( الحلقة العاشرة )
الصحّة أولاً
تقول الحكاية :
إنّ فلاحاً من ريف حلب، قصد مدينة حلب في أواخر فصل الخريف، بعدما أنهى أعماله وباع محصوله، لشراء حاجيات أسرته لموسم الشتاء، كما كان الفلاحون يفعلون قديماً ، إذ لم تكن المواصلات ميسّرة في كل وقت وبخاصّة أيام الشتاء ، كان ذلك في أواخر أربعينيات القرن العشرين .
وتجوّل الرجل في أسواق المدينة الكبيرة،وهو يشتري ما نوى في نفسه أن يشتريه ، وما أوصاه أهل بيته بشرائه ،وحين انتصف النهار وشعر الرجل بالجوع، أودع ما اشتراه عند صاحب محلّ يعرفه، أمانة لوقت سفره، وقصد باب الفرج، ليأكل اللحم المشويّ " الكباب "، فمن كان يأتي إلى مدينة حلب ولا يأكل " الكباب "، فكأنه ما دخلها ولا زارها، هذا كان معروفاً في ريف حلب ، وبخاصّة فاللحم المشويّ لا يتوفّر في الريف إلا في أوقات خاصّة جداً .
ونعود لحكايتنا لنكمل قائلين :
إنّ الرجل دخل مطعماً من مطاعم باب الفرج، وكانت كثيرة يومذاك،وطلب من صاحب المحلّ أن يشوي له " كيلو غراماً "من " الكباب "، وأن يحضر معه " كيلوغراماً " من الخبز،و"كيلو غراماً " من اللبن ، وما يضعونه بعد ذلك من الخضر و"السلطات" وغير ذلك .
وجلس صاحبنا على طاولة منتظراً إعداد ما طلب، وما هي إلا دقائق قليلة حتى وضع أمامه ما طلب ، والنادل يسأله :
هل ستأكل أم ستنتظر رفاقك ؟
سأله النادل سؤاله، لأنه كان معروفاً أنّ الرجل العادي لا يتجاوز ما يستطيع أكله من " الكباب " مقدار ربع الكيلو غرام ، ولكنّ صاحبنا الفلاح لم يلتفت إلى سؤاله ، وانكبّ على الطعام الذي وضع أمامه ، وراح يأكله بشراهةٍ شديدةٍ ، غير آبهٍ بصاحب المطعم والنادل ومن فيه ، وهكذا وبسرعة أتى على ما أمامه، ثم أردف ما أكل بكأس ماء بارد شربه ، ثم مسح فمه بيده وهو يقول:
الحمد لله الذي أطعمنا وأسقانا .
وكان في المطعم وعلى الطاولة المقابلة لطاولة الفلاح المذكور، رجل مدينيّ ذو مظهر أنيق، وأمامه صحن صغير ، فيه " قطعتان ( سيخان ) من " الكباب " لا يتجاوز طولهما وحجمهما طول وحجم قطعة واحدة ( سيخ واحد ) من التي أكلها الفلاح صاحبنا ،وكان الرجل ينظر إلى ما أمامه ساهماً لا يأكل ، وهو ينظر إلى الفلاح صاحبنا الذي كان يلتهم ما أمامه بإعجاب كبير ،وحين انتهى صاحبنا من الأكل ، لم يشعر إلا والرجل المدينيّ الأنيق ذاك ، يأتي إليه حاملا صحن طعامه ، ويضعه أمامه ويجلس إلى طاولته وهو يقول :
أرجوك يا أخي أن تأكل هذا أيضاً .
وللحقيقة فإنّ صاحبنا الفلاح لم يكن قد شبع تماماً ، لذا لفّ ما قدّمه له الرجل بنصف رغيف، والتهمه شاكراً حامداً.
حين انتهى صاحبنا من تناول ما قدّمه له الرجل المد ينيّ ، التفت هذا إليه وقال له :
اسمع يا أخي الكريم ، أنا رجل مقتدر ماليّاً، ولا تؤاخذني إذا قلت لك إني أمتلك ما يساوي وزنك ذهباً ،ومع ما أملك لا أستطيع تناول " سيخين من الكباب " ، وذلك لمرض في معدتي أعاني منه ما أعاني ، فاحمد الله يا هذا على الصحّة التي تتمتّع بها .
قال الفلاح يجيبه :
أنا أحمد الله كثيراً يا أخي ، وأحمده دائماً على نعمه الكثيرة جداً ، وليكن في علمك أنّي ومع هذه الصحّة التي أتمتّع بها ، لا أقدر على تناول " الكباب " لأنّي لا أملك ثمنه دائماً ، فسبحان الله الذي حرم عباده من الطيّبات بطرق مختلفة .
قال الفلاح ذلك ربما مواسياً ، ولكن الرجل المدينيّ جاوبه قائلا :
ومع ذلك فلسنا متساويين يا أخي، وأتمنّى أن أكون بصحّتك ولا أملك شيئاً .
ـــــــــــــــ
الوجه الأبيض
( الحمد لله الذي بيّض وجهنا مع شريچنا )
تقول حكايتنا التي استمدّت أحداثها، من" الشراكات" التي كانت تتم بين تجّار مدينة حلب، وبين أهل الريف من بدو وحضر، فقد كان التجار الحلبيّون ينوّعون مصادر دخلهم ، وذلك اتّقاءً لعاديات الأيام ، وعلى مبدأ أن لا يضع المرء بيضه كلّه في سلّة واحدة :
شارك حلبيّ بدويّاً جاء إليه في الخان الذي يمتلكه ،وطلب منه أن يشتري له قطيعاً من الغنم، ليأخذه ويرعاه في البادية، مقابل نصف إنتاج القطيع ،من خراف وصوف و سمن وأجبان ،وكان الحلبيّ راغباً في مشاركته ،فاشترى له عدداً محدوداً من النعاج،وسلّمها إليه داعياً له بالتوفيق ، وهو فعل ذلك ليجرّبه، وهل هو أمين أم لا ؟وبالتجربة يتعرّف الإنسان إلى الرجال وأماناتهم ، وإذا أظهر الرجل وفاء وأمانة ، عندها سيرفد قطيعه بالكثير .
وهكذا مضى البدويّ الشريك بالنعجات التي دفعهنّ إليه شريكه الحلبيّ ، وغاب عاماًَ كاملا، ليعود وهو يسوق عدداً من الخراف، ويحمل على جملٍ حملا من صوف، وعلى جملٍ آخر وعائين من سمن ،وقدّم كل ذلك لشريكه الحلبيّ وهو يقول :
تفضّل يا شريچي ( شريكي) ، هذه حصّتك ونصيبك، هي أمانة عندي وقد أوصلتها إليك سالمة ، الأمانة غالية ياشريچي .
وفرح الشريك الحلبيّ كثيراً،فهاهو شريكه البدويّ قد أثبت وفاءه وأمانته، وهاهو قد عاد إليه بحصّته من إنتاج النعجات القليلة التي اشتراها له، وهي تكاد تساوي نصف ما دفع فيها من نقود.
ولهذا كله استقبل الحلبيّ شريكه البدويّ بترحابٍ شديد، واستضافه في بيته يوماً بل يومين، وهذا تكريم لايناله إلا المقرّبون جداً من الشركاء، وقبل أن يغادر الضيف الشريك، كان الحلبيّ قد جمع ما عنده من مال، وأضاف إليه مصاغ زوجه، ومصاغ شقيقاته، وهو يمنيّهنّ بربحٍ وفيرٍ في العام القادم ،يؤمّن لهنّ ما بذلنه من حصّتهنّ من الأرباح فقط ،وقد اشترى بكل ذلك قطيعاً كبيراً من النّعاج وما يلزمهنّ من كباشٍ ، دفعهنّ إلى شريكه الأمين، وهو يقول له :
اذهب يا شريكي الأمين ، ولترافقك السلامة . كان الرجل قد صدّق أنه أمين ، بل أمين جداً .
وذهب البدويّ بالقطيع الكبير،ومضى عامٌ ولم يعد ،ومرّ عامٌ ثانٍ، وقد لعب الفأر بعبّ الشريك الحلبيّ، ولم يعد ،وراح الشريك الحلبيّ إلى البادية القريبة يسأل عنه ، فقيل له :
قد أوغل في عمق البادية . فعاد مهموماً لا يدري ماذا يفعل غير الانتظار .
ومرّت على غياب البدويّ أعوامٌ أربعةٌ،أعوامٌ أربعةٌ قضاها الشريك الحلبيّ وهو يتقلّب على الجمر ،ويوماً وبعدما أغلق الرجل " خانه " وعاد إلى بيته، وهو يفكّر ويقلّب الأمور على وجوهها، ولا يجد حلا لما هو فيه ، وبينما هو في بيته يداري همّه، إذ بالباب يطرق ، وإذ بالشريك البدويّ على الباب ، وبيده علبة لبن .
وفرح الحلبيّ كثيراً ،ورحّب بشريكه ترحيباً مشوباً بشيء من العتب،وأدخله البيت متلهّفاً لسماع أخبار القطيع ،ولكنه فوجيء بالحزن الذي أبداه شريكه، وفوجيء بالأخبار التي نقلها إليه وهو يسردها متتالية :
والله يا"شريچي" وجهي أسود منّك،عشرين ثلاثين نعجة جلاهن الذيب ( أكلهنّ الذئب) ،عشرين ثلاثين نعجة " ماتن " ( ماتت ) من الصكيع ( الصقيع ) ،ثلاثين أربعين وحدة " ماتن فطيس بالشتا اللي مظى " (نفقت في الشتاء الماضي ) ، وجم ( كم ) وحدة ماتن ( ماتت ) من الجوع لمّن ( لمّا ) أثلجت ( وعدد منهنّ نفقت جوعاً حين أثلجت الدنيا ، وهيج ( وهكذا) يا شريچي جيتك ايد من ورا ، وايد من جدّام ( جئتك فارغ اليدين،ألوّح بيديّ أمامي وخلفي ) .
وسمع الحلبيّ كل ذلك وهو يكاد يتميّز من الغيظ ،وحين وصل البدويّ إلى نهاية الأخبار المحزنة التي سردها ، التفت إليه وسأله قائلا :
ومن أين جئت بعلبة اللبن هذه ، وقد فقدت القطيع كله ؟
أجاب البدويّ:
قلت لنفسي من المعيب أن آتي لعندك ويدي فارغة بعد كل هذه الغيبة ، لذا طلبت هذه العلبة من جيراني وجئت بها .
وبهدوء حمل الحلبيّ علبة اللبن ودلقها فوق رأسه وهو يقول له :
خذها لا أريدها .
وبهدوء شديد راح البدويّ يمسح وجهه مزيلا عنه اللبن وهو يقول : الحمد لله الذي بيّض وجهنا مع شريچنا ، الحمد لله الذي بيّض وجهنا مع شريچنا.
ـــــــــــــ
الحاج محمد الحلبي
( الذي من باب النيرب )
باب " النيرب " بابٌ من أبواب حلب القديمة ،وعليه وباتجاه الداخل نشأ وامتد حيّ حلبيّ عريق سمّي باسم الباب، فقيل حيّ " باب النيرب "، وهو حيّ مفتوح باتجاه البادية ، ويعمل ناسه في الأعمال التي تخدم البدو ، فهم يستقبلون نتاجات البادية من الأغنام ومنتجاتها ، وكذلك من غير الأغنام من قطعان البادية ، ويبيعون البدو حاجياتهم من لباسهم وحاجيات قطعانهم ، كما يشاركونهم في القطعان ، إذ يقوم تاجر حلبيّ ما بشراء عدد من النعاج وتسليمها لأحد البدو الذي يتوسّم فيه الأمانة ، ويدفعها إليه ليرعاها عاماً كاملا مقابل نصف إنتاجها ، وتظلّ الملكية محفوظة له عدداً معيّنا من السنوات يتم الاتفاق عليها .
وهكذا وكغيره من التجّار قام الحاج محمد صاحب الخان المعروف في باب النيرب، بمشاركة أحد البدو ، ونمت شراكتهما وصارا صديقين شريكين، بعدما كانا شريكين فقط ، وذلك لصدق البدويّ وأمانته الكبيرة .
ويوماً من أيام الربيع ، جاء شريك الحاج محمد إليه، وأصرّ عليه لمرافقته إلى البادية ، ليستضيفه أياماً يطّلع خلالها على حال قطيعه ، وقبل هذا كله ، ليمتّع ناظريه بمناظر الطبيعة الخلاّبة في فصل الربيع .
وهكذا وبعد إلحاحٍ ، خرج الحاج محمد مع شريكه إلى البادية، حيث مكث أياماً قليلة في ضيافة شريكه معزّزاً مكرّماً ، وزيادة في تكريمه أرسله مع ابنه الشاب ( حسن) ليتجوّل في ربوع البادية ، وليرى الحلال في المرعى أيضاً .
وخرج الحاج محمد وحسن ابن شريكه، راكبين فرسين أصيلتين ،وأوغلا في البادية حتى لم يعودا يشاهدان خياماً أو غيرها مما يشير لوجود البشر، وشعر الحاج محمد بالعطش بعدما نفد الماء منهما ، وبعد قليل لمحا من بعد خيمةً متطرّفةً ، فأسرعا إليها مستبشرين ،وحين وصلاها برزت لهما فتاة حسناء ، أحسنت استقبالهما،وأسقتهما ماءً عذباً أدخل الطمأنينة إلى قلب الحاج، وطلبت منهما النزول في ضيافتهما ، ولكنهما اعتذرا لأنهما مستعجلان ، وقبل أن يمضيا سأل الشاب حسن الفتاة :
مااسمج ( ما هو اسمك ) ؟
ردّت : اسمي في مقبض سيفك .
فقال لها من فوره :
أهلا بك يا فضّة . (لأن مقبض سيفه كان من الفضّة ) .
ثم سألته الفتاة :
وأنت ما اسمك ؟
قال لها الشاب على طريقتها :
اسمي في وجهج ( في وجهك ) .
فقالت من فورها :
أهلا بك يا حسن . لأنها كانت حسناء .
وبعد ذلك التفتت الفتاة إلى الحاج محمد وسألته :
وأنت ما اسمك يا عم ؟
وقال الحاج محمد من فوره :
أنا هذا " الأكل هوا " وهذا الّلف والدوران لا أعرفه ، أنا الحاج محمد من باب النيرب ، من فصت (وسط) حلب .
ـــــــــــــ
قطّ ترمانين
وترمانين بلدة صغيرة من أعمال حلب، تقع جنوب جبل الشيخ بركات ، ومنها تخرج حكايتنا التي تقول :
في أسرةٍ فقيرةٍ من أسر" ترمانين" ، وكان الناس كلهم فقراء في تلك السنوات البعيدة من أربعينيات القرن العشرين ، في تلك الأسرة الفقيرة ،عاش أبٌ وأمٌ وأولادهما السبعة في بيت بسيط لا يكاد يسعهم ، وفي تلك الأسرة قام الأولاد بإيواء قطٍّ أحمر كبير ،وأقاموا معه ألفة بل وصداقة، وراحوا يطعمونه مما يأكلون ، ويلعبون معه كثيراً ، وكان هذا مبعث قلق الأم وخوفها على أولادها منه ، وبخلا بالطعام الذي يطعمونه إياه، لأن حالتهم كانت بائسة .
ولكل ما سبق، أمسكت به يوماً ، ووضعته في كيس أغلقته عليه جيداً،وأعطته لرجلٍ كان ذاهباً إلى" دارة عزّة "القريبة ، ليطلقه هناك ، فيتوه ولا يعرف العودة ، وهكذا تتخلّص منه .
وقضى الأطفال أياماً قليلةً حزانى على قطّهم الذي أبعد عنهم كرهاً ، وبعد ما يقارب الأسبوع ظهر بينهم وراح يتحسّسهم واحداً واحداً، فرحاً بهم مثلما فرحوا به واحتضنوه ، ولكن فرح الصغار لم يدم طويلا ، إذ أنّ أمهم أمسكت به من جديد بعد أيام قليلة ، ووضعته في كيس كما في المرّة الأولى، وأعطته لرجلٍ ذاهب إلى" حلب "، وطلبت منه أن يطلقه هناك ، أملا منها في عدم عودته ، فـ "حلب" بعيدة ، وهو لن يعرف طريق العودة منها إلى "ترمانين " .
ومن جديد جلس الصغار حزانى غاضبين ، ومن جديد ارتاحت المرأة أم الصغار أياماً من القط اللعين، ولكن فرحها لم يدم طويلا ، إذ بعد مرور حوالي أسبوعين، ظهر قطّ العائلة الأحمر، يمشي متثاقلا، ويتحسّس الصغار بجسمه الذي بدا نحيلا ، واحتضنه الصغار، وفرحوا به كثيراً، ورجوا أمهم أن لا تبعده من جديد ، فهزّت برأسها وكأنها توافق على طلبهم، وفي الحقيقة كانت تنوي غير ذلك ، ولذلك اغتنمت فرصة سفر أحد رجال القرية بعيدا ، إلى بلدة " دير حافر" الواقعة جنوب حلب وعلى مبعدة منها كثيراً ، فأمسكت بالقطّ في غفلة من أولادها ، ووضعته في كيس ، وطلبت من الرجل المسافر أن لا يطلقه إلا في " دير حافر " نفسها ، وارتاحت وتنفّست الصعداء بعدما ذهب الرجل ، ظانّة أن القطّ الأحمر اللعين لن يعود هذه المرّة أبدا .
وجلس الصغار حزانى،فقد عرفوا أن قطّهم الجميل لن يعود هذه المرّة ، ومرّت عليهم أيام لم يأكلوا فيها طعاماً حزناً عليه،ولكن ومع مرور الأيام نسوه،وعادوا للعبهم وحياتهم العادية .
ومرّت الأيام ، ذهب الصيف وجاء الخريف، وبدأت البرودة تغزو الناس والبيوت في الأمسيات ، ولم يعد الصغار يتذكّرون قطّهم الأحمر الجميل إلا فيما ندر ، كانت قد مرّت شهور ثلاثة وربما أكثر على رحيله القسريّ .
ويوماً وعند المساء،وبينما الصغار جالسين متحلّقين منتظرين أمهم لتضع لهم طعام العشاء ، سمعوها تصيح بغضب :
هل عدت من جديد ؟
ونظر الصغار إلى حيث تنظر أمّهم ، فرأوا قطّهم الأحمر الجميل واقفاً بالباب، ينظر إليهم بمودّة ومحبّة ، وشاهدوه يحوّل نظره إلى أمهم التي زجرته، وينظر إليها نظرات ناريّة، ثم رأوه يتقدّم نحوهم ببطء وتثاقل، كان هزيلا جداً ، وكان الضعف والنحول باديين عليه كثيراً ، ومع ذلك تقدّم منهم ، وراح يتمسّح بكل واحد منهم بمحبّة وحنان شديدين، وبعدما انتهى منهم ، سار نحو الباب بهدوء، وقبل أن يخرج نظر إلى الأم نظرات ناريّة عاتبة ، وخرج ولم يعد بعد ذلك .
ــــــــــــــ
الّلقيـــة
تقول الحكاية :
في فجر أحد الأيام، خرج رجل حلبيّ من بيته في حيّ " السفّاحية " بحلب ،قاصداً الجامع الكبير ( الجامع الأمويّ ) كما يسمى أيضاً،لتأدية صلاة الفجر، لم يكن يدري ما الذي دفعه للتوجّه لذلك الجامع في ذلك اليوم، لأنه كان يؤدّي صلواته دائماً في الجامع الملاصق لبيته، حدث ذلك في بدايات القرن العشرين ، وكانت الدولة العثمانية لا تزال حاكمة .
وهكذا مضى الرجل في طريقه، مجتازاً الشارع الرئيسيّ المؤدّي للجامع الكبير،ولا يدري كيف عثرت قدمه بشيء ما ، فنظر ووجد صرّة غير واضحة المعالم، فقد كان الضوء لا يزال شحيحاً، ومدّ الرجل يده فرفع الصرّة إليه ، وتحسّسها فوجدها ثقيلة ، وحين فتحها وجد بداخلها ليرات ذهبية، فأعاد صرّها، ومضى إلى الجامع فصلّى خلف الإمام ، وبعد الصلاة عرض الأمر على الإمام، وسأله ما عليه فعله ؟
وبيّن له الإمام ما عليه قائلا :
عليك أن تعلن على الناس أنك وجدت مالا ، وأن من فقده عليه أن يعطيك إشارةً تثبت صحّة ادّعائه، فإذا جاء من أعطاك الأوصاف الصحيحة لما وجدته ، أعدت له ماله .
ـ وإذا لم يظهر أحد يا شيخي ؟
ـ تنتظر عاماً كاملا ،وبعدها تتصرّف بالمال بما يرضي الله .
ومرّ عامٌ كاملٌ، ولم يظهر صاحب المال ،وقرّر الرجل التصرّف به ،وكانت به حاجة ، وليصرف منه على نفسه بوجهٍ حلال،قام بإدخال غرفة من بيته الملاصق للجامع الذي في حيّه بالجامع،وجعله مكاناً لوضوء للمصلّين فيه ، وكان ذاك الجامع ، بدون مكان للوضوء،ثم بدأ يصرف من المال على حاجته ، وعلى المحتاجين والمساكين ، وفي وجوه الخير عموماً .
ومرّ عامٌ ثانٍ ،ويوماً والرجل في بيته وقد نسي موضوع الصرّة ، قرع عليه الباب، ولما فتحه وجد رجلا سلّم عليه، وطلب منه السماح له بزيارته، وبعد الدخول والسلام قال له :
لقد سافرت منذ عامين إلى خارج حلب في تجارة لي،وحين تفقدّت مالي في المكان الذي ذهبت
إليه ، وجدته ناقصاً مئة ليرة ذهبية رشاديّة، وكانت مصرورة في منديل مثل هذا المنديل. وأخرج له الرجل منديلا مدّه إليه ،وأضاف :
كنت في الغربة،وفقدت الأمل في العثور على مالي ، وحين عدت ورويت لمن حولي الخبر ، قالوا لي أنك عثرت على مالٍ ما، فيا أخي إذا كان ما عثرت عليه مطابقاً لما فقدت ، فأرجو أن تعيد لي مالي .
وفوجيء الرجل الذي عثر على تلك الّلقية ،فوجيء تماماً ، ولم يدر ما يقول ، فالرجل قد أعطاه وصفاً دقيقاً لما عثر عليه، وهو صاحبه لا شكّ في ذلك ، ولكنه كان قد تصرّف بالمال، فماذا عليه أن يفعل ؟ وبماذا يجيب ؟
ولم يفكّر الرجل طويلا ، فالحقّ أحقّ أن يتّبع ، ولذلك قال لصاحب المال :
وصفك مطابق لما عثرت أنا عليه ، وأرجو أن تمهلني ثلاثة أيام لأردّ لك مالك .
وهكذا وجد الرجل نفسه في ورطةٍ كبيرة، فهاهو قد وعد صاحب المال بردّه بعد ثلاثة أيام، وهو لا يدري كيف وعده بذلك ؟ ومن أين سيأتي بمئة ليرة ذهبية رشادية بعد ثلاثة أيام ؟
وراحت الهموم تتكوّم على كتفي الرجل وتتزاحم ،وراح يفكّر في الأمر في صحوه ومنامه، يفكّر بوجوب ردّ الأمانة لأهلها، ولكن كيف ؟ وهو لا يملك من المبلغ شيئاً !
ومضى يومان وجاء الثالث، وهموم الدنيا كلها قد تلبّست الرجل ، ولم يعد يدري أنائم هو أم يقظان ، ولم يعد يدري أأكل أم لم يأكل ، بل ما كان يشعر بجوع أو عطش ، وقبيل فجر اليوم الثالث ، وما كادت عينه تغفو قليلا، حتى هبّ يستغفر الله ويشكره ، مصدّقاً ما رآه أثناء غفوته وغير مصدّق، فأعاد استغفاره وشكره لله ، وتمدّد من جديد ليغفو قليلا منتظراً الصباح ، لعلّ فرجاً من عند الله يريحه ، وللمرّة الثانية وبعدما غفت عينه قليلا، هبّ وهو يستغفر الله ويحمده ، مصدّقاً ما رآه أثناء نومه وغير مصدّق ، وبعد قليل عاد للنوم من جديد فوجد الحلم نفسه للمرّة الثالثة ، فأفاق وجلس يفكّر فيما رآه ثلاث مرّات متتالية ، وكانت الصورة لا تزال ما ثلةً أمام عينيه ، كان قد شاهد رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام واقفاً أمامه وهو يخاطبه :
اذهب إلى كنيسة "الشيبانيّ " ، وستجد هناك عابداً زاهداً هو فلان، فبلّغه سلامي وقل له رسول الله محمد يقرؤك السلام ،ويقول لك ،أعطني مئة ليرة ذهبية رشادية، لأؤدي الأمانة التي بذمّتي .
وفكّر الرجل وفكّر فيما رأى، وحين سمع آذان الفجر ، قام وتوضأ وذهب فصلّى في المسجد منتظراً الصباح ، وقد قرّر أن يذهب حيث طلب منه الرسول الكريم أن يذهب ، فقد قيل أمامه غير مرّة ، أن رؤية الرسول في المنام تكون رؤية صحيحة ، لأن الشيطان لا يستطيع أن يتمثّل صورة الرسول الكريم .
وانتظر الرجل حتى ارتفعت الشمس في كبد السماء، ومضى إلى كنيسة "الشيبانيّ "ليقابل العابد الزاهد كما طلب منه ، وهناك سأل عنه فدلوّه إلى غرفة ،وجد فيها شيخاً ثمانينياً، تغطّي لحيته البيضاء نصف صدره ، وهو يسبّح الله مقلّباً حباّت "سبحة " بين يديه ، فتقدّم منه وسلّم عليه وقال له :
رسول الله محمد يقرؤك السلام ، ويقول لك أعطني مئة ليرة رشادية لأدفع الأمانة التي بذمّتي .
ووضع العابد الزاهد يده قرب أذنه وصاح كمن لم يسمع شيئاً :
ماذا قلت ؟
ـ قلت رسول الله محمد عليه صلوات الله ، يقرؤك السلام ويقول لك أعطني مئة ليرة رشادية ، لأؤدي الأمانة التي بذمّتي .
ـ نعم ؟ ماذا قلت ؟
ـ قلت رسول الله محمد يقرؤك السلام ، ويقول لك أعطني مئة ليرة رشادية ، لأدفع الأمانة التي عليّ دفعها لصاحبها .
ـ نعم أعد ما قلت .
والتفت الطالب نحو الباب يريد الخروج ، فهذا الذي جاء إليه طالباً الفرج، عجوزٌ أطرشٌ لا يسمع ، وهو لا يكاد يفهم ما يقوله ، وأيّ قولٍ إضافيّ لا معنى له .
ولكن وقبل أن يخرج الرجل طالب المال ، ناداه العابد الزاهد قائلا :
عد يا ولدي ولا تغادر ، فأنا سمعتك وأسمعك جيداً ، ولكني أستزيدك لأسمع قولك أن رسول الله محمد يقرؤني السلام ، فهذا أمر عظيم أفرحني بما لا يمكنك تصوّره ، و والله لو أعدت ما قلت عشر مرّات ، لأعطيتك عن كل مرّة مئة ليرة رشادية، فمن جاءك جاءني أيضاً يا أخي في الله .
قال طالب المال :
ياسيدي أنا لا أطلب غير مئة ليرة فقط ، وكل همّي أن أؤدّي الأمانة التي بذمّتي .
ـ حبّاً وكرامة .قالها العابد الزاهد القسّيس في" كنيسة الشيبانيّ "، ومدّ له يده بصرّة فيها ما طلب.
ــــــــــــــ
الأسدي وعبدالناصر
( وتعريب أسماء القرى الحدودية شمال سورية )
روى لي هذه القصّة الحكاية أو الحادثة ، المرحوم خير الدين الأسدي ، صاحب موسوعة حلب المقارنة، في عام 1968م وكنا معاً ندرّس في إعدادية الحكمة ، والتي كانت بجانب سينما "أوغاريت "، والتي أزيلت الآن ليقام في مكانها بناء حديث .
كنا جلوساً في غرفة المدرّسين ،وكانت بين يديه أوراقٌ من مؤلّفه الكبير،والذي كان ينقّح فيه باستمرار،مستفيداً مما يسمعه من أفواه الناس، من أسماء أماكن أو قرى أو غير ذلك ، وأذكر أن أحدهم دخل الغرفة وسأل عن زميلٍ من قريةٍ بعيدةٍ أثارت انتباهه، فرفع رأسه عن أوراقه وسأل عن موقعها ، وحين ذهب السائل قال لنا :
إنّ أسماء قرانا ومدننا قديمةٌ جداً، وبعضها يعود لفجر التاريخ، إلى بدء استيطان الإنسان الأول، ولذلك يجب المحافظة على هذه الأسماء ، وعدم تبديلها أو تغييرها أو تحريفها أو غير ذلك مما يشوّهها، بل يجب الدفاع عنها إذا ما دعت الحاجة ، وقد فعلت ذلك أمام جمال عبد الناصر نفسه.
قلنا : وكيف كان ذلك يا أستاذنا الكريم ؟
قال :
في صيف عام 1958م، وكانت الوحدة السورية المصرية لا تزال في أشهرها الأولى، دعاني السيد محافظ حلب، وأخبرني أنه قد تمّ تشكيل لجنة برئاستي، وتنحصر مهمة اللجنة هذه ،في تعريب أسماء القرى الواقعة على الحدود السورية التركية، فالكثير منه يحمل أسماء تركية تذكّرنا بالاحتلال العثماني.
قلت للمحافظ :
أنا أرفض الاشتراك في لجنة هذه مهمّتها،إنّ هذا العمل عمل همجيّ بربريّ يجب أن لانقوم به نحن العرب ، فنحن بناة حضارة ، وتشويه التاريخ عملٌ يجب أن لا يقوم به المتحضّرون .
قال :
ولكن يا أستاذ خيرالدين ؛ الأتراك بدّلوا أسماء القرى الحدودية التي في جانبهم، والتي كانت عربية ، بأسماء تركيّة .
قلت :
إذا كانوا هم فعلوا ذلك مزوّرين التاريخ ، فنحن لسنا مثلهم ،وفي كل الأحوال هم ليسوا قدوة لنا .
وأضاف الأستاذ المحدّث فقال :
وهنا أسقط في يد السيد المحافظ ، وشعر بالحرج فقال لي :
يا أستاذ خيرالدين ،هذه اللجنة مشكّلة بمرسوم من السيد رئيس الدولة، الرئيس جمال عبدالناصر،
فبماذا سأجيبه إن لم تعمل اللجنة ؟
قلت منهياً حيرته :
اترك الأمر لي، فأنا سأخاطبه بكتاب أرسله له ، وكل ما سأطلبه منك هو أن ترسل الكتاب باسمي أنا لا باسمك أنت ، وحين يأتي الجواب سنتصرّف .
قال المحافظ :
ليكن ما قلت .
وقال الأسدي مكملا الحكاية : وهكذا أخذت ورقةً وقلماً من على طاولة السيد المحافظ، وجلست جانباً، وكتبت للرئيس جمال عبدالناصر رسالةً ، شرحت له فيها سبب عدم موافقتي على ترؤس اللجنة، وبيّنت له فيها مقدار همجيّة هذا العمل، وكم هو مشوّهٌ للتاريخ الذي علينا المحافظة عليه كأمة صاحبة حضارة، وطويت الكتاب وسلّمته للسيد المحافظ، والذي قام بدوره بإرساله للسيد رئيس الدولة جمال عبدالناصر .
وأكمل الأسديّ كلامه قائلا :
وها قد مضت عشر سنوات ، وانفصلت فيها سورية عن مصر ، ولم يأت الجواب بعد .
وإلى اللقاء في الحلقة الحادية عشرة ....... عبدو رشو 25/8/2006
( الحلقة التاسعة )
الشيخة حنيفة
تقول الحكاية :
في منتصف خمسينيات القرن العشرين، وفي منطقة "جبل الكرد" ( عفرين حالياً )، والواقعة في شمال سورية،وفي قريةٍ بعيدة من قرى المنطقة الجبلية، ظهرت بدعة الشيخة ( حنيفة )، والتي تطوّر بها الأمر فقال الناس عنها (النبيّة حنيفة )، وذلك لأنّ الناس سمعوا منها وعنها ادّعاء النبوّة ، وسمعوها تستغيث منادية السيّدة فاطمة بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام،وهي تقول بلغتها الكرديّة :
يا أختاه ، يا فاطمة ،تعالي وساعدي أختك حنيفة ،لقد تعبت من كثرة لقاء الأحبّة القاصدين بابي طلباً للبركة .
ومن شدّة بساطة الناس المحيطين بها صدّقوها، ولم يخطر ببال أحد منهم ، ولا ببال الدّعية أنّ فاطمة بنت رسول الله لا تعرف الكرديّة ، وكان اعتقادهم يسهّل لهم تصديقها ، فما دمت مسلما فأنت تستطيع مخاطبة الأنبياء والرسل والصحابة الكرام جميعاً بلغتك الأم مهما كانت .
وهذا يكمل حكايتنا التي بدأت حين أفاق أهل قرية الشيخة حنيفة على خبر يقول :
إنّ السيدة فاطمة الزهراء عليها رضوان الله،قد زارت السيدة حنيفة بنت قريتهم بينما كانت بين اليقظة والمنام ،وأنها قالت لها بعدما سلّمت عليها أحرّ السلام ،أنت أختي في الله، قولي للناس ذلك،وقد وضعت في كفّك الأيمن بقعة خضراء إشارة منّي لزيارتك ، فاظهريها لمن لا يصدّقك .
وسمع أهل القرية الخبر وتناقلوه بين الدّهشة والاستغراب،والتصديق وعدم التصديق، وحين وصل الخبر إلى شيخ جامع القرية،وهو شيخ يعرف قراءة القرآن دون كتابته،تعمّم بعمامته الكبيرة، وجاء إلى منزل السيدة حنيفة سائلا عن الخبر،ولما قالت له السيدة المذكورة ما قالت،وأرته كفها والبقعة الخضراء التي فيها،نظر إلى الكفّ المبسوط أمامه طويلا ، ثم هزّ رأسه المعمّم ، وقال :
صدقت يا أختاه ،فاللون الأخضر رمز النبوّة،وهي إشارة الأنبياء والصالحين وأهل الكرامات.
ودوّى الخبر في القرية، وصدّق من كان يشكّ ،وراح الجميع يأتي إلى السيدة حنيفة مظهراً الطاعة، طالباً الرضى ونوال البركة ، وهكذا انتشر الخبر سريعاً في القرى المجاورة ، وصار أهلها يأتون لزيارة السيدة حنيفة لنيل بركتها ، وصار الجميع ينادونها بالشيخة حنيفة ، وتطوّر الأمر فصار هناك من يناديها بـ "النبيّة " حنيفة .
في البداية كانت تستقبل الناس فرادى ، ثم صار الاستقبال جماعاتٍ جماعاتٍ، وصار ظهورها للناس في أوقات معيّنة ، وحدّد لها موعدان للظهور والخروج للقادمين ، موعد صباحيّ وموعد مسائي ،ّكانت تخرج للناس فيهما،وكانوا يستقبلونها متمدّدين على الأرض أمامها لتدوس عليهم ، بل وراحت تمشي فوقهم ، وهم فرحون بذلك ، إذ أن ملامسة أقدامها لأجسادهم كانت تبعد عنهم الأمراض والآلام .
وهكذا عم خبر "النبيّة " وانتشر، وراح الناس يأتون إليها من أماكن بعيدة ، ومن محافظات سوريّة كافّة،وراحت السيارات الغريبة تقطع شوارع عفرين وهي تسأل الناس عن الطريق الذاهبة إلى قرية النبيّة المزعومة .
وما مرّ شهران أو أكثر قليلا، حتى أصبحت قرية النبيّة سوقاً كبيرة، يزدحم فيها الناس والسيارات والدوابّ ، وصار فيها بيعٌ وشراءٌ وناسٌ يبيتون في العراء، وناساً ينزلون ضيوفًا على أهل القرية، ضيوفاً بحكم الفرض،حتى ضجّ أهل القرية وراحوا يشتكون سرّاً من هذا الازدحام الشديد، فالشكوى الظاهرية قد تجلب عليهم غضب الشيخة ، وفي ذلك ما فيه من خطر قد يكون ربّانياً، والشيخة غير عابئةٍ بأحد، تتابع ظهورها اليوميّ الصباحيّ والمسائيّ للناس،والناس ينتظرون ذلك الظهور بصبرٍ وفرح ، ويتمدّدون أمامها حين تظهر ، فتمرّ عليهم ماشية ، وهي بين كل ذلك تتقبّل الأعطيات، وما يجود به طالبوا البركة والرضى،ولا تنفكّ عن ترداد اسم الزهراء واسم الرسول الكريم بمناسبةٍ ومن دون مناسبة .
وازداد انتشار خبر النبيّة التي ظهرت في جبل الكرد، وازداد قدوم الناس إليها من سورية ومن خارج سورية أيضاً،وراح البعض ينقل عنها وعن كراماتها ما يصدّق وما لايصدّق،وكاد الناس يفتنون بها وبكراماتها المزعومة .
ويوماً فاجأ الجمع المحتشد في القرية ، رجال شرطة جاؤوا وأحاطوا بمنزل السيدة الشيخة "النبيّة " حنيفة،وأخرجوها من بيتها ومن بين المحيطين بها، ووضعوها في سيارة وساروا بها مبتعدين، أمام أنظار مريديها وزوّارها وطالبي بركاتها، وكان الجميع ينتظر منها أن تظهر كرامتها بأن تتوقف السيارة التي تقلّها أو تتعطّل ، أو أن تتجمّد أيدي رجال الشرطة التي امتدّت إليها، ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث، وسارت السيارة بها بهدوء، وأوصلتها إلى حلب حيث أسكنت داراً فيها، ومنع عليها العودة للقرية، أو استقبال الناس في بيتها باسم التبرّك أو غير ذلك .
وهكذا انتهت فتنة الشيخة حنيفة، أو" النبيّة " حنيفة، وهكذا عاشت في حلب سنوات طويلة، ويروى عمن زارها في شيخوختها وبعد ما يقارب الأربعين سنة من نفيها ذاك، أنها أخبرت بخبر (تيسٍ )ظهر في بلدة ( البوكمال )، وأن حليبه يشفي الناس من كل الأمراض، وأن الناس يقصدون بلدة ( البوكمال ) ليشربوا حليبه ويشفوا من أمراضهم وعاهاتهم .
يروى عنها أنها حين سمعت ذلك ،ابتسمت ولم تعلّق بشيء، وقال آخرون بل قالت ـ على الأقل كنّا بشراً فصدّقونا ـ ، وقال آخر، بل قالت : يجعل سرّه في أضعف خلقه .
وعلّق خبيث حين سمع الخبرين ومصدّقيهما :
( هكذا ناس ! بحاجة لهكذا كرامات ! )
-------------------------------
عضو لجنة
تقول حكايتنا الجديدة ، وهي من منطقة الحكاية السابقة ، وكان بطلها من قريةٍ مجاورةٍ لقرية بطلة الحكاية السابقة :
عندما قامت الوحدة بين سورية ومصر عام 1958م، تم تشكيل منظّمة سميت بالاتحاد القومي، وقد تم تشكيلها بأوامر وتوجيهات من القيادة العليا ممثّلة بـ" جمال عبدالناصر"، وذلك لتحلّ محل الأحزاب التي كانت قائمة في سورية بخاصّة،وبسرعة تشكّلت للاتحاد ذاك فروع وشعب ووحدات،ومن ثم تم اختيار أعضاء لتمثيل المحافظات والمناطق ومن يجب تمثيله في مجلس الأمّة الاتحادي، الذي حددّ مركزه في القاهرة عاصمة الاتحاد .
ومن هنا تبدأ حكايتنا التي تقول :
تمّ اختيار أحد "أغوات " أو أحد وجهاء منطقة "جبل الكرد " عفرين حالياً " لتمثيل المنطقة ضمن من اختير، وليكن اسمه " أحمد آغا" ، وكان أحمد آغا هذا أمّياً لايقرأ ولا يكتب،وقد احتلّ مكانته بقوّة رجاله،وكان قاسياً لا يرحم مناوئيه ، وعرف عنه أنه قتل منهم من قتل، وبخاصّة أيام الانتداب الفرنسي الذي كان متعاوناً معه .
وهكذا سافر" أحمد آغا "ضمن من سافر إلى القاهرة ليمثّل منطقته في مجلس الأمّة الاتحادي،وهكذا حضر" أحمد آغا " أولى جلسات المجلس، وهكذا ولا يدري كيف ؟ وجد نفسه عضواً في لجنة اسمها " لجنة الثقافة والعلوم والآداب " ، وهكذا ذهب إلى القاعة المخصّصة للجنة المذكورة ليحضر أولى جلساتها .
ودخل " أحمد آغا " إلى قاعة اللجنة ، وجلس بين الجالسين حول طاولةٍ طويلةٍ كانت في القاعة، وبعد أن خلع طربوشه الأحمر ووضعه أمامه على الطاولة، وبعدما مسح عرقه بمنديل كان لا يفارقه،راح ينظر حوله وإلى من في القاعة متفرّساً في وجوههم واحداً واحداً،ودفعه الفضول وحبّ الاستكشاف لمعرفتهم ، فسأل جاره في المقعد الذي بجواره مشيراً إلى أحدهم، وكانت تبدو عليه علائم الفهم والنباهة :
من هذا ؟
ـ هذا يوسف السباعي ، الكاتب المشهور .
ـ همم ! وذاك الذي بجانبه ؟
ـ ذاك نجيب محفوظ وأنت تعرفه لاشك .
ـ هممم ، وذاك الذي بطرف الطاولة البعيد ؟
ـ عجيــب أمرك ! هو محمد حسنين هيكل ، ألا تعرفه !
ـ همممم ، أعرفه ، أعرفه ،ولكن قل لي من ذاك الذي أمامه ؟
ـ ذاك إحسان عباس ، ألا تعرفه أيضا ؟
ـ والذي بجانبه ؟
ـ هو العالم الفلاني ،
وسمع " أحمد آغا " أسماء أخرى ، أسماء كتّابٍ وعلماء ومفكّرين ، منهم من كان قد سمع بهم مصادفةً ، ومنهم من لم يسمع بهم بتاتاً،لذا فكّر قليلا ، ثم قام ووقف ،وبعدما رفع طربوشه ووضعه على رأسه ، خاطب الحضور فقال :
أنا " أحمد آغا " ممثّل "جبل الكرد "من سورية،جئت لحضور جلسات مجلس الأمّة ممثلا لمنطقتي، فوجدت نفسي عضواً في لجنة الثقافة والعلوم والآداب، ولعلمكم فأنا رجل أمّي لا أقرأ ولا أكتب،وأنا لذلك لا ثقافة عندي مثلكم ، ولا علوم عندي مثلكم ، أما عن الآداب فأنا مؤدّب جداً والحمد لله ، لذلك أقول لكم وداعاً ، فمكاني ليس هنا .
ـــــــــــــــ
أرزاق مقسومة
تقول حكايتنا :
كان الوقت أواخر الصيف ، أوان نضج الفستق الحلبيّ وقطافه ،وكان عدد من الفلاحين العمّال يقطفون الفستق الناضج من كرم واسع جدّاً لمالك من مدينة حلب ، وكان هذا شائعاً فالتجّار الحلبيّون كانوا ينوّعون مصادر دخلهم .
وكان العمل يبدأ من شروق الشمس صباحاً، وإلى ما قبل المغيب بقليل، لذا كان العمال يأخذون " زوّادات " طعامهم معهم ، أو يأتيهم بها بعض أهليهم وقت الإفطار، أو وقت الغداء ، وكانوا مقابل ذلك العمل الذي يستغرق نهارهم كله ، لا يحصلون إلا على أجور زهيدة،وبالمناسبة كانت الأسعار في ذلك الوقت الذي جرت فيه حكايتنا رخيصة عموماً، فقد كان ذلك في أواخر أربعينيات القرن العشرين .
وكان الفستق الذي يقطف، يوضع في صناديق خشبيّة مفتوحة تسمّى في حلب بـ " سحّارة "، وكانت هذه " السحاحير " تحمّل على ظهور الدواب من حمير وبغال، وترسل إلى حلب حيث الخانات التي تباع فيها كل بضاعة .
وكان صاحب الكرم موضوع حكايتنا - وكانت عنده كروم أخرى - كان يأتي يومياً من حلب راكباً " حمارة بيضاء " ،واضعاً على رأسه طربوشه الأحمر وتحته منديل كبير، ليحمي الطربوش من العرق وبالتالي من التلف السريع،وكان يضع في خرج على ظهر" حمارته " طعامه اليوميّ، وكان مؤلّفاً في الأعمّ الأغلب من رغيفين من الخبز الحاف وبعض حبّات الزيتون أو البندورة أو الخيار ، كلّ منها كان يأتي به مفرداً، ولا يجمع بينهم أبداً، وكان يراقب العمال القاطفين بعينيه اليقظتين حتى انصرافهم من العمل ، فيعود مع قافلة الدوابّ التي تحمل الفستق المقطوف ، ليوصلها إلى الخان الذي يبيع فيه بضاعته .
كان هذا دأبه كل يوم وطيلة أيام القطاف، وكان بخيلا شديد البخل، لم يخطر له يوماً أن يولم وليمة لهؤلاء العمال البؤساء ،الذين يعملون عنده أياما كثيرة ولو من باب الزكاة ،وكان يعلم هو وهم ،أنّ المالكين الآخرين يولمون لعمّالهم ولائم الشواء ، والذي نادراً ما يأكله الفلاحون .
وفي يوم من أيام ذلك الموسم، وكان موسماً خيّرا، تأخّر صاحبنا المالك " البيك" وهذا كان لقباً للملاّك من المدن، تأخّر في الحضور إلى الكرم ومراقبة العمال قاطفي الفستق، تأخّر كثيراً حتى ظنّ الجميع أنه لن يحضر لسببٍ ما ، لذا توقٌف أحد العمّال وقال مخاطباً وكيل المالك والجميع :
اسمعوا أيها الناس وبخاصّة أنت أيها الوكيل !
ـ هات وقل فنحن نجيد الاستماع ، وخاصّةً بعد هذا العمل الشاق منذ الصباح .
ـ سأقترح عليكم اقتراحاً يقول بأن نأخذ مقدار" تنكتين" من الفستق ونبيعه في بلدة "مارع" القريبة ، ونشتري بثمنه لحماً مشويّاً لغدائنا .
قال الجميع صائحين فرحين :
هو كما قلت ، و"البيك" لن يحضر ، والوكيل لن يغضب ، و"البيك" يستحقّ أن نفعل ذلك، فهو لا يخطر له أن يفعله .
وقال الوكيل :وأنا معكم وسآكل معكم أيضاً .
وهكذا وبسرعة ذهب اثنان بالفستق إلى بلدة " مارع " ،وعادوا بالشّواء تفوح رائحته فتثير في النفوس جوعاً ورغبة في الأكل ، وبسرعة مدّ الرجال بساطاً على الأرض ،ووضعوا فوقه الطعام الساخن وجلسوا يأكلون .
ولكنهم وربما لسوء حظّهم أو لأمر لا يدرونه ، ما كادوا يتناولون لقيماتٍ قليلةٍ ، حتى أهلّ عليهم "البيك" راكباً " حمارته البيضاء"، وبسرعة أيضاً تدارك أحد العمّال الأمر فنادى " البيك" بإلحاح ، طالباً منه الانضمام إليهم وتناول الطعام معهم ، فالخير كثير والحمد لله .
ولم يمانع " البيك "كثيراً ، فانضمّ إليهم، وجلس بينهم، ومدّ يده وتناول أول لقمةٍ من اللحم المشويّ الذي كان أمامه،وظلّ يمضغها في فمه دون أن يستطيع ابتلاعها ، والعمّال لاهون عنه غير ملتفتين إليه ، همّهم أن يشبعوا من هذا الطعام الذي لايتوفّر لهم إلا نادراً .
وظلّ " البيك يمضغ اللقمة في فمه وينقلها من طرفٍ إلى طرفٍ في فمه طويلاً ، دون أن يستطيع ابتلاعها ، لذا توقّف عن المضغ وقال مخاطباً الجميع :
قولوا لي " بصلاة محمد* عليكم" أليس هذا الطعام الذي تأكلونه من مالي أنا ؟
وبهت الجميع ووقفوا صامتين ،فهم لايكذبون عادة ، ولا يكذبون بخاصّة إذا استحلفوا بصلاة محمد عليه الصلاة والسلام ،لذلك قال أحدهم وكان صاحب الاقتراح الأول :
صحيح ما قلته يا "بيك " ما نأكله هو من مالك وثمن فستق بعناه من كرمك ،ولكن قل لنا أنت
كيف عرفت ذلك ؟
قال " البيك بحزن شديد :
لأني لم أستطع ابتلاعه يا أولادي ،صحيح أنّ الذي ترونه حولكم مالي، ولكنه ليس مقسوماً لي ، لذلك فأنا أرعاه ولا أستطيع الأكل منه ، أعرف أني أجمعه لغيري ، ولكن ماذا أفعل ؟ يبدو أنّ هذا هو قدري .
سكت العمّال جميعاً ، سكتوا شاعرين بالعطف عليه ، ولم يخطر في بال أحدهم أن يسأله :
"بيك" لماذا لا تتبرّع ببعض نتاج أرضك للفقراء والمحتاجين إذاً ؟ لتكسب ثوابا عند الله ؟
ــــــــــــــ
أكول
روى لي صديقي الحلبيّ الحكاية التي كان شاهد عيان عليها فقال :
كنت صبيّاً في حوالي الثانية عشرة من عمري ، وكنت أساعد والدي في محلّه الذي يبيع فيه حلويات " الكاتوه" ، في محلّه في شارع (النيّال) في حلب ، كنت أساعده وأتعلّم منه المهنة في أوقات فراغي من الدراسة ، وفي فصل الصيف كلّه .
كنّا نصنع تلك الحلوى في المنزل ، ونبيعها في المحلّ، وكانت القطعة تباع بعشرة قروش سورية ، فقد كان كل شيء رخيصاً، كانت البيضة البلديّة بخمسة قروش أو نحو ذلك .
يوماً وكان الوقت ربيعاً، دخل المحلّ بدويّ قادم من البادية، وبعد السلام خاطب والدي سائلا :
بشگدّ تشبّعني ؟ (أي بكم تطعمني حتى الشبع ؟)
ويبدو أنّ والدي حسب بذهنه حسبةً بسيطةً، توصّل بنتيجتها أنّ أقصى ما يستطيع هذا البدويّ أكله من قطع "الكاتوه" هو عشر قطع ، أي ما يساوي ليرة سورية واحدة، ويبدو أنّه طمع بربح إضافيّ يكسبه من هذا الغشيم الذي ساقه الله إليه ، فقال له وهو يغمزني إشارةً لصفقته الرابحة ، ووجوب فهمي لهذه الصفقات الرابحة :
أشبّعك بليرتين .
وبهدوء أخرج الرجل من جيبه ليرتين سوريتين، ومدّهما لوالدي وهو يقول :
على عيني وعلى رأسي يا حجّي ، تفضّل هاي وركتين . ( هذه ليرتان ) .
ومضى الرجل إلى طاولة كانت في المحلّ ، وجلس خلفها وقال :
" يا الله ، هات لنشوف " ؟
ووضع والدي أمامه خمس قطع من "الكاتوه"، فازدردها بسهولةٍ ونهمٍ شديدين، وأتبعهنّ بخمسٍ أخرى بلمح البصر، وبين نظراتي التي راحت تزوغ، وبين دهشتي واستغرابي، راح الرجل يلتهم ما يوضع أمامه من قطع "الكاتوه" بشراهةٍ وسرعةٍ شديدتين، ووالدي يضع له القطع خمساً بعد خمس، وهو يتميّز غيظاً وغضباً .
لا أدري كم قطعة أكل الرجل ، إذ لم أعد قادراً على متابعة العدّ بعدما تجاوز العدد الثلاثين قطعة،فقد شردت خلف مقدرة الرجل وطريقته العجيبة في الأكل ،ولمتابعة وجه والدي الذي راح يحمرّ أكثر، غضباً بعد كل خمس قطعٍ جديدة يضعها أمام الرجل .
وانتبهت من شرودي على صراخ والدي الغاضب ،وهو يخاطب الرجل البدويّ :
قم عليك لعنة الله ، (أي أنت أبو عناق *، العمى إنشاء الله يعميك ، ثلاث وستين قطعة ولم تشبع بعد ! ) .
ونهض البدويّ وهو يبتسم ابتسامةً ماكرةً، وقال بلهجته البدويّة :
ما يجوز هيچ ( هكذا ) يا حجّي ، ما يجوز ! هذا اتّفاگ اتّفگناه ( هذا اتّفاق اتّفقنا عليه ) .
ردّ والدي وهو يكاد ينفجر غيظاً :
بلا اتفاق بلا بطيخ ، العمى عليك أنت ما بتشبع ، الله لا يشبّعك .
وخرج الرجل وابتسامته الماكرة لا تزال على وجهه ,هو يقول :
جان ودنا زاد گطعتين ثلاث تا نشبع . ( كنت بحاجة إلى قطعتين أو ثلاث أخرى لأشبع ) .
وإلى اللقاء في الحلقة العاشرة ....... عبدو رشو 1/7/2006
( الحلقة الثامنة )
واحدة بـواحدة
( عقاب ابن حرام )
تقول حكايتنا الجديدة :
في قريةٍ من قرى ريفنا الكثيرة ، عاش رجل ذا مالٍ وعيالٍ ، وكبر العيال فصاروا شبّاناً أقوياء أشدّاء ، وكانت له زوجة عاشت معه أيام الفقر والشدّة ، وسعدت معه أيام الوفرة والرخاء،وهكذا صار الرجل وأبناؤه الأقوياء ، مثالا للقوّة والمنعة،بل وملجأً للمحتاجين وطالبي المساعدة بين الوقت والآخر .
ويوماً انفردت المرأة بزوجها وقالت له بحزنٍ شديد :
سأكلّمك يا زوجي بأمر خطيرٍ حاولت حلّه فعجزت ، وأرجو أن تحلّه بما عرفت به من حسن تدبير وحسن تفكير .
قال :
هات يا امرأة فقد شغلت بالي، وأقلقت خاطري .
قالت :
ولدنا سليم يتعرّض لأخته ! دفعتْه مراراً واضطرّتْ لإعلامي، وحاولت ردعه ولكنه مستمرّ في غيّه،وأخاف أن يحدث ما لا يحمد عقباه،وأقلّ ذلك ضرراً،أن يسمع الناس عنّا ما يسيء .
وفكّر الرجل في الأمر الطاريء الذي ما كان ليخطر له على بال ،وقلّب الأمور على وجوهها جميعاً، ثم رفع رأسه وقال لامرأته سائلا :
اصدقيني يا امرأة ، هل هذا الولد من صلبي ؟
وأطرقت المرأة طويلا ، ثم رفعت رأسها وقالت :
سأصدقك يا زوجي وما كنت يوماً غير ذلك، سأصدقك بالشيء الوحيد الذي خبّأته عنك عمري كله ،بل منذ عمر سليم هذا ! كان الوقت ربيعاً وكنت في الحقل وحدي ، وحدث أن ظهر مختار القرية لا أدري من أين ، ولا أدري كيف استطاع افتراسي رغم مقاومتي الشديدة،وحدث الذي حدث،وكتمت الأمر عنك خوفاً من فضيحتي،وخوفاً من خراب بيتنا إذ كنت ستمزّقه إرْباً إرْباً ،
حدث ذلك ولم يتكرّر ، ثم جاء سليم هذا ، ولا أدري إن كان من صلبك أم من صلب المختار ؟
وأطرق الرجل مفكّراً ، كان كمن سقط فوقه جبلٌ من هموم،وبعد تفكيرٍ طويلٍ ، قال لها :
اكتمي الأمر يا امرأة ، واعلمي أنّ هذا الولد ابن حرام ، تدلّ علي أصله أفعاله .
ومرّت الأيام على الرجل ثقيلةً بطيئةً ،لا ليله ليل ، ولا نهاره نهار ،يدفع ساعات أيامه دفعاً، مفكّراً في طريقةٍ يثأر بها لنفسه وكرامته .
وجاءت ساعةٌ وجدها الرجل مناسبةً ، كان الوقت نهاراً ، واليوم جمعة ، والناس جميعاً في بيوتهم ، وعاد الرجل إلي بيته حيث أولاده جميعاً مجتمعون ، أولاده الأشدّاء الأقوياء المعتزّون بقوّتهم وكرامتهم ، وأمام باب البيت الخارجيّ ، وقف الرجل في غفلةٍ عن الجميع ، وحمل حجراً لطم به جبهته بقوّة ، فانشدخ جبينه وسال الدم على وجهه غزيراً ، وهكذا دخل البيت حيث أولاده الأشدّاء والدماء تغطّي وجهه .
وهبّ الأبناء الأشدّاء جميعاً يستفسرون ويستفهمون عما جرى وعمن فعل ذلك بأبيهم ، وبهدوءٍ شديدٍ ، قال الرجل :
لقد ضربني المختار يا أولادي .
وقفز الأولاد إلى بنادقهم المعلّقة على جدران البيت ، قفزوا لينطلقوا إلى ذلك الذي تجرّأ على والدهم كائناً من كان ، وقبل أن ينطلقوا جميعاً ، سألهم وبهدوءٍ أيضاً :
إلى أين تذهبون يا رجال ؟
قالوا معاً :
إلى المختار لنمزّقه برصاصات بنادقنا .
قال : ما هكذا تجري الأمور يا أولادي .
قالوا : وكيف إذاً ؟
قال :
يذهب واحدٌ منكم فيقتله ، ويظلّ الباقون هنا لسببين ، الأول للدفاع عن الذي سيذهب عند القضاء والمحاكم وغير ذلك ، وللدفاع عن البيت إذا ما هاجمنا أهل المختار .
قالوا :
ليكن كما ترى يا والدنا ، فأنت الأخبر والأحسن رأياً ، فمر أحدنا ليذهب وينفّذ المهمّة فما من ذلك بدّ .
فقال : ليذهب سليم وينفّذ الأمر .
وهكذا انطلق سليم ، وبعد لحظاتٍ دوّت في القرية طلقات ، وعرف الناس بعدها أن سليماً قد قتل المختار شرّ قتلة .
الله يجيـرنا من الأعظم !
تقول حكايتنا:
في قرية من قرى حلب الجنوبية، عاش رجل فقيرٌ كثير العيال ، يسكن في بيت على شكل قبّة ، وكانت بيوت قرى جنوب حلب تبنى على ذلك الطراز ، مستمدّةً مادّة بنائها من المواد المتوفّرة محليّاً ،وكان الرجل الفقير ذاك ، لا يملك أرضاً ولا حلالا ( أغنام .. ماعز .. الخ .)
ولذلك كان يعمل بالأجرة لمن يطلب منه العمل من أصحاب الأراضي ، فالأعمال في ذلك الوقت كلها كانت أعمالا زراعية .
وكان في القرية رجلٌ صالحٌ صاحب أراضٍ كثيرةٍ ، وكان محسناً يحبّ الخير ، وأراد مساعدة ذلك الفقير في إحدى السنوات ،وكان اسم الفقير حسين ،فناداه وقال له :
يا حسين خذ أرضي القبليّة وازرعها " شكارة "* لك .
وردّ حسين : ومن أين لي بذارها ، وهي تبذر بكيسين من القمح ؟
ـ سأعطيك بذارها أيضاً .
ـ ومن أين لي المحراث وثيران الفلاحة يا سيّدي ؟
ـ وسأعطيك محراثي مع ثورين لتفلح عليهما أيضاً .
ـ لن أنسى معروفك هذا يا سيّدي طوال عمري ، بل وطوال عمر أولادي أيضاً .
ـ أنا أفعل ذلك لوجه الله يا حسين .
وهكذا انصرف الرجل إلى أهله مسروراً يكاد يرقص من الفرح ، وأخبرهم بالخير الذي أهلّ عليهم ، ممنّياً نفسه بموسم جيّد، يكفيه مؤونته عامه ذاك ، فأرض تبذر بكيسين من القمح ستدرّ عليه خمسين كيساً من القمح في أقل تقدير ، وهذا يكفيه مؤونة عامين لا عاماً واحد اً .
وهكذا راح الرجل يعمل بجدّ ونشاط ، ففلح وزرع ورعى الزرع جيّداً ، وحين نضج القمح، حصده بهمّةٍ ونشاطٍ وهو يكاد يطير من الفرح ، فالموسم كان جيّداً ، وهكذا قام بنقل الحصاد إلى البيادر ، وراح ينتظر فراغ أحد أهل القرية من أصحاب "النوارج " من دراسة بيدره ، ليستعير منه " النورج " ليدرس بيدره هو أيضاً .
وفجأة وبينما الرجل متمدّدٌ في قبّته، يحلم أحلام اليقظة بغلّة وفيرة ، سمع لغطاً وصياحاً ، وجاء من أخبره أنّ بيدره قد احترق من بين البيادر جميعها .
وأسرع الرجل ليقف فوق كومةٍ من رماد، غاضباً حانقاً حزيناً، ورفع يديه إلى السماءً وصاح مستغرباً: يا رب ألم تجد من بين كل هذه البيادر غير بيدري لتحرقه ؟
وحاول بعض الموجودين تهدئته فقالوا له: استغفر الله يا رجل، وقل الله يجيرنا من الأعظم، فالمصائب تكون أعظم أحياناً.
ولكن الرجل كان لا يزال غاضباً ،فقال مضيفاً لاستغرابه استغراباً:
وهل هنالك أعظم من هذا؟ تعب سنةٍ كاملةٍ ذهب سدىً. وسيجوع الأولاد لأننا لم نعمل في غير هذه الشكارة.
قال أحد الحاضرين: ومع ذلك استغفر ربك وقل الله يجيرنا من الأعظم
وقبل أن يردّ الرجل، سمع الحضور صياحاً وعويلاً من ناحية القرية، وسُمع من ينادي:
إلحقْ يا حسين ! فقبّتك انهارت وأم الأولاد في داخلها.
وجرى الجميع نحو القبة ،ليجدوا أولاد حسين الصغار متحلّقين حول الأنقاض ،يبكون أمهم التي كانت في الداخل ولا يعرفون عنها شيئاً.
وبهمة وسرعةٍ شديدةٍ، رفع رجال القرية الأنقاض، وأخرجوا جثة أم العيال ،ثم جهزوها للدفن، وبعدما دفنوها راحوا يعزّون حسين بفقدها، وهم يقولون له:
قل الله يجيرنا من الأعظم.
واستشاط حسين غضبا،ً وشتمهم جميعاً وهو يقول:
ما أسهل ما تقولون ! وماذا بعد فقد البيدر والزوجة من أعظم.
ولكن الذي حصل، أن حسيناً وفي الليلة نفسها، وحين خرج في العتمة لقضاء حاجته، تعثّر بحجر، وسقط في حفرة كانت هناك، وانكسرت رجله (عظم فخذه الأيمن) ،فصاح صيحةً عظيمةً سمعها المعزون، فأسرعوا إليه واستخرجوه من الحفرة على ضوء فوانيس شحيحة، ونقلوه إلى البيت، مقرّرين أن يأخذوه إلى القرية المجاورة عند (المجبّر) صباحاً، وهم يقولون له:
قل الله يجيرنا من الأعظم يا رجل. وهو يشتمهم ويلعنهم ويقول:
وماذا أعظم من هذا؟
وفي الصباح جهّز أهل القرية لوحاً خشبياً، ومدّدوه عليه، وثبّتوا اللوح فوق ظهر بغلٍ، ثم كلفوا رجلاً بأخذه إلى القرية المجاورة، لمعالجته عند المجبّر.
في الطريق وكان الرجل السليم يمسك رسن البغل بيد، واللوح الخشبي بيد، وهو يحادث حسين المصاب سائراً بجانبه إلى قرية المجبّر.
وقبيل وصولهما إلى القرية المنشودة، شعر الرجل المرافق برغبة شديدة في إفراغ مثانته، بل لم يعد قادراً على الاحتمال، فقال مخاطباً حسين:
هل تستطيع الإمساك برسن البغل قليلاً لأفرغ مثانتي؟ فلم أعد قادراً على الاحتمال أو الانتظار.
قال حسين:
لا بأس عليك وهات الرسن.
وناوله الرجل رسن البغل، وابتعد بضع خطوات ليقضي حاجته، ومن مصادفات القدر، كانت أمامه قبّرة ، فطارت خائفة، ومن طيرانها الفجائي، جَفِلَ البغل وقفز هارباً، فمال اللوح الذي فوق ظهره ،ووقع حسين وقعة مؤلمة، كانت سبباً في كسر فقراتٍ من فقرات ظهره أيضاً.
شاهد الرجل المرافق ما جرى ،وأسرع إلى مساعدة حسين، فسمعه يقول:
الله يجيرنا من الأعظم.. الله يجيرنا من الأعظم... فعلاً هنالك ما هو أعظم دائماً.
وتكمل الحكاية فصولها فتقول: إن حسيناً هذا عولج عند المجبّر حتى شفي ،وظلّ يردّد خلال علاجه وبعد شفائه:
الله يجيرنا من الأعظم.. الله يجيرنا من الأعظم. كلما شاهد حادثة ، أو سمع حكاية مؤلمة .
دعوة مظلوم
وحكايتنا هذه تأتينا من قرية من قرى شمال حلب هذه المرّة ، ورواها من عاش أحداثها .
قال الرّاوي شاهد عيان هذه الحكاية :
كان الوقت صيفاً، بل كان الوقت بداية الصيف ، وكنا ننطلق مع الفجر كل يوم لنحصد زرعنا .
كنا نحصد يدويّاً بمناجل حادّة، فلم تكن آلات الحصاد الحديثة قد انتشرت بعد ، كان ذلك قبيل منتصف خمسينيات القرن العشرين .
وكان ناس القرى جميعاً يعملون في الحصاد ،من كانت له أرض، ومن لم تكن له أرض ، كان الذين لا يملكون يعملون بالأجرة عند من يملكون ،وكان أجر حصاد مساحةٍ ما، مقدار ما يبذر فيها من بذار،أيّ أن أجرة حصاد أرض بذرت كيساً من القمح ، كيسٌ من القمح عند البيدر ،وكان هذا الأجر مطلباً للكثيرين ، فالفقراء كانوا كثراً .
ويضيف الرّاوي مكملا حكايته :
كنا نحصد في أرضٍ لنا مبذرها كيس ونصف الكيس من القمح ،وكانت نصف حصّة والدنا التي ورثها عن جدّنا ،ونصفها الثاني كانت حصّة عمّنا عثمان ،وكان عمّنا عثمان هذا بخيلا بل مشهوراً ببخله الشديد ، ولم يكن له أولاد، لذا كان يعتمد على الآخرين في أعماله كلها ومنها الحصاد ،ولبخله الشديد فقد أضاف لأملاكه أملاكاً أخرى اشتراها ممن باعها ، وهكذا عرف بغناه وبخله معاً ، وكان يدور متفقّداً العاملين عنده وفي أملاكه راكباً( حمارة) بيضاء ،يراها العمال من بعيد، فينتبهون إلى قدومه قبل وصوله فيظهرون همّةً ونشاطاً كبيرين، ليتجنّبوا لسانه السليط الذي عرف به أيضاً .
ونعود لحكايتنا التي ما خرجنا منها لنسمع الرّاوي يضيف :
في ذلك اليوم الذي حدثت فيه أحداث الحكاية ، كنا نحصد أرضنا التي ورثها والدنا عن جدّنا، والتي كانت بجانب أرض عمّنا عثمان ،وكان يحصد في أرض عمّنا فقير ذو عيال من أهل القرية،كان معروفاً بفقره الشديد، وحاجته الماسة للعمل لإطعام أولاده الصغار ،ولا أدري كيف وقف ذلك الحصّاد الفقير وناداني سائلا :
يا محمد ما هو مقدار مبذر أرضكم ؟
أجبت :
كيس ونصف الكيس من القمح .
قال :
ولكن عمّك عثمان يقول إنّ مبذر أرضه كيسٌ واحدٌ فقط ، فكيف يكون ذلك؟ وهي مساوية لأرضكم، وكل أهل القرية يعرف ذلك ؟
قلت :
لا أعرف ما يقوله عمّي ! وسكتّ لا أدري بما أجيب ، وماذا أقول عن بخل عمّي !
وما كدنا ننهي حديثنا حتى أطل عمّي من بعيد ، راكباً (حمارته) البيضاء ، فانصرفت متابعاً الحصاد، ووقف الرجل الفقير حتى وصل عمّي فبادره قائلا :
يا حاج عثمان ، هؤلاء أولاد أخيك يحصدون أرضهم، وهي تساوي مساحة أرضك ، وهم يقولون إنها تبذر بكيس ونصف الكيس من القمح ، فكيف تكون مبذر أرضك كيساً واحداً؟ وكيف ترضى أن تظلمني! وأنا الفقير المحتاج ذو العيال الصغار؟
رد عثمان بفظاظة:
مبذرها كيس يعني كيسا، ولن تأخذ أجرة حصادها غير كيسٍ واحد، فاقبل أو اترك العمل.
قال عمّي عثمان ذلك ومضى مبتعداً ،ساخراً من الرجل الفقير الذي ظلّ واقفاً يشعر بالضعف والعجز والظلم، ودفعه شعوره ذاك، ليشقّ صدر قميصه غضباً، وليرفع يديه إلى السماء بعد ذلك وينادي مخاطباً ربه:
يا رب ألا ترى؟ ألا تسمع؟ أتقبل هذا الظلم؟
قال الرجل ذلك صائحاً بأعلى صوته الذي خرج من أعماقه الشاعرة بالظلم، ثم تابع الحصاد مع زوجه المسكينة الحزينة مثله، اللذين كانا يلتفتان بين وقت وآخر، لينظرا إلى رضيعيهما اللذين وضعاهما في ظلّ مظلّةٍ من قش صنعاها لهما، اتقاء من حَرّ الشمس.
بعد ساعة من هذا الذي قيل وجرى، ترك الرجل وزوجه الحصاد، وحملا صغيريهما، ومضيا إلى قبّة حجريّة قديمة، مبنية فوق قبر رجلٍ صالحٍ لا ندري من هو، ولكنّ أهل القرية كانوا يتبرّكون باسمه، وكنا نلجأ إليها أحياناً اتقاء للبرد أو المطر أو حرّ الظهيرة صيفاً أوعند الحاجة، ومرّ بنا الرجل الفقير وزوجه وهو يخاطبنا قائلاً:
هيا يا شباب إلى القبّة، فقد جاء غضب الله.
نظرنا إليه مستغربين، كانت السماء صافية، والشمس ساطعة، ولم يكن هنالك ما يريب،كنا نحن وآخرون في الحقول المجاورة ، الكل كان يعمل في الحصاد آمنا مطمئنّا، لذا لم نأبه لكلامه وقلنا رجل مظلوم يتصرّف تصرّفات غريبة، وهو يريد أن يرتاح مع زوجه وأولاده في ظلّ القبّة قليلاً.
ولكن وما إن ابتعد الرجل قليلاً، وصار قريباً من القبّة، حتى تلبّدت السماء فجأة بغيمةٍ سوداء داكنة عظيمة ،ثم هطل مطرٌ وبَرَدٌ غزيرين جدا،ً بَرَدٌ كانت حبّاته أكبر من حبّات الحمّص والزيتون، ومطرٌ كانت قطراته كبيرةً كدموع اليتامى ،مطر وبَرَدٌ غزيرٌ فاجأنا، فهربنا نجري إلى القبّة التي لجأ إليها الرجل الفقير قبلنا، ولجأ إليها من استطاع من الجوار، ولكن بعدما غسل المطر الجميع غسلا، مع أنّ الأمر لم يستغرق سوى دقائق قليلة، وقد شكّل المطر والبَرَد الغزيران سيلاً جرى بعنفٍ كنّا سمعنا دويّه ونحن داخل القبة.
بعدما يقارب الساعة هدأت الأجواء، وانقطع صوت المطر والرّعد، وتوقّف دويّ السيل،فخرجنا لنرى آثار ذلك كله، وهالنا ما رأيناه، كان السيل قد جرف قمح عمّي عثمان من على تلك الأرض التي كان يحصدها ذلك الفقير المظلوم، كان قد جرفه كلّه دون ما حوله من كل الأقماح .
حين رأى الرجل الفقير ما جرى لقمح أرض عمّي عثمان، رفع يديه إلى السماء وقال:
شكراً لك يا ربّي فكم أنت قريب مجيب ، تسمع دعوة المظلوم وتأخذ له بحقّه، وستعوّضني عن أجرة حصاد أرض عثمان، فرزقي عليك لا عليه.
قال الرجل ذلك ، ثم حمل منجله ومضى مع زوجه وولديه إلى البيت، باحثاً عن عمل في أرض أخرى.
مفسّر ( منامات )
تقول حكايتنا الجديدة :
في قرية من قرى ريف محافظة حلب ، عاشت امرأة في دارها التي تزوّجت فيها ، وحولها أولادها الأربعة في دورهم الخاصّة بهم ، وكانت المرأة قد سهرت على رعايتهم وتنشئتهم بعدما مات زوجها حين كانوا لا يزالون صغاراً، وقد آثرت أن تُسْكن كلّ واحدٍ منهم في دار خاصّةٍ به حين زواجه ، اتّقاءً للمشاكل التي تحصل بين الكنّة والحماة ،وقد بنت دورهم حول دارها، لتأنس بهم وبأولادهم ، ولمساعدتها عند الحاجة .
وقد حفظ لها أولادها تعبها وسهرها ورعايتها لهم ، فلم يتركوها لشيخوختها ، وصاروا هم وأولادهم يقضون أوقاتهم كلها عندها ، ولا يتركونها إلا حين يأوون إلى النوم في بيوتهم .
وحدث في ليلة أنّ المرأة العجوز النائمة في بيتها، شعرت بحركةٍ غريبةٍ في البيت، ففتحت عينيها بهدوء. ونظرت حولها متفحّصةً المكان ، فرأت خيالا غريباً يتحرّك بين جنبات الغرفة التي هي فيها، باحثاً عن شيءٍ ما ، فانتظرت قليلا هادئة ، وتأكّد لها أن الخيال خيال لصّ جاء ليسرق ما يستطيع مما خفّ وزنه وغلا ثمنه ، ففكّرت قليلا واهتدت بسرعة لطريقة تؤدّب بها اللصّ، فتململت قليلا في نومها كمن يعيش حلماً، ثم جلست في فراشها، وخاطبت اللصّ قائلةً :
تعال يا ولدي واجلس بجانبي أنا جدّتك العجوز ، فلستَ بحاجةٍ للسرقة ، لأني سأعطيك ماتريد ، مقابل أن تفسّر لي مناماً ( حلماً ) رأيته الآن ، وأخافني كثيراً .
طمع اللصّ في مكسبٍ بدون تعب، وقال لنفسه :
قد جاءتني الفرصة سانحةً، فلأسخر من هذه العجوز ، ولأفسّر لها الحلم الذي رأته على هواي ، فهي عجوزٌ خرِفة، ولن تفهم مما سأقوله شيئاً ، بل ستقبل بتفسيري .
وهكذا جلس اللصّ بجانب العجوز التي ابتدأت الكلام قائلة :
رأيت نفسي مع أولادي الأربعة الصغار، وقد سافرنا لنقضي يوماً أو يومين عند شاطيء البحر، أولادي أحمد و محمد ومحمود ومصطفى ، سافرنا ووصلنا إلى شاطيء البحر ،وبعد ما أنزلنا حاجاتنا ، وقبل أن أنتبه ، أسرع الأولاد وخلعوا ثيابهم، ونزلوا إلى الماء، وراحوا يسبحون ويلعبون ، أما أنا فقد انصرفت لإعداد الطعام ، وبعدما حضّرته رحت أناديهم ليأتوا ويأكلوا، ولكنهم لم يسمعوا صوتي وظلّوا يسبحون، وهكذا رحت أناديهم بصوت أعلى وأعلى في كل مرّة، يا أحمد ، يا محمود ، يا محمد ، يا مصطفى ، ولكنهم لم يسمعوني، بل وراحوا يبتعدون عن الشاطيء أكثر وأكثر ، وهذا ما أخافني أكثر، لذا رحت أناديهم بصوت أعلى من قبل ، يا أحمد ، يا محمد ، يا محمود ، يا مصطفى ، تعالوا أمكم تناديكم ، تعالوا بسرعة ،ولكن أولادي لم يسمعوني ، فما هو تفسير هذا المنام أيها المفسّر ؟
كان أولاد المرأة النائمون في بيوتهم، قد سمعوا نداء أمّهم في جوف الليل، فهبّوا مسرعين لتلبية ندائها ،وما أن دخلوا الدار ورأوا اللصّ الجالس أمامها، والذي ما كان قد بدأ تفسيره ،حتى انهالوا عليه ضرباً ولكماً وركلاً وصفعاً .
وشعر اللصّ أنه وقع في المصيدة ، وأن العجوز قد سخرت منه ، وأنها اخترعت الحكاية لتنادي أولادها ليأتوا لمعاقبته ،لذلك تحمّل ركلهم وصفعاتهم ولكماتهم وهو يقول :
اضربوا ، بل اضربوا أكثر وأوجع ، اضربوا فأنا استحقّ ذلك ، فأنا (حرامي) مالي وتفسير المنامات !
وإلى اللقاء في الحلقة التاسعة ....... عبدو رشو 11/5/2006
ـــــــــــــ
( الحلقة السابعة )
الرّاعي و المستشار
( الليوتنان )
وقد روى لي المترجم نفسه، حكايةً أخرى جرت أمامه مع المستشار السابق، وفي" أعزاز" أيضاً فقال :
إن المستشار الفرنسي اختار من بين صفوف المتطوّعين ( الملّيس)، شاباً خصّصه لخدمته وخدمة بيته ،فكان يكلّفه كل يوم بشراء حاجيات بيته، من خضار ولحوم وفواكه وتوصيلها إلى البيت، ثم العودة للوقوف قرب بابه تحت الطلب .
وهكذا كان الشاب يذهب كل يوم إلى بيت المستشار محمّلا ، ليعود بقائمة من طلبات اليوم التالي، وكانت زوجة المستشار تستقبله بالترحاب ، هاشّة باشّة ،وتدخله إلى البيت وهي تكثر من شكره بكلمات رقيقة،فقد كانت تتصرّف مع الرجال وتقابلهم، كما تعوّدت أن تفعل في بلادها حيث لاقيود ولا اعتبارات بين الجنسين ،وهي لا تعرف شيئاً عن الأفكار التي يحملها كثير من الرجال عن المرأة في بلادنا، والتي تعني فيما تعنيه، أن ابتسامة المرأة وكلامها الرقيق للرجل، هو وقوعٌ في حبّه وغرامه ،وأنها تدعوه إلى نفسها .
ويبدو أن الشاب صاحبنا قد فهم من تصرّفات زوجة المستشار هذا، ولهذا اغتنم فرصة وجدها سانحةً، حين اختلى بها في المطبخ بعدماً ، أدخل الأغراض التي كان قد جاء بها من السوق،وأقدم على محاولة تقبيلها، ظنّاً منه أنها ستبادله المشاعر نفسها ، ولكن الذي حدث كان غير ما توقّع ، إذ لطمته لطمةً قويّةً، ودفعته خارج البيت منذرةً مهدّدةً .
وعاد الشاب الخادم ( الملّيس ) إلى مركز عمله ، وهولا يكاد يرى أمامه من شدّة خوفه مما سيحصل، حين يعلم المستشار بما حصل، وسمع المترجم بالحكاية من صاحبها، وهو يرجوه أن يتوسّط له عند المستشار،فهو كان يعلم أن هذا إذا حصل في بلادنا ، فجزاؤه القتل من دون أيّة مناقشة ، وهو لم يكن يستطيع الهرب والاختباء، فالمستشار سيأتي به من أيّ مكان يهرب إليه ، لذا استسلم لقدره، وظلّ في مركز عمله منتظراً الصباح وعودة المستشار من بيته، ليطلق النار عليه أمام صفوف ( الملّيس) أثناء تحيّة العلم الصباحية .
ويضيف المترجم راوي الحكاية مكملا :
أصدقكم القول أنني كنت أتصوّر أن هذا سيحدث صباحاً، وكنت أشفق على الشاب ، ولكن ما كانت باليد حيلة .
وأخيراً جاء الصباح ، وحيّا الرجال العلم ،وانصرفوا دون أن يذكر المستشار عن ذلك شيئاً، ودون أن يبدر منه ما يشعر بانزعاجه ، واطمأننت وأطمأنّ الشاب قليلا، ولكن الخوف ظلّ في قلوبنا كامناً، فما كنا نأمن أن يحدث ما نخافه ، ولكن الذي جرى في اليوم الثالث من الحادثة قلب الأمور رأساً على عقب ، إذ فوجئنا بالمستشار يصدر أمراً، يرفّع به الشاب إلى رتبة عريف في قوّات (الملّيس) ، ويكلفه بإمرة عشرة رجال ، وينهي تكليفه بخدمات بيته ،وكان هذا مدعاة لفرح الشاب، ومثاراً لتساؤلاتي التي بدأت ولم تنته ،بل وراحت تزداد بعد ذلك ، إذ ما مرّت على الشاب في رتبته سوى ثلاثة أشهر، حتى فوجئنا بترفيعه إلى رتبة أعلى هي رتبة /رقيب / في القوّة نفسها ، وكان هذا لا يحصل عند مستشارنا إلا فيما ندر جداً، ولمن قام بأعمال بطوليّةٍ في خدمة فرنسا ، وكان هذا يدعوني ويثير تساؤلاتي التي ازدادت أكثر بعد مرور ثلاثة أشهر أخرى،إذ قام المستشار بترفيع الرقيب المذكور إلى رتبة الملازم ( الليوتنان )، وكانت هذه الرتبة ذات قيمة وقدر عاليين، فما كان في القوّات تلك ، إلا عدد قليل منها . ويبدو أن صاحبنا الشاب كان قد نسي ماكان ، إذ راح يأمر وينهي ، ويمشى متباهيا على أقرانه،مفتخرا على من حوله ، وحتى على ناسه وأقربائه الذين ما عاد يسأل عن أحدٍ منهم .
وظلّ صاحبنا في رتبته ، رتبة الملازم ستّة أشهرٍ ، ستّة أشهرٍ كانت كلها ترفّعاً وتبختراً واختيالا على الناس ممن حوله ،وستّة أشهرٍ كانت كلها تساؤلات واستفسارات عندي ، ولكن الأمور توضّحت في نهايتها لكلينا ولغيرنا ،إذ فوجئنا في نهايتها بأمر صباحيّ من المستشار يعزل فيه الشاب العريف ، الرقيب ، الملازم من رتبته ،ويطلب منه تسليم أغراضه العسكرية وسلاحه ، ومغادرة المكان بهدوء ودون وداع .
وغادر الملازم الذي ما عاد ملازماً المكان بهدوء ، ولكنه كان يجرّ رجليه جرّاً، بل ماكان قادراً على الجرّ ولا على الكلام ،كان ذلّ الدنيا كلها قد نزل عليه ،ومضى اليوم بهدوء عليّ، وجاء المساء ،وجاءني مرسال من المستشار يطلبني للسهر عنده ، وكان هذا يحصل أحياناً ، وذهبت إلى بيته ، وجلست إلى طاولة كان عليها ما لذّ وطاب من طعام وشراب، وبعدما تناولنا شيئاً من هذا ومن هذا، نظر إليّ المستشار وقال :
هه ؟ مسيو أبو .... ، هل تريد أن أشرح لك شيئاً ؟
قلت :
نعم أريد أن تشرح لي ما جرى ؟ وما لم أفهمه ؟ وأنت تعرف ما أعنيه .
قال : نعم أعرف ما تعنيه ، ولهذا دعوتك فاسمع !
حين فعل ذاك الصغير التافه ما فعله مع زوجتي ، تصوّرتم جميعاً أني سأطلق النار عليه في الصباح التالي .
قلت مقاطعاً :
أصدقك القول أني أنا شخصيّاً تصوّرت ذلك .
قال :
أعرف ذلك وأرجو أن تسمعني وأن لا تقاطعني .
وأضاف المستشار :
لو فعلت ما توقّعتموه لكان هذا مثاراً لتساؤلات البعض عن السبب ، ولقال البعض لو لم يكن قد جرى بين القتيل وزوجة المستشار شيء لما قتله المستشار ،ولو قمت بتسريحه من الخدمة لقلتم الشيء نفسه ، وكان هو سيعود إلى مهنته السابقة راعياً بالأجرة عند الناس ، ولكني فضّلت قتله قهراً وكمداً، إذ جعلته يذوق طعم السُلْطة ، وجعلته يتعالى على الناس لينبذوه حين يعود إليهم ، وقد سرّحته من الخدمة وهو يحسب نفسه أميراً، وهو لن يستطيع العودة لإمارته هذه،كما لن يستطيع العودة لمهنة الرعي مهنته السابقة ، ولا لغيرها من المهن، وسينبذه الناس الذين تعالى عليهم ،لذا لن يطول به العمر ستّة أشهر وسيموت قهراً وكمداً ، وسترى صدق قولي .
وسكت المستشار ، وسكتّ أنا أيضاً ، وفي الأيام التالية رحت أتابع أخبار ذلك المسكين ، وكنت أعرف قريته ، وقد صدقت حسابات المستشار تماماً بعد مرور ما يقارب الستّة أشهر أو نحو ذلك .
طابع بالطول الكامل
( للرئيس الشيخ تاج ... )
تقول حكايتنا الجديدة :
أراد الفرنسيون بعدما هدأت أمورهم قليلا في سورية ، أرادوا أن ينقلوا ولو صوريّاً، السلطة أو بعضها للسوريين والوطنيين ، ليظهروا بمظهر الذين يريدون الخير للبلد أو ما يشابه ذلك ، فأقاموا انتخابات، وعيّنوا تعيينات وما إلى ذلك ، وهم يستمعون ويرون المظاهرات الحاشدة التي تثور ضدّهم بين الوقت والآخر، وهكذا وبشكل ما، وصل إلى منصب رئاسة الجمهورية السورية ( الشيخ تاج ... )
وداوم ( الشيخ تاج ) في مقرّ رئاسة الجمهورية ، وكانت في بناية العابد المطلّة على ساحة (المرجة) ، وبعد مرور وقت قصير على دوامه، رأت السلطات أن ترفع سعر الخبز ، وبمقدار نصف فرنك / أي قرشين ونصف / ولمن لايعرف مقدار ذلك نوضّح قائلين ،أن الليرة السورية تساوي عشرين فرنكاً ،والفرنك يساوي خمسة قروش / المهم أن الأوامر صدرت بموافقة (الشيخ تاج ) برفع سعر الخبز بالمقدار ذاك ،وكان هذا كافياً ليثور الناس مطالبين بإسقاط (الشيخ تاج) إن لم يتنحّ ، ناسين أنهم كانوا يتظاهرون مطالبين به قبل وقت قصير .
وهكذا خرجت في شوارع دمشق مظاهرات حاشدة ، وقدمت كلها إلى ساحة (المرجة) ، وراحت تدور حول بناية (العابد) ،وهي تردّد الهتافات المندّدة المطالبة، بتنحّيه، والتي تصفه بصفات غير مناسبة .وسمع ( الشيخ تاج ..) الأصوات الهادرة في الخارج ،وسمع لغطاً وهرجاً ومرجاً ، فاستدعى حاجبه سائلا عما يجري ، ولكن الحاجب لم يعلمه بما يجري، ولا بما يقوله الناس المتظاهرون في الخارج ، وهذا ما دعا الشيخ ليقوم ويستطلع الأمر بنفسه ، وحين أطلّ من شرفة مكتبه ورأى المتظاهرين ، وسمعهم يهزجون قائلين :
شيخ تاج يا بومة يا بو لفّة مبرومة *
عطيني شعرة من ذقنك أخيّط فيها التاسومة **
واغتاظ الشيخ تاج كثيراً ممارأى ومما سمع،وقال لنفسه/ والله لأعاقبنّ هؤلاء الناس جميعاً ، بل وسأعاقب السوريين جميعاً، عقوبةً ما عاقبهم بها أحد ، فهم يستحقّون ذلك ، فبالأمس كانوا يهتفون لي ، واليوم يصفونني بأبشع الصفات ، وسأجعلهم يلحسون (....) مؤخّرتي / .
قال ( الشيخ تاج ...) هذا وعاد إلى مكتبه واستدعى مدير البريد من فوره، وأمره أن يطبع له طابعاً بالطول الكامل ، وأن يوزّعه على دوائر البريد، ليستعمله الناس حين إرسال الرسائل .
وحاول مدير البريد أن يثنيه عن طلبه ، وأن يكتفي بطابع عليه صورة وجهه أو نصفه العلويّ ، فهذا هو المتّبع عند الناس ،ولكن الرئيس أصرّ على طلبه وعلى وجوب تنفيذه فوراً .
وهكذا جاء مدير البريد بالطابع المطلوب بعد وقتٍ قصيرٍ ، وعرضه على الرئيس الذي سأله :
من أي بلد أنت ؟
ردّ الرجل :
من دمشق يا سيّدي .
قال الرئيس : إذن لنبدأ بك اللحس ، فهيّا وأرني كيف ستستعمل الطابع فيما إذا أردت إرسال رسالة ؟
وأخذ الرجل مظروف رسالةٍ كان قد أحضره معه ، وأمسك بالطابع الذي بالطول الكامل للرئيس (الشيخ تاج) ، وبلّل مؤخرة الطابع التي هي مؤخرة الرئيس بلسانه ، ثم ألصق الطابع على المظروف وقال : هكذا نستعمل الطابع إذا أردنا إرسال رسالةٍ ما يا سيّدي .
قال الرئيس الشيخ تاج متشفّياً :
إذا خذه ووزّعه على دوائر البريد ، وليستعمل منذ اليوم .
عجيـب !! كيف لا يتكلّم الكردية !!
وحكايتنا هذه تقول :
في بداية الاحتلال الفرنسي لسورية ، رفض السوريون جميعاً هذا الاحتلال، بل وقاموا بمحاربته قليلا أو كثيراً وفي جميع المناطق،ومن هذه المقاومات كانت ثورة الشمال بقيادة الزعيم (ابراهيم هنانو)، الذي قاد ثورة عنيفة ضدّ الفرنسيين، وسانده الكثيرون في ثورته، وكان ممن سانده (سيدو ديكو آغا ) ، وكان من آغوات "جبل الكرد" / منطقة عفرين الحالية /، ولم تكن مدينة عفرين قد بنيت حينذاك .
وقام الفرنسيون بدعم قواتهم بقوّات جلبوها من تركيا، حيث كانوا متمركزين على سواحل "اسكندرونة "،عن طريق الخط الحديدي / أو ما كان يسمّى بقطار الشرق السريع/،وكمحاولة لمنع وصول هذه الإمدادات، طلب الزعيم هنانو من (سيدو ديكو آغا)، نسف الخط الحديدي الذي يمرّ بجبل الكرد ، وما بين محطّة( ميدان اكبس ) ومحطّة بلدة ( قاطمة ).
ولكن( سيدو آغا) قرّر أكثر من ذلك،إذ قام بنصب كمين للقوّات الفرنسية القادمة عبر هذا الخطّ ، وذلك في ممرّ وادي / نشّاب /، وهو واد عميق، يقسم عرضانياً سلسلة جبلية عالية ، وهو طريق إجباري ّللقادمين من / ميدان اكبس / إلى عفرين الحالية ومنها إلى حلب .
وعندما بلغته الأخبار من عيونه التي نشرها في محطة ميدان اكبس، بوجود قطار ينوي التحرّك إلى حلب ، وعلى متنه قوات وأعتدة فرنسية، أسرع ووزّع رجاله على طرفيّ الوادي، وأمر آخرين فنزعوا بعض قضبان السكّة من مواقعها ، وكمنوا منتظرين مرور القطار المحمّل بالقوّات ، والذي جاء بعد قليل يتهادى ، واضطرّ للوقوف حين ارتطم بالأرض، عندما وصل إلى الأماكن التي نزعت قضبانها ، وبسرعة نشبت معركة بين الطرفين، وبسرعة انتهت أيضاً ، إذ أن الفرنسيين استسلموا حين شاهدوا أنفسهم محاصرين ، وحين رأوا أن من يمدّ رأسه من نافذة القطار أو بابه يهوي برصاصة صائبة .
وبسرعة أخرج الرجال الفرنسيين من العربة وقيّدوهم،وبسرعة تمّ جمع العتاد وكان كثيراً ، وبعد ذلك قام (سيدو آغا) بجولة اطلاعية على ما غنمه رجاله وما أسروه ، ثم راح يتجوّل في عربات القطار عربةً عربةً مستطلعاً ،وفي عربة من عربات القطار لمح (سيدو آغا) أسيراً فرنسياً من السنغاليين الذين كانت فرنسا تكثر من تجنيدهم في قواتها ، وكانوا غلاظاً شداداً على السوريين، وحين لمحه (سيدو آغا)، كان متكوّماً في ركن العربة يرتجف من الخوف، ودنا منه الآغا فوجده لايزال صغير السن، فشعر بشيء من العطف عليه حين أقامه رجاله وأوقفوه أمامه، فمدّ يده ولمس ذقنه بحركة ملاطفة، وسأله باللغة الكردية :
نافي تا چيا لاو ؟ ( ما اسمك يا هذا ؟)
ولكن الفتى السنغالي الصغير ظلّ يحاول التكوّم من الخوف ، ولم يجب الآغا لأنه لم يفهم ما قاله ،والذي كرّر السؤال حين لم يسمع جواباً :
نافي تا چيا لاو ؟ ( ما اسمك يا هذا ؟)
ولم يجب الفتى السنغالي للمرّة الثانية ، وهنا تدخلّ أحد رجال الآغا فقال له :
آغا هذا لا يعرف الكرديّة .
نظر الآغا إليه مستغرباً وقال :
عجيــب !! نحن عندنا الولد الصغير يتكلّم الكرديّة ، وهذا قد أصبح بحجم حمار ولا يعرف الكرديّة !!
وأحسّ الآغا بأحد رجاله يكاد يفلت ضحكةً ساخرةً ، فعرف أنه قال خطأً، ولكنه تدارك الأمر فقال للرجل الذي يكاد يضحك :
يا هذا اسأله عن اسمه بالفرنسية .
فقال الرجل : يا آغا أنا لاأعرف الفرنسية .
فقال الآغا معلّقاً :
عجيــــب !! وأنت أيضاً قد أصبحت بحجم بغل ، ولا تعرف الفرنسية .
هنانو وحاكم عفرين
وحكايتنا هذه تتحدّث عن بعض فضائل الزعيم هنانو وهي تقول :
بعد المحاكمة والبراءة التي خرج بها الزعيم هنانو، راح يمارس النضال السياسي في سورية، متّخذاً حلب مقرّاً له ، متزعّماً الكتلة الوطنية التي تشكّلت من جميع الوطنيين الأحرار، الذين رفضوا الاحتلال الفرنسي وقاوموه بالسلاح أولا، وبالسياسة ثانياً ،وهكذا راح الزعيم يدخل الانتخابات، متزعّماً قائمة الكتلة الوطنية، معتمداً على رفاقه في النضال المسلّح وغير المسلّح ، هؤلاء الذين ساعدوه ووقفوا إلى جانبه منذ اليوم الأول لبدء الكفاح ،والذين ما انقطعت علاقته بهم حتى وفاته عليه رحمة الله.
وكان من هؤلاء الرفاق (عارف آغا الروباري ) وقد سجّلت كنيتهم أيام قامت فرنسا بتسجيل وتعداد السكان باسم / غباري /، لأن لفظة الراء تقلب غيناً عند الفرنسيين ، وهكذا صارت كنية عارف آغا( الغباري) منذ ذلك الوقت ، وما يهمّنا وتقوم عليه حكايتنا أن الزعيم (هنانو) سمع أن صديقه ورفيق نضاله ومن آزره أيام الشدّة ، والذي دخل سجن ( خان استانبول ) وسجن (بيروت) بسبب مواقفه ودعمه للثورة "عارف آغا" مريض ، وهو في بلدة عفرين ، حيث يقيم في فندق حديث هناك ، لأن البيت الذي يبنيه لم يكتمل بعد .
وهكذا جمع الزعيم بعض زعماء الكتلة الوطنية، وكان منهم الزعيم (سعد الله الجابري) وآخرون، وقرّروا عيادة رفيقهم (عارف آغا) المريض في عفرين ، وكانت عفرين لا تزال في طور التأسيس والبناء، بعدما قرّر الفرنسيون جعلها مركزاً لقضاء جبل الكرد ، حيث بدأووا بإقامة مخفر ودار للحكومة ، وعيّنوا للقضاء قائممقاماً* يساعده ضابط فرنسي، وبعد ذلك بدأ الناس يبنون بيوتهم هناك ، وكان من أول من بدأ البناء الآغوات والتجار أصحاب محلات البيع والشراء، وأصحاب الخانات .
ونعود من جديد لحكايتنا التي تقول أن الزعيم وصحبه، سافروا إلى عفرين ووصلوها،وقبل أن يقصدوا بيت عارف آغا،ذهبوا إلى مركز القائم مقامية ليسلموا على القائم مقام،وكان في الغرفة المجاورة لغرفة القائم مقام، الضابط الفرنسي وعنده عدد من آغوات المنطقة المتعاونين مع الفرنسيين،فلما سمع الضابط الفرنسي من حاجبه أنّ الزعيم هنانو قد وصل،قام من فوره وترك
أولئك الآغوات في الغرفة، بعدما أغلق عليهم الباب بالمفتاح ،وأسرع لاستقبال الزعيم عند درج الطابق السفلي للبناء ، مرحّباً به أشدّ الترحيب ، وصعد معه إلى غرفة القائممقام، وجلس يرحّب به كثيراً ، مظهراً له كل الاحترام والتقدير، وظلّ عنده حتى استأذن الزعيم من القائممقام، وذهب لعيادة ( عارف آغا) المريض .
عندما ودّع الضابط الفرنسيّ الزعيم وعاد إلى غرفته ، وجد الآغوات ـ وكانوا أربعة ـ
متجهّمين غاضبين ،فسألهم مابهم ؟ فقالوا له :
نحن غاضبون ، وعاتبون !
ـ ولم ؟
ـ لأنك تركتنا وأسرعت للقاء هنانو،وهو قاتلكم ونحن نساعدكم،هوعدوّكم ونحن أصدقاؤكم ،فهل يجوز هذا؟ وهل تجوز المساواة بيننا؟ والأغرب أنّك أغلقت الباب علينا بالمفتاح ، وبعد ذلك تسأل ، لم أنتم غاضبون !
واستمع الضابط الفرنسيّ لكلامهم حتى انتهوا ، ثم خاطبهم فقال :
أنا أسرعت لاستقبال الزعيم واحترمته لأنه يستحقّ ذلك ،هو قاتلنا ولكن دفاعاً عن وطنه ، وهو باع أرضه ودفع ماله ليصرف على قتالنا، لأنه كان يدافع عن وطنه كما قلت لكم ، أما أنتم فتأتون إليّ لتأخذوا مني أموالا وأملاكاً لتقفوا ضدّ وطنكم ، ولا يهمّني غضبكم فأنا استعملكم بالمال ،ويهمّكم غضبي لأني إن غضبت سوف استبدلكم ، فمن من الطرفين يستحقّ الاحترام والتقدير ؟ أنتم أم الزعيم ؟ وأصدقكم القول ، لو كان هذا الزعيم منّا ، لأقمنا له التماثيل تقديراً لما فعل .
الحرامي
وحكايتنا الجديدة هذه، تأتي من الفترة التي تلت الحكاية السابقة، ودارت أحداثها في المنطقة نفسها ، وهي تقول :
إنّ رجلا من أبناء حلب، يعمل سائقاً على سيارة شاحنة صغيرة له ، كان له صديق من منطقة جبل الكرد) ، صادقه أيام صحبتهما في الخدمة العسكريّة في حرب السفربرلك / الحرب العالمية الأولى/وكان قد تفرّقا دون أن تنقطع العلاقة بينهما .
وشعر صاحبنا الحلبيّ أن إطارات عجلات سيّارته قد بليت من كثرة الاستعمال ، وأنها لم تعد صالحةً ، وأنها بحاجةٍ ماسّةٍ للتبديل ، ولكنه ما كان يملك ثمن إطاراتٍ جديدة ، فالدنيا حرب ،/ الحرب العالمية الثانية / وقوّات الفرنسيين و/الإنكليز/ منتشرة في كل مكان، والناس لايقومون إلا بالأعمال الضرورية جدّاً، فمن أين يأتي العمل الذي سيدرّ عليه المال ، أي ثمن إطارات العجلات ، وهكذا وقع صاحبنا الحلبيّ في حيرةٍ من أمره ، وفكّر وفكّر بطريقة تساعده على حل مشكلته ، وأخيراً تذكّر صاحبه الكردي من منطقة جبل الكرد ، صاحب أيام الخدمة العسكرية في حرب السفربرلك، وقام من فوره وقاد سيّارته إلى قريته فوصلها بسلام ، وهناك شرح لصاحبه الذي فرح لرؤيته كثيراً ، شرح له ما هو فيه ، وطلب منه قرضاً لشراء إطاراتٍ لعجلات سيّارته ، ولكن الصاحب ذاك ،لم يكن بأحسن حال من صاحبه ، وأحسّ أنه في ورطةٍ كبيرةٍ ، إذ كيف يمكن الاعتذار من رفيق دربٍ وصديق حربٍ ؟
ويكمل الحكاية، المضيفُ الذي ما أراد أن يعود ضيفه وصديقه خائباً ، فطمأنه وطلب منه المبيت عنده ،وأنه سيؤمّن له طلبه إن شاء الله ، وكان الرجل قد بيّت في نفسه أمراً، بادر إلى تنفيذه ما إن نام الناس ،فقد خرج من بيته سرّاً، وقصد معسكرا/ للإنكليز / كان غير بعيد عن قريتهم، وبواسطة خيطٍ قاس به عرض إطارات سياّرة صاحبه، راح يقيس إطارات السيّارات الموجودة في المعسكر، باحثاً عن إطاراتٍ بالمقاس المطلوب .
ويضيف الرجل قائلا :
وبحثت وبحثت، فلم أجد طلبي إلا في سيّارة واقفة غير بعيد عن ضابطين / انكليزيين /، يلعبان الورق على ضوء مصباحٍ يعمل على زيت الكاز / لوكس /، وقرّرت المخاطرة، فبدأت بفكّ الدولاب الأوّل مع إطاره ، وبعدما أسندت السيارة على حجر وضعته تحتها، دحرجت الدولاب إلى خارج المعسكر وإلى بعدٍ كاف ، وعدت ففعلت بالدولاب الثاني ما فعلته بالأول،وكذلك بالثالث، وأنا لا أنفكّ أنظر إلى الضابطين بين اللحظة والأخرى متحسّباً لما قد يحصل .
حين عدت لأخذ الدولاب الرابع ، رأيت أحد الضابطين قد نهض من جلسته، وأمسك بمسدّسه الذي كان على الطاولة، والتفت إليّ، وقبل أن يتحرّك باتجاهي سأله الثاني بلغته :
إلى أين أنت ذاهب ؟ وماذا ستفعل ؟
ردّ الأول :
ألا تراه! لايستحي ولا يخجل ! لقد سرق الدولاب الأوّل فقلنا لايهم ،وسرق الثاني فقلنا ليست مشكلة ، وسرق الثالث فتغاضينا ، ولكنه عاد ليسرق الرابع ! أفلا يستحق العقوبة ؟
قال الثاني :
اجلس واتركه يأخذ ما يريد ، اتركه يتعلّم السرقة وأخذ ما ليس له ، ألم يقولوا لك ذلك حين أرسلونا إلى هذه البلاد ، أم نسيت ذلك ؟
يقول صاحبنا بطل الحكاية :
حين سمعت ما قاله الثاني ، وكنت قد تعلّمت الإنكليزية أيام أسرت عندهم في الحرب، تمنّيت لو أنّ الأرض تنشقّ وتبتلعني ، وشعرت بضعفٍ شديدٍ في رجليّ، حتى أنهما ما عادتا قادرتين على حملي ، فتهاويت حياءً وخجلا من ممارسة السرقة، وكنت أمارسها قبلا بجرأة ووقاحة، معتبراً ذلك من شروط الرجولة والشجاعة .
وحين شاهدني الضابط الثاني أنهار على الأرض، قام من مجلسه، وتقدّم مني ممسكا بمسدّسه ، وحين وقف فوقي قال لي بلغته :
لقد فهمت ما قلته لرفيقي ،أليس كذلك ؟
هززت رأسي أن نعم، ولم أتكلّم .
فقال لي مهدّداً :
قم وخذ الدولاب الرابع ، وإن لم تفعل، فسوف أقتلك برصاصة من مسدّسي هذا .
ويضيف صاحبنا :
قمت وأخذت الدولاب الرابع، وأعطيت الدواليب لرفيقي وضيفي ، وبعدما غادر فرحاً ،توضأت وصلّيت ركعتين لله ، وتبت إليه عن السرقة بعد ذلك ، ووفيت بوعدي .
وإلى اللقاء في الحلقة الثامنة ....... عبدو رشو 28/2/2006
ـــــــــــــ
( الحلقة السادسة )
ذكريات من سفربرلك
"الحرب العالمية الأولى"
وأعود لذكريات أجدادي ممن خاضوا الحرب العالمية الأولى " حرب السفربرلك "
كما يسمونها، وفي هذه المرّة سأحدثكم بما سمعته من جدّي مصطفى الذي كان عمّ والدي ، وكنا نحن صغار العائلة نناديه بـ "جدّو ـ تماما، كما كنا ننادي جدّنا والد والدنا .
وجدّي مصطفى هذا كان جنديا في الحرب التي ذكرتها لكم " حرب السفر برلك " ، وكانت له فيها ومنها وعنها ذكريات كثيرة ، كان يحدّث الناس عنها في أمسيات الشتاء بخاصة ، وكنا نحن صغار العائلة نجلس ونستمع إليها باهتمام مع الكبار .
مرّة حدثنا جدي مصطفى فقال :
أتت الأوامر إلى كتيبتنا بالاستعداد للانتقال إلى المدينة المنورة في أرض الحجاز الشريف لدعم قواتنا هناك ، كانت كتيبتنا في غرب اسطنبول ، في أرض البلقان ، وبظرف يومين أو ثلاث كنا نتحرّك باتجاه اسطنبول ، ومنها سرنا جنوباً باتجاه بلاد الشام " شام شريف " ، كنا فرحين في سيرنا ذاك ، كنا سندوس أرض الشام الطاهرة كما حدثونا ، وكان يزيد من فرحنا أننا سنذهب إلى أرض الحجاز ، الأرض التي عاش عليها رسولنا الكريم محمد (ص ) ، وكان هذا يجعلنا نتقبل الآلام التي كنا نشعر بها بصبر وجلد عجيبين، بل كانت تهون في سبيل هدفنا ذاك .
كنا نسير سيراً على الأقدام حاملين على ظهورنا أحمالا ثقيلة ، كنا نحمل عتادنا الشخصي وسلاحنا وعدّة نومنا ،كل ذلك كنا نحمله ونسير سيرأ على الأقدام ، ثلاثة رجال من قيادة الكتيبة كانوا يركبون الأحصنة ،"الآغا " قائد الكتيبة ، ورئيس أركانه ، ومحاسب الكتيبة ، هؤلاء فقط كانوا راكبين ، والبقيّة كانوا يمشون ، كنا نمشي بعد صلاة الفجر وحتى قبيل الظهيرة ، حيث كنا نتوقّف للوضوء و الصلاة وتناول الطعام ، وقبيل العصر كنا نبدأ السير من جديد وحتى قبيل المساء ، حيث كنا نتوقف للعشاء والمبيت حتى الفجر ، وهكذا ظللنا نسير أكثر من شهرين حتى وصلنا إلى تخوم الحجاز ، كان قد هلك بعضنا أثناء سيرنا الطويل هذا ، وكنا ندفن من يموت ونتابع سيرنا بصبر وتحمّل شديدين كما ذكرت .
حين دخلنا أرض الحجاز عكسنا أوقات سيرنا ، صرنا نسير ليلا وننام نهاراً ، كان الحرّ الشديد يمنعنا من السير نهارا وهكذا صرنا نمشي مع بداية حلول الظلام ، ولا نتوقّف إلا عند الفجر حيث كنا نتوضأ ونصلي الفجر، ثم نتناول ما تيسّر من طعام ، ثم نلجأ إلى خيامنا وننام حتى العصر ، ومع العصر كنا ننهض للوضوء والصلاة وإعداد الطعام ، وتجهيز أنفسنا للسير من جديد ، كان هذا دأبنا خلال سيرنا المتعب المنهك ذاك ، وكنا نسمع خلال سيرنا أنباء عن معارك تدور ها هنا وها هناك ، بين قواتنا وقوات الإنكليز وحلفائهم ، وكنا نعرف أن خسائر كثيرة تقع بين صفوف قواتنا ، ولكننا كنا نعزّي أنفسنا بأننا ندافع عن ديننا وبلادنا ، وأن من يسقط دفاعاً عن دينه وبلاده فهو شهيد ، والشهادة مرتبة كنا نتمنّاها .
ويضيف جدّي بعد توقّف قصير فيقول : حين وصلنا أرض الحجاز كان التعب قد نال منا كثيراً ، وزاد الأمر سوءاً شدّة الحرارة ، وهذا ما دفعني في بعض الليلي المقمرة إلى الترنّم بلحن أغنية قديمة تتحدث عن الحب والشوق للأهل والأحبّة ، وبعد يومين أو ثلاثة وكنت أسير في مؤخرة السائرين ، فوجئت بالآغا قائد الكتيبة بجانبي ، كان يسير خلف الجند ممسكاً بلجام حصانه الذي كان يمشي خلفه ، فوجئت به بجانبي يسلم عليّ ثم يسألني :
ـ ما اسمك ومن أي البلاد أنت يا ولدي ؟
ـ اسمي مصطفى وأنا من قرية في شمال حلب يا آغا ، قرية تقع في وسط جبل الكرد شمال حلب .
ـ وهل تعرف الغناء يا ولدي ؟ لقد سمعتك تدندن بلحن وكلام فيه شوق وحنين ، أليس كذلك ؟
ـ نعم يا آغا ، كان ذلك .
ـ إذن غنّ لي أغنية جميلة يا ولدي ، لقد أدمت هذه الحرب افئدتنا ونفوسنا يا ولدي .
ـ وماذا تريد أن أغني لك يا آغا ؟
ـ غنّ لي أغنية " مم و زين " يا ولدي .
ـ ولكن يا آغا هذه أغنية حبٍّ وليست أغنية حرب ، فهل أغني لك يا آغا أغنية فيها بطولة وقوة وحديث عن الانتصارات والبطولات ؟
ـ أجبني يا مصطفى ، ألك قبر جدٍّ تزوره في الأعياد والمناسبات ؟
ـ نعم يا آغا لي قبر جدٍّ وأزوره كما قلت .
ـ وهل كنت تراقب والدك حين كنت صغيراً وهو يصلّي ثم يجلس على سجادته ويتلو أدعياته؟
ـ نعم يا آغا كنت أفعل ذلك تماماً ، وأذكر ذلك جيداً .
ـ وهل تناولت يوماً رغيف خبزٍ ساخن من يد والدتك وهي تخبز، ولففت به بصلةً خضراء وعرقاً أو عرقين من البقدونس والنعناع من حاكورة بيتكم ، وتناولته بشهية كبيرة ؟
ـ كان ذلك أطيب طعامٍ تناولته بحياتي يا آغا .
ـ ونأتي للأهم يا مصطفى ، أكانت لك صبية جميلة تحبّها وتنتظرها على طريق العين ، لتسرق من عينيها نظرة حبٍّ وودٍّ ؟
ـ لا أزال أذكرها يا آغا , ولا أدري ما جرى لها بعد غيبتي الطويلة هذه ؟
ـ أنا أزيد عنك يا مصطفى بأن تلك الصبية هي زوجتي الآن ، وأراها في صحوي ومنامي وهي تعمل في الحاكورة ، وولدي الصغير يتبعها ممسكاً بذيل ثوبها ، وهي تنظر إليّ بين اللحظة والأخرى منتظرةً عودتي .
ـ أعادك الله لها بالخير والسلامة يا آغا .
وتنهد الآغا كبيرنا وأضاف :
ـ يا مصطفى يا ولدي ، كل ما سألتك عنه هو ما يسمونه الوطن ، وهو الذي يجعلنا نتحمّل كل هذا العذاب بصبر ، والبطولة الحقيقية يا ولدي هي أن تحمي هؤلاء من كل أذى ، ومن الوقوع تحت حكم الأعداء ، فدع عنك كلام البطولات وهات غنّ لي أغنية " مم و زين " أغنية الحب الخالدة ، ودعنا نفرح قلوبنا بالذكريات الجميلة .
حكايات من أيام فرنسا
البِغالْ *
( وعربة الجنرال غورو )
تقول الحكاية عن شاهد عيان :
بعد معركة ميسلون سنة 1920 م ،ودخول القوّات الفرنسية دمشق غازية ،وبعد استتباب الأمن مبدئيّاً لهم ،وبعد إعداد مقرّ لقائد تلك القوّات( الجنرال غورو ) في بناية (العابد) المطلّة على ساحة ( المرجة) في دمشق،بعد أن تمّ كل ذلك ،تحرّك موكب الجنرال من بيروت قاصداً دمشق ، وكان موكباً مؤلّفاً من عرباتٍ تجرّها الخيول والبغال .
وسمع أهل الشام بقدوم الجنرال الغازي، فأسرع المنافقون والمستسلمون والانتهازيون، فأعدّوا له استقبالاً حسناً خارج دمشق عند قرية دمّر المعروفة ،وحين أهلّ عليهم، راحوا يدبكون ويهتفون بحياته وفضائله ومكرماته، ثم تقدّموا من عربة الجنرال وهم بأزيائهم الشعبية ،وكانت تجرّها ستة بغال، فحلّوا أربطتها ، ونحروا الذبائح عند أقدام الجنرال زيادة في التكريم والاحترام .
وبعد ذبح الخراف أُخذ ( غورو ) إلى خيمةٍ أعدّت للترحيب به ، وهناك جاءه زعماء المستقبلين، والقوا أمامه خطب التهنئة والترحيب بقدومه ،وبعد أن انتهت تلك المراسم، قام الجنرال ليركب عربته ويتابع طريقه إلى دمشق ، ولكنه فوجيء بستّةٍ شبّانٍ أقوياء، يسرعون إلى العربة ويمنعون الخدم من ربط الخيول إليها، ثم ربطوا أنفسهم بدلا عنها وراحوا يجرّونها قاصدين دمشق.
لم يتدخّل ( غورو) فيما يجري أمامه ،بل ظلّ ينظر إليهم دون أن يعلّق على كلام المترجم الذي أوضح له قائلا : إنّ هذه عادة قديمة تدلّ على تقدير مكانة الضيف الكبيرة .
ووصل موكب الجنرال إلى ساحة ( المرجة ) ونزل ( غورو) وصعد إلى مكتبه في بناية (العابد )،وبعد ساعة أو نحوها قادته قدماه وحب الاستطلاع للنظر من النافذة إلى الساحة،
وعجب حين رأى الشبّان الستّة لازالوا هناك منتظرين ، فنادى المترجم وسأله عن سبب بقاء
هؤلاء بعد انصراف الناس المرحّبين جميعاً ؟ فقال المترجم :
هم ينتظرون مكافأتهم يا سيّدي ، فهذه هي العادة .
وسأل الجنرال :
ما تطعمون البغال عندكم ؟
وردّ المترجم :
نطعمها الشعير يا سيّدي .
وبهدوء شديد قال الجنرال آمراً :
ليعط كل منهم كيساً من الشعير .
الرجل المناسب
تقول الحكاية :
حين دخل الفرنسيون سورية بعد معركة ميسلون سنة 1920م ، لم يلبثوا أن جوبهوا بمقاومة شديدة، كلّفتهم الكثير من الأموال والرجال،وليقلّلوا من خسائرهم وبخاصّة من الرجال ، فقد شكّلوا ، من المتطوّعين المحلّيين لقاء رواتب مغرية فرقاً أو قواتٍ أ سموها أو سمّيت بـ ( الملّيس ) ،وكان معظم المنتسبين إليها من المرتزقة، أو من الذين كانوا بأمسّ الحاجة للعمل .
وقد أقام الفرنسيون مركزاً من مراكز قياداتهم في بلدة (إعزاز) الواقعة شمال حلب ، وكان في هذا المركز / مستشار فرنسيّ / على رأس قوّة من هذه الميليشيات، وكانت له مطلق الصلاحيات،كان حاكما بأمره، يعزل ويقبل المتطوّعين أو المنتسبين لهذه القوّة من / الملّيس /
وكان يخاطب الناس بواسطة مترجم من الأهالي يعرف اللغة الفرنسية ، وروى المترجم ذاك فقال :
يوماً وكنت في مكتب المستشار ، دخل شاب أنيق المظهر، وسيم الوجه، وخاطب المستشار بلغة فرنسية سليمة ، وطلب قبوله متطوّعاً في قوّة / الملّيس / ، فسأله المستشار مستغرباً :
أتعرف لغات غير الفرنسية ؟
ردّ الشاب :
نعم ، فأنا أتكلّم الإنكليزية والألمانية بالإضافة إلى التركية والعربية .
هزّ المستشار رأسه عدّة مرّات كمن فهم أمراً هاماً ، ثم قال له : لسنا بحاجة الآن للمتطوّعين ، وقد أقفلنا باب القبول الآن .
قال المترجم مضيفاً : كنت واجماً أنظر وأسمع ولا أفهم ،فقد كان المستشار يقبل كل متطوّع يأتيه ، وكان بحاجة للمزيد ، ولم أدر ولم أفهم لماذا لم يقبل ذلك الشاب، مع أنه كان يمتلك إمكانيات غير متوفّرة في غيره .
وبعد قليل من انصراف ذاك الشاب، اقتحم الباب رجل فظّ خشن الملبس والمظهر،يلبس عباءةً خشنةً وسخةً، فوق ثياب ما عرفت الغسيل ربما منذ سنة، ويمسك بيده عصا غليظة من عصيّ الرعاة،دخل وكان قد دفع بقوّة الحاجب الذي منعه من الدخول قبل الاستئذان ،وخاطبني بلهجة آمرة :
قل للمستشار إني أريد أن أتطوّع في/ الملّيس /.
نظرت إلى المستشار فوجدته يروز الرجل بعينيه، ويركّز نظراته على عضلاته البارزة من تحت ثيابه المرقّعة ، وإلى العصا الغليظة التي في يده ، وبعد أن تفحّصه مليّاً ، التفت إليّ وقال سائلا :
هل جاء هذا ليتطوّع في / الملّيس / ؟
قلت : نعم .
قال :
اسأله ، هل عنده حصان ؟
وكان من شروط قبول المتطوّع أن يكون عنده حصان ليركبه ، فالقوّة المذكورة كانت من الخيّالة ، ولما سألت الرجل ، ردّ بفظاظة :
ومن أين لي الحصان ؟ ما أنا إلا رجل راع بالأجرة .
ويبدو أن المستشار قد فهم الرجل من طريقة كلامه وفظاظته ، إذ مدّ لي يده وأعطاني ليرتين ذهبيتين وهو يقول :
قل له ، ليذهب ويشتري حصاناً، ويعود إلينا فقد قبلناه .
وخرج الرجل فرحاً، وظللت أنا جامداً مستغرباً، متسائلا بيني وبين نفسي، ما هذا التصرّف الذي تصرّفه المستشار ؟ كيف يرفض شاباً متعلّماً يتقن لغاتٍ كثيرة؟ ويقبل راعياً جلفاً جاهلا لا يكاد يعرف لغته الأم ؟
ولكن المستشار لم يتركني في حيرتي التي عرف أني قد وقعت فيها ، فقال لي :
لا تستغرب ما رأيت ،ولأوضّح لك، فقد رفضت الأول لأنه يفهم ويعرف الكثير ،ولأنه يفهم ويعرف، فسيناقش الأوامر التي ستصدر إليه، وسيقول هذا صح وهذا خطأ، وهذا يجوز وهذا لايجوز ، أما الثاني فسينفّذ أوامري بحذافيرها، ولو أمرته أن يقتحم حائطاً لاقتحمه، دون أن يسأل لماذا ، وهذا من يلزمني ، وهذا هو الرجل المناسب ، فهل فهمت ؟
الكاتب : عبدو محمد رشو 24/12/2005
( الحلقة الخامسة )
حكايات من أواخر أيام الدولة العثمانية
أسرى و قيم
يقول التاريخ المنقول شفاهاً ، وربما كان مكتوباً :
حين بدأت الدولة العثمانية بالتوسّع غرباً، وصلت إلى حدود " فيينا " عاصمة النمسا الحالية، بل وحاصرتها أيضاً، ثم بدأت بالتراجع بدءاً من ذلك الحصار .
وفي أثناء تلك الحروب التي كانت تخلف قتلى وجرحى وأسرى، كانت توقّع أحياناً اتفاقيّات للهدنة، لحاجة الطرفين إلى استراحات، تتم فيها استعداداتٌ لحروب جديدة، قد تنشب بين الطرفين من جديد .
وفي إحدى اتفاقيات الهدنة بين الطرف العثماني والطرف الأوربي النمