنها التحية اليابانية التقليدية .

غير أن رئيس الوفد الياباني كرَّرَ نفسَ الحركة ؛ وهو يقصد استشارة الطبيب في مشكلة كان يعاني منها في قدمه ، لا تكرار التحية .

10ـ إنهم لا يسمحون لذوي القدرات أن يتقاعدوا . فالأشخاص المتميزون بمواهب فذة ، يستطيعون الاستمرار في أعمالهم المبدعة دونما تقاعد .. حتى لا يتعطل إنتاجهم الفريد .

وأخيراً هل عرفت عزيزي لماذا يتفوق اليابانيون على غيرهم ؟؟!! .

 

====================

حوادث فريدة لا تحدث كثيراً

الكلب الأمين

حدثني محمد حميدي عيسى من كفير فقال :

كنا بحاجة إلى عامل الكُسَـاح ماهر في تشذيب أشجار الزيتون . فاخترنا عبدو من قرية كازي ؛ المشهور بهذه الصنعة .

في الصباح الباكر ؛ انتقلنا بالجرار الزراعي إلى العمل ، ومعنا :عبدو .. الذي حط رحاله في كرم الزيتون وتركنا له صرة الطعام وجرَّة الماء تحت شجرةٍ ، وتابعنا السير لسقاية بستان الرمان ، على بعد 12 / كم ..

لكنني لم أنتبه أن كلبنا المسمى الجراح قد نزل أيضاً .

وعند الغروب .. مررنا بكرم الزيتون لإعادة عبدو معنا ؛ فنُفاجأ بالمَشهدِ التالي :

عبدو جالسٌ تحت شجرة الزيتون ، مقابل الشـجرة التي وُضِعَتْ تحتها زوّادة الطعام .. ولَمَّا تمَسَّ .. وكلبُنا " الجراح " قابعٌ بجانبها يَحْرُسـُهَا ، ومُتَأهِّبٌ للدِّفاع عنها ضِدَّ أيِّ قادمٍ نحوها ؛ بما فيهم عبدو !..

ولم يخطرْ في بالنا أنَّ الكلبَ كان قد لحِقَ بنا إلى الكرم جرياً على عادتهِ ، وهو ينطُرُ صُّرَّتنا التي يعرفها بفطرته !! .. ما القصة ياعبدو ؟.. قال :

شعرتُ بالظمأ ظهراً ، فقصَدْتُ المكانَ للشرب ، ومنعني الكلبُ . فحاولتُ اسْتِدْرَاجَهُ بلطافةِ المخاطبة بلغةِ الكلاب .. ؛ فما كانَ منه إلاَ ازْدِياد التكشـُّر ، مع الاستعداد للهجوم عليَّ .. وعيناه تتحَمْلقان في كل خطوةٍ أخطوها نحو إناء الماء .. وما زالتْ هذه حالتي منذ الظهيرة !!!...

ثم أردف كلامه قائلاً : إن كان كلبُكم بهذا القدر من البخل ؛ فكيف أنتم ؟ .. وهذا أولُ يومٍ وآخرُه .. أعمَلُ فيهِ لديكم ، ويكفيني عِظـةً ؛ أنْ تضَوَّرْتُ جوعاً وعَطشاً من الصباح الباكر !!..

ثم وَلى وجهه شطر قريتهِ كـازي .. غيرَ مُبَالٍ بتوَسُّلاتِنا في الرجوع ..

 

البقرات المقاتلة

كانت لدينا ثلاثة كلاب تحرس الماشـية والبيت " على عادة الناس يومَ ذاك " . ولكلٍّ منها اسمٌ خاصٌّ به . الأسود الضخم يُعْرَفُ بـ : الحراح ، و جََّلاد للرمادي ، و كراج للأبيض .

وكانتْ الوحدة القائمة بين هذه الكلاب تثير الدَّهْشـة ؛ مِنْ حيث تكاتفهـا معـاً " خلالَ الهـِرَاشِ والنزاع في القرية " ضد الأغراب من الكلاب .

وأغْرَبُ منها ؛ مناصرة بقراتِنـا لهـا في جبهةٍ واحدةٍ ـ خاصَّةً البقرة : زَرِيْـكْ ـ ، فقد كانت تسابق زَرِيْـكْ أخواتها باتجاه الهِراش ، تدافع عـن كلابِ البيت .. فما أن تصل المكانَ ؛ حتى تهاجم على كلاب الخصم ، فترمي بقرونها الحادَّة واحداً بعد الآخر صرْعى .. هنا وهناك .. وتحذو حذوها سائر بقراتنا في فـكِّ الشِّـجَار ، وطرد العدوِّ شـَرَّ طَرْدَة .

ألا ليتَ شِعري .. استفدنا هذه الحكمة من بهيمة الأنعام !..

حَمِيدَيْ عِيسَىْ / من كُفَيْـرْ

EE

كلبنـا الأسـود جـراح

لدى عودتي بعد غياب ثلاث سنوات ، استقبلني كلبُـنا الأسود جـراح في مدخل تحويشـة منزلنا .. حيث أوقفني .. ووضع طرفيْهِ الأماميَيْن على كتفيَّ  وهو يلحس خَدِّي بلسانِهِ .. مع هَمْهَمَةٍ غريبةٍ ، والدمـوع تنهمـر من عينيه مدراراً !..

ليس هذا فحسب ، بل كان يجعل من نفسه حاجزاً أمام باب الغرفة ، لا يسمح بدخول أيٍّ إنسانٍ قبلي .. أو يدخل عليَّ ؛ إلا بعد نداءاتي عليه مراراً .. وقد يصل الأمر أحياناً إلى زجره بقسوةٍ .

اشتهر قول بعض الحسَّادِ من قريتنا ، وهم يقولون : لن تأفل نجم ازدهار إمبراطورية آل حميدي عيسى ؛ إلا إذا تقاتلت كلابهم مع بعضهم البعض !‍..

ماتت الكلاب الثلاثة تباعاً .. في أوقات مختلفة .. موتاً طبيعياً ، ولم يحدث ما كان يتمَنَّاهُ الحاسدون !..

محمد عيسى / كفير

E

 

القِطـَّة الزَّيْتـُونِيَّـة

ابننـا شِـيار .. وليدُ سِتة أشهر .. وقِطَّتـُنا الصغيرة .. الزيتونية اللون لا ترقدُ إلا على صدرهِ ..عند ما يخلو الجوُّ لهما .. وكأنما كانـت تدفئه مِنْ مخاطر البرد ، أو تحميه من أيِّ شرٍ قادمٍ !!.. ومن يدري ؟!. وكم كنا نتعجَّبُ من هذا الائتلاف الغريب من القطةِ تجاهَ صغيرنا .

وزالَ الاسـتغرابُ مع الأيام ، بما لم يكن في الحسـبان ، وما يَـدْريكَ كنهُ مَخْبُوءَاتِ الحياةِ وأسرارُها .. ومفاجآتِها المليئة بالحِكَـم .

تفيق الأمُّ ليـلاً في أحد الأيام ، كما هي عادة أمَّهاتِ الصغار ، لترى حالَ وليدها وحاجاتِـهِ .. فانبهرَتْ لِمَشـْهَدٍ عجيبٍ ومخيفٍ معاً .. حَيَّـة ٌ رَمادِيَّة اللون .. مقطَّعَة إلى خمس قطع متناثرة .. قرْبَ مرقد صغيرها !!.. وقِطَّتـنا تمُوءُ مواءً متوالياً نحونا نحن النائميـن .. وكأنها تستغيث بنا من خطرٍ مُحدِقٍ ..  والشيء الغريب جداًّ ؛ أنها لم تتـرك أثراً لِدَمِ الحيَّةِ المقطعةِ .. مما يدلُّ على أنها قدْ أدَّتْ مهمَّة الدفاع ، ونظَّفتْ ميدانَ معركتها مع الحَيَّةِ .. بلحْـسِ آثار الدماء !!..

إذا نامتْ عيونُ العباد ، فإنَّ عيونَ الله تعالى لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم . فـ : } اُدْعُوا رَبَّكُـمْ تَضَرُّعًاً وَخُـفـْيَةج إِنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ { 55/الأعراف .

حَميدي عِيسي . / وانتهت الحوادث الفريدة /  

الناجحــون

كم كان يَسُرُّنِي ، وأباركُ حظِّي نشوة ؛ إذا التقيـتُ بإنسان ناجح في عمله !!. فأنبهر بشخصه ، وطريقة حديثه ، ومنحى تفكيره .. لعلِّي أقتبس حكمة .

ومِن هؤلاء : أبو شـادي . توثـقت العلاقـة بيني وبينه . فاسـتدرجته بأسلوب غير مباشر .. أستعرض أسباب نجاحه ؛ فقال :

بدأتُ العملَ بالأجرة في دمشق ، وأنا ابنُ تسع سنوات ، فسكنتُ مع قريب لي هناك . ولطالما لقيتُ من زوجته صنوف العذاب ؛ من لسعات خرطومها .. إلى صبِّ الماء الساخن عليَّ . ولا تقف إذاعة شتائمها القبيحة ليلَ نهارَ ..

ثم جاء يوم الفصل ؛ فوضعتْ هذه الزوجة خيارَيْن أمام زوجها ، لا ثالث لهما : [ إمَّا الانصراف عن رعايتي كلياًّ ، أو تركُها الدار له ولقريبه ] .

فاختارَ الكفيل الحَـلَّ الأولَ . ثم كان التنفيذ بالاستئجار في مكانٍ مجهول . عدتُ إلى الدار بعد عناء عملي المضني .. وإذا القوم راحلون !..

جلست في الشارع صغيراً مُشرَّداً ، أندبُ حظي من الحياة تائهـاً .. كيف السبيل إلى مكانٍ يأويني ؟!.

فكانتْ لمْسَةٌ حانية من جار لقريبي ، تسعفني بالمساعدة في استئجار غرفة صغيرة بـ /30 / ليرة ، وهي تعادل نصف أجرتي الأسبوعية .. فاستمررْتُ على العمل بكلِّ جدٍّ ونشاطٍ ، وتحسنت الأحوال ، إلى أنِ استدعيتُ للخدمة العسكرية ، فكان مصروفي مما وفرته من عملي .

وما زلتُ أتذكَّرُ مقولة أحد عقلاء قريتنا : مُسْتُويَي عُمَـرْ  ؛ فقد كان يتنبَّأ ـ على ما أذكر ـ بمستقبل زاهر لي ، بناءً على توَقعاتـهِ من نَمَـطِ تفكيري " وأنا طفلٌ يومئذٍ " ، وأسـلوب تعاملي مع الآخرين ، حتى أن فاتـي السـيدة العجوز ، كانت تشير إليَّ ، وهي تسرد لِمَنْ حولها جملةََ ، كنت قد تفوهتُ بها سابقاً ( إذا أردت إغاظة حُسَّادكَ ، فضَعْ جُلَّ اهتمامِكَ في عَمَلِكَ ) .

وبعد الانتهاء من الخدمة وزواجي ؛ شاركت في السـكن مع عائلةٍ أُخرى

من أُقاربنا ، فلم يتحملونا أكثر من ستة أشهر ، على الرغـم مِنْ أنني دفعت إليهم تكاليفَ بنـاءَ الغرفةِ التي أضيفت إلى دارهم .

فوضعت نصبَ عيني امْتلاكَ سـكنٍ خاص بي .

وجاء المددُ هذه المرة مِنْ رَبِّ العمل ، حيث أسلفَ إليَّ مبلغًا ، أضفته إلى ما ادخرته لشراء بيتٍ لي .

وظل هاجس آخرَ يراودني ؛ لماذا لا أستقل بعمل ما ؟ .

شاركتُ مع زميلٍ لي بفتح محل بيع مقلعات السـيارات ( مَرْشْ ) هي نفس المهنة التي عملت فيها سابقاً ، ثم تبيَّنَ أنه يسرقني ، فبدلت به شخصاً آخر .. فكان همه امتصاصَ السيولة .. فألغيت الشركة معه أيضاً .

وبقيتُ وحيداً في المحل بعدَّةٍ بسـيطةٍ ، وغير قادر على التزوُّدِ بالبضاعة التي يقتضيه أساس العمل .

ويصدُفُ أنْ مَرَّ بي نظاريت ؛ صاحب متجر يستورد البضاعة من ألمانيا . دخل المحلَّ .. وترمق عيناه الوضع الذي أنا فيه .. فطلب مني مرافقته إلى متجره .. وزوَّدني ببضاعةٍ تقدَّرُ بمليون ليرة !!.. وهو مبلغ كبير ، يسلفه لشخصِ مثلي .. ولا أملك سوى محلِ فارغ حتى من طاولة العمل .

بدأتُ العمل في تسعينيَّات القرن الماضي ، ودونما تحديدٍ من هذا الإنسان للدفوعات أو السلف . فامتلأ المحل بالبضاعة ، وازدهرت أعمالي يوماً بعد يومٍ .. وأنا أسدد يومياً إلى نظاريت أثمانَ المبيعاتِ بكلِّ أمانةٍ ، وفاءً لجميله ، وتخفيفاً لعبء دين الرجل . فلم تمضِ ستة أشهر ؛ إلا وكنتُ قد وفيته كاملَ حقهِ .. الذي كان يُعَدُّ خياليَّـاً بين تجـار الميـدان بمدينة حلب . حتى أنهم صنَّفوني الرابعَ ترتيبـاً في المنطقة .. والمحـلُّ يزداد امتلاءً بالبضاعة ، والشهرة تفوق الحدود !!...

وللعظة أقول : بقي شريكايَ الاثنان أسفل السلم تجارياً ومعنوياًُ .

فكانتْ أسبابُ نجاحي :

1ـ  توفيق الله تعالى قبل كل شيء .

2ـ ثم العمل الدؤوب ؛ أن تحبَّ ما تعمل ، لا أن تعملَ ما تحبُّ .

3ـ الصدق في التعامل .

4ـ الابتعاد عن رفاق السوء .

5ـ الأناقة في الملبس والمتجر .

محمد كردي ـ قرية قره تبة

zzz

ما استفدتُ منه طبياً

لمعالجة البثـور والدَّمَامِل : يدهن المكان بزيت الخِرْوَع Castor oil صباحَ مساءَ ، مدة 15 دقيقة ، ويستمر بالعلاج لحين الاختفاء .

( والخِرْوَعُ : نبات ينبت قرب المياه ، يستخرج من ثمره زيتُ الخِرْوَعِ )

للتخلص من الرشح :

إضافة ملعقةٍ من السَّـمْنة الطبيعية إلى كأس من الشاي ، أو الزهورات ، وشـربها .. فيسبِّب الدفءَ في الجسم ، فالقضاء على الرشح . وتكرر العملية حسب الحاجة .

لمعالجة الحروق :

يُعَجَّنُ ( 50غرام ) من دقيق خشب الحُور ، بـ (40غرام ) سمنة طبيعية و ( 10غرام ) لبن . وتدَهَّنُ بهذه المعجونة منطقة الحرق صباحاً ومساءً ...

"

 

تقول الأم : يا بنتي ؛ إن الذي يحصل على الحليب مجاناً ؛ لا يقتني بقرة .                                         

ـ مثل من القارة الأمريكية ـ

من وضع نفسه في موضع التهمة ؛ فلا يلومن أحداً .

!

لو كان بالعمر

عَـمَّ القحطُ والجفاف ولاية حلـب منذ زمن غابر ، فتشـاور القوم في عرض المسألة على الخليفة في الشام .

فشـُكِّل وفدٌ من وجهـاء الناس ، ومعهم ولدٌ نبيهٌ ، لا يتجاوز عمره اثني عشر عاماً ؛ مشهورٌ بفصاحته و حسن بيانه و قوَّةِ حُجَّتِهِ .

واتفقـوا على أن يكون الولـد هو الناطق باسـمهم عند مقابلة الخـليفة ، لما يتميَّزُ بها عنهم من الصفات .

دخلوا على الخليفة في قصره ، وتقدم الولد لعرض الحالة التي يعاني منها الناس في الولاية ، فأشـار الخليفة إلى الولد طالباً منه السكوت ، وليتقدَّمَ مَنْ هو أكبر منه سِـناًّ .

أجاب الولد بحكمةٍ : يا مولاي ؛ لو كان العمر مقياساً ؛ لكان غيرك أولى منك بالترَبُّع على كرسي الخلافة .

استحسن الخليفة نََباهة الولد، فسمح له بالتحدث ، ولبَّى جميعَ طلبات الوفد.

!!!

قدِّمْ عملاً ، وَهَبْـهُ لِوَجْهِ الله

الهَمُّ الأعظم لـ : حسين بكو ؛ مراجعة الإدارات والمؤسسات والشركات سَـعْياً وراء وظيفة . ولم ييأس عن مقصده رغـم الإخفاقات الكثيرة .

وهاهو ذا يغدو لأداء امتحان التوظيف في شركةٍ . وفي الطريق .. يجـد

امرأة مترجِّلة بجانب سـيارتها المائلة .. بسـبب تنفيـس الدولاب الأمامي ، وهي حيْرَى في كيفية التبديل .

فيسائل الشابُّ نفسَهُ .. حيال موقف هذه المرأة اللاَّهِفَـة .. هل يفوت وقت الامتحان إذا أغَثْـتُها ؟! ... وآثـَرَ تبديلَ دولاب سَـيارتها .. إنقـاذاً لها من ورطة الشارع ، ومضى دون أن يتلقى منها شكراً أو ثناءً .

ويأخذه العجـب هذه المرة .. فما أن وصل بابَ القاعة في الشركة ؛ حتى أُدْخِلَ فوراً .. وأُعطِيَ علامـةً ممتازة .. فأجرةً مُرْتفِعَاة .. و طلب إليه العمل منذ اللحظة !!.. لمــــاذا ؟؟؟؟؟ .

لأن السيدة الحائرة التي أسعَفَ سيارتها في الشارع .. هي نفسها صاحبة الشركة ، ورئيسة اللجنة الفاحصة .

طُـرْفـَـة

تَوَقَّفَ صحفيٌّ وبجانبه زوجته على الطريق ، بانتظار عبور قطيع الغنم .

سأل الصحفيُّ زوجته عن عدد الأغنام العابرة .. أجابت على الفور : مئة رأس غنم .

قال زوجها : وكيف عرفت ذلك ؟ .

قالت : عَدَدْتُ قوائمَ الأغنام المارَّة ، فقسمتُ المجموع على أربعة ؛ وكانت هذه النتيجة ! .

+

درستُ حياة العظماء ، فوجدتُ أن الذين صعدوا إلى القمة ؛ هم أولئك الذين قاموا بأداء الأعمال المُسندة إليهم .. بكل أمانةٍ وإخلاصٍ وإتقانِ ، مع بَذْل قصارى جهدهم .

فليساعدنا الله أن على نكون جزءاً من الحل ، لا جزءاً من المشكلة .

 

طـُرْفـَة

قام ملك إنكلترا بجولة في الريف ، فدخلَ مطعماً صغيراً ،وطلب بيضتين .

بعد أن انتهى من طعامه ؛ طلب كلفة ما أكله .

أجابه النادل : جنيهين .

سأله الملك باستغراب : هل البيض نادر في منطقتكم ؟.

أجابه النادل : كلا يا مولاي .. الملوك نادرون .

|||

هذا ما قرأته اليوم 24/8/2004

القلق هو : أكبر محرِّك للإنسان .

مقومات النجاح : العمل الشاق .

التصميم القوي .

يضاف إليها : العمل الذي تحبه .

التكيُّف مع المتغيرات ، والمجازفة بحذر .

قوة الشخصية .

العناد .

صلابة العزيمة .

لا وجود للإحباط في قاموس حياتهم ، ولا .. لِلحُزن ، ولا .. لِلمرارة .

لا تتعالَ على أي عمل يدر نفعاً .

 مختار N 163 1992

أحقر صنف من البشر : هو المستغل للوظيفة في تحقيق أغراضه الدنيئة .

لو كنت ؟

وقف الرقيب أمام فصيلٍِ من العسـكر ، يشـرح لهم الدرس في الفلاة . وأحَسَّ بمرور حجر بمحاذاة رأسه .. فأدار وجهه نحو الفصيل ، ووجه حديثه نحو المشاكس حمو : إنها من أعمالك الشيطانية يا حمو ؟!..

رَدَّ حمو مُدافعاً عن نفسه قائلاً : كلا يا سيدي ، فلو كنتُ أنا الرامي ؛ لاخترتُ حجراً أكبرَ ، ولقذفته بقوةٍ أكثر، ولما أخطأت الإصابة !.

XXX  ـا 15/10/2004 عفرين XXX

 

v

الحية التي أصبحت ملعقة

زينب خاوي من قرية " سينكا " .. أجلست ابنها قدري تحت شجرة الزيتون في موقع " دشتَيْ أوقي خُرَيَْبَة " ، ووضعتْ أمامه صحناً من اللبن وفتاتَ الخبز ، وأسرعت إلى جوقة الحصَّادين تشاركهم  .. ولعناتُ حَماتها تلاحقها على تأخرها من جانبٍ ، وتهمة الخذلان في اهتمام كنتها بطفلها الرَّضيع ..  والتمَلُّص من عبء الحصاد .. كعادة معظم الحَمَوَات ..

بدأت الحصاد بيديها .. وجميع أحاسيسها ومخاوفها عند وليدها قدري !!.

يمضى الزمن ثقيلاً .. وهي تسترق النظرة تِلْوَ الأخرى إلى حماتها .. تنتظر لحظة غفلةٍ منها .

ولما رأتها منهمكة في إنجاز حصتها .. انسحبت بهدوءٍ إلى ولدها ، لتطمئن على مصير اللبن معه وشبعه .. فانبهتتْ جامدةً مِمَّا رأتْ .. يا لَلَهَوْل !!.. رأسُ حَيَّةٍ في يُمْنَـاه .. وهو يغمسه في صحن اللبن أمامه ، ثم يضعه في فمهِ ، يَمُصُّ ما علق به من اللبن !. ويعيد الكرَّة بعد الأخرى .. وكأنما رأسها ملعقة يحسو بها طعامه ، لِيُسكِتَ جوعه !! .. والحية هادئة مِطْواعة في يد هذا الطفل البريء .. يالَلَّــهْ .. سـترك يارب !!.. تلك هي هواجس الأم المشدوهة ..

تعقيب : اكتشفت الأم أن الحيَّة ( بطول ذراع =40/سم تقريبا ) ميِّتة !.. ثم بذلت جهدها في إخراجها مِنْ يد الطفل قـدري ، وهو يتأبَّى عليها .

وقدري اليوم بصحته الجيدة في الواحد والخمسين من عمره .

**

كل عين بلون

دلو خار أحمد من قرية سينكا ؛ عمره الآن ثلاث وعشرون سنة ، له عينان بلونين مختلفين ؛ إحداهما : زرقاء اللون . والأخرى : خضراء .

**


  الشـُّرْشُ العمـلاق

[ تاريخ الواقعة : 1939 ]

قال قيطو : رافقت زميلين : فاضل أوسو علومو ، والوجيه : إبرامَيْ جُلوسِي . ونحن الثلاثة من قرية سِينْكا . ورافقنا وجيه قرية خرَيْبَهْ : أحمَدِي مَنَيْنْ في رحلة صيد السمك من نهر عفرين .

بدأنا الصيد في موقع محاذٍ لقرية بَعْرَافا .. متجهين عكسَ التيَّـار إلى الشرق ، حتى انتهينا بموقع طاحون مائيٍّ قديم : آشِى جاويش أوغلي ؛ المكان الساحر بأشجاره الباسقة ذات الظلال الوارفة ، بجوار بستان معطاء ، مقابل قرية : بَلِي سَانْكَيْ .

وفي هذه الطبيعة الساحرة .. كانت استراحتنا .. وكان العمل في إعداد غدائنا مما صدناه بعرق جبيننا ، وارتأى جمعنا استضافة البستانيِّ المجاور ؛ تكريماً لحرمة الجوار.

جاء البستانيُّ يحمل بطيخَيْن أحمرَيْن .. زنة كلٍّ منهما أكثر من ثلاثة أرطال = 10 / كغ تقريباً . وعندما لاحظ أحمدي مَنَيْنْ قدومَه ؛ بَـشَّ في وجهه شاكراً على هديتِهِ ، وقال : يكفينا واحدٌ منهما كَكُو / يا أخي .

عَقَّبَ البستاني قائلاً : الخير كثير والحمد لله ، وهل تدرون أنني قطفت هذين البِطِّيخَيْن من شرش واحد في بستاني ؟ .. ومازال يحملُ هذا الشرش ثلاثاً وأربعين بطيخةً !!..

ـ تعجَّبَ فاضل أوسو علومو !!.. : ثلاث وأربعون بِطِّيـخَةً في شـرش واحد ؟!.. مُوْ مَعْقول ؟!!.

ـ وأرْدَفَ إبرامَيْ جُلوسِي اسـتغرابه قائلاً : بالله عليـك يا قيطو ، قـُوْمُ وَتَأكَّدْ مِنْ صِدْقِ هذه الأُعْجُوبَةِ !.

قمتُ مع فاضل نُرَافِقُ البستانيَّ إلى المكان يجانب شُجَيْرَةَ التوتِ البَرِّيَّةِ لِنقِفَ على المشهد العجيب :

شرش البِطِّيخ .. ينبسط ممتداًّ لمسافة تسع خطوات من المنبت ، وزغاليل الثمر .. تنتظم كالخرز في عقدها من حجم التفاح إلى الأكبر فالأكبر .. إلى حجمٍ يُوزن خمسة أرطال تقريباً !..

وهل تعلمون " أيها السادة القرَّاء " كم كان عددها ؟؟!! .. 43 ثلاث وأربعين بِطِّيخَةً بالعدد !! .. أليس الله يرزق ما يشاء ، ولِمَنْ يشاء من حيث لا يحتسب .

[ الرطل يعادل 3,250 كيلو غرام في القياس الدولي ]

محمد إيبو الملقب بـ قيطو

                                                           تولد 1921-قرية سينكا

$$

غراب موسى

سمعت هذه القصة ـ وأنا أنتظر عضواً لمجلس محافظة حلب ـ من مستخدم يُدَرْدِشُ مع زميل له بالقصة التالية .

0 جاء غرابٌ يستفسر موسى u عن عقوبة المرء فيما يقترفه من الآثام ، ومدة بقائه في العذاب ؟ .

0 فكان جواب موسى u : إن الله Y يُمْهلُ في إنزال العقوبة ، لكنه لا يهمل الجزاء عليها .

0 ثم تمضي الأيام تَتْرَى ، وفي لحظاتٍ حرجةٍ من مهامِّ بحث الغراب عن الغذاء لفراخه .. ؛ يشاهدُ جمعاً من المصطافينً على ضفة نهرٍ ، وهم منكبـُّون في إعداد غدائهـم .

0 التقطتْ حاسَّة الشمِّ لديه فوَحَانَ اللحم من أسـفله ، فيحَـدِّدُ البصرَ إلى مصدره ؛ فإذا بلحوم شهيةٍ متراصَّة على الشَّوَّاية ..

فتلمَّظتْ حاسة الذوق شديدة ، إضافة إلى تذكُّره فرط الحاجة لصغاره .. فأسكرتْه أحاسيس الجوع وعواطف الأمومة عن كلِّ المخاوف والمخاطر ، فلم يجدْ مناصاً من الهُـويِّ  كالبرق نحو اللحوم الفوَّاحة .. يخطف منها سيخاً بكامله .. مسرعاً به إلى صغاره في العش بأعلى الشجرة .. وهنَّ على أحَرِّ من الجَمْر في انتظاره .. فيلقي بالسيخ أمامها .. ناهضاً بالرجوع الفوري إلى مكان الصيد الوفير ؛ ليعود بسيخٍ آخرَ إلى فراخه .

وما أن عاد إلى عشه ثانية .. ويا للدهشة مِمَّا يرى .. ويا لهول المَصاب !.. العشُّ تلتهمه النيرانًً !.. والفراخ كتلٌ لحمية مشوية !.. لقد خسـر كلَّ شـيءٍ !!!.  

فتنمَّلت أعصابه وتخدَّرت .. وانفلتَ السيخ المخطوف من بين مخالبه .. وهام على وجهه مهموماً .. مُشتَّتَ الذهن .. خائرَ العزيمة .. يعتصر ضميرُهُ ألماً وحسرة وتأنيباً !..

0 وبينما هو غارق في مأساته .. استدركته صحوة مفاجئة .. لماذا لا يعود ثانية إلى موسى u يستنجد به .. مُستغيثاً .. معتذراً .. نادماً على ما أفرط فيه .. بعدم اتعاظه بالحكمة التي علمه إياها . فكان المصاب من جرَّائه .

ولعله يجد عنده مُسَكِّناً لآلامه .. وتكفيراً لجريمته ؛ بالاعتداء على حقوق الآخرين .. فسُرِقَتْ صغاره احتراقاً .. فكان الجزاء من جنس العمل ، بل أكبر منه كثيراً !!.

0 وعندما قابل موسى  u في مسألته ؛ أفاده قائلاً : الجزاء الذي أصابك اليوم " بموت صغارك " هو عقوبة لجريمةٍ سابقةٍ .. أما جزاء فعلتك الشنيعة مع المصطافين على النهر ..  فلم تَحِـنْ أوانه بعد .. وسيأتيك .. ؛ لأن الله تعالى يُمْهـل .. ولا يُهمِـل .. فهل تعلمت معنى الحكمة الإلهية ؟؟!! .

`

تزوج يا بني ؛ فإن وُفِّقـْتَ .. أصبحت سعيداً ، و إن لم يسعفك الحظ أصبحت فيلسوفا ً.

برناردشو

`

كذلك نبيع أكياس الحمام

بعد أن ابتاع علبة الدخان من الدكان ، فتح العلبة ، وسحب منها لفافة ليولعها . لفت البائع نظره إلى اللوحة المعلقة على الحائط ؛ في منع التدخين داخل المتجر .

امتعض الشاري ، وردَّ بعصبية : ولماذا تبيعونه ما دمتم تمنعون شربه في المتجر ؟.

أجاب البائع بهدوء : كذلك نبيع أكياس الحمام ! .

:

من نفس العمر

 بعد أن أتم الطبيب معاينة مريضه فال معقباً : إن الآلام التي تعتري ساقك اليمنى ؛ يعود سبَبُها إلى العمر .. وأنت جاوزتَ الستين من العمر .

رد المريض قائلاً : إن عمر ساقي اليسرى .. نفس عمر ساقي اليمنى ، فلماذا تؤلمني اليمنى وحدها ؟!.

;

 

أعظم هدية تتمناها لطفلك هي حب الاطـِّلاع .

;

هناك كثير من الأشـياء أهَـمُّ من المـال ، وكل واحـدٍ من هـذه الأشـياء يتطلب مـالاً .

مارك توين

l

سـنونـو والــدي

اعتاد والدي " رحمه الله تعالى " اتخاذَ مجلسه تحت شُرْفَةِ بيتنا " بَرَنْدَا " ، حيثُ الظلُّ والبرودة صيفاً ، وقد عشَّشَ السنونو في زاويةٍ علويَّةٍ منها .

ولطالما كان يراقب ـ في خَلَوَاتِهِ ـ مُجْرَيَاتِ الطائر في عشهِ وحركاته .. وسقوط المخلَّفات . ولاحظ خلال أيام طويلة مكوثَ الأمِّ فتراتٍ طويلة داخله ؛ مما ينبئُ عن حضانتها للبيض . ولم تمض أيَّام ٌ ؛ حتى سُمِعَتْ زقزقاتُ الفراخ .. وتعالت مع الأيام دلالة على بلوغها مرحلة الاعتزال .

وفي يوم من الأيام الخوالي ، وهو مضطجعٌ على ظهره .. مُرْتكناً على وسادته كعادته ؛ لاحظ أنَّ الأمَّ تدفع صغارها بلطفٍ خارجَ العش الطينيِّ من فتحته الجانبية .. وتتأبَّى الصغارُ خروجَها ؛ وهيَ مرتجفة ترفرف أجنحتها .. وكأنها تتدرَّب " بفطرتها " على الطيران الآيل قريباً .

وعندما رأت الأمُّ بلوغَ فراخها المرحلة الحاسمة ؛ يلاحظ والدي دفعَها لفرخةٍ إلى خارج العش ، فتخفق أجنحتها طائرة في الجو مسافة قصيرة ، ثم تكرُّ راجعة إلى المدخل الطارئ من جديد .. دون أيِّ ممانعة من الأمِّ .

واستمر هذا التدريب عدة أيام ؛ وكأنما كانت الأم تختبرُ إمكانيات فراخها . حتى إذا ما وجدتها كاملة النموِّ والنضوج ؛ بدأت تخرج الفرخة تلو الأخرى ، وتغلق بجسمها الفتحة الجانبية ؛ لتقطع أملها بالعودة ثانية ، فتضطرُّ إلى البحث عن مأوىً خاصٍّ بها ، والفراق النهائي عن مكان ترعرعها ، بعد أن قامت بدورات تدريبية تحت إشراف الأم وثقتها .

وهكذا علمت السنونو الجيل الجديد على الطيران أولاً ، والاعتماد على نفسها بتكوين ذاتها ثانياً ...

وحريٌّ بنا " نحن البشر " أن نحذوا حذوَ السنونو في تربية أولادنا .

▒░▒

 

 

 

المقدمـة

إن ألذ ما وجدت في حياتي هو : المطالعة .. ولو كانت في قطعة من جريدة ملقاة على حافة الطريق .. ألتقطها .. أقرأها .. وأجهد دماغي لاعتصار فكرةٍ .. حكمة .. طرفة .. في أيِّ مكان منها .. حتى آتيَ على آخرها .

عندما كنت أرتاد مطعماً شعبيا ، التي كانت تفرش " عادة " طاولاته بصفحات الجرائد القديمة ، بدلاً من الشراشف الأنيقة في المطاعم الراقية .. فكم كنت أتلذذ بقراءتها قبيل تقديم الوجبة المطلوبة ، إضافة إلى استراق العين للقراءات تحت العناوين البارزة ، غير مكترث غالباً بشهية الطعام ، كما اشتهي الوجبة الفكرية ..

ولهذا السبب ؛ كنتُ متهماً " من والديَّ " بهزال في بنياني الجسدي .

كان عام 1965/1966 نقطة تحوُّلٍ في حياتي .. حيث اجتزت المرحلة الابتدائية ( بنجاح 3 من أصل 17 طالباً في مدرسة قريتنا برمجة  الابتدائية ) ، وهي نتيجة عالية في ذلك الزمن .

ويعود الفضل في ذلك إلى معلم فلسطيني ، درَّسَنا خلال سنتين ، فضرب أروع مثال في الوجدان الحيِّ .

ثم انتقلت إلى مدينة حلب لإكمال دراستي . وسكنتُ مع عمي الأعزب . الذي كان هاوياً للمطالعة ، فكنت انتهز فترات غيابه عن البيت ، لأتناول  أيَّ كتابٍ يطالعه ، حتى أنهيَه .

وكم أتذكر باعتـزاز ؛ تلك الجمعة الرائعـة ، التي أمضيتها في قراءة رواية " الأرض الطيبة " لمؤلفتها الأمريكية " بيرل باك " . التي كان عمي قد استعارها .. فأجهزت عليها اليوم كله ، دونما التفات إلى الطعام أو الشراب ، وبلا توقف .

وتوالت الأيام على هذه الوتيرة ، والخواطر تتوافد على فتراتٍ ، هنا وهناك ، تشعرني بارتكاب الخطإ في عدم تدوين تلك الأفكار .. والحِكَمِ .. والعبر .. ؛ التي قد تكون ذخيرة تجنبني الوقوع في الأخطاء ذاتها ، مستفيداً منها في تنوير دربي ، وتميزني عن الأمي الجاهل .

ـ ثم تطورت الفكرة من جديد : ولمـاذا لا أترك موروثاً ثقافياًّ لأولادي ، يستعينون بها في اجتياز مسالك حياتهم على بصيرة ، وتأخذ بيدهم إلى سلامة العمر نسبياًّ .

ـ وجاءني الإلهام أخيراً : ألا تحب الناس جميعاً ! .. فلتكن الفائدة للجميع ، كما استفاد الخلفُ من عصارة أفكار السلف ..

وها قد بدأت بالعمل المتواضع ، أقدمه إليك عزيزي القارئ ، أمَلاً  في الفائدة المرجوة .

    حلب في /26/3/2004                      المهندس

                                          محـمد مجيـد حنـان

  

========================

========

هي نفسها

في التاريخ العربي قصة حبٍ كبير ، جمعت بين جميل من قبيلة العذرة ، وبثينة ابنة عمه ، خلدها التاريخ حتى كُنيَ الشاعر ببثينة ، من كثرة أَشعاره فيها .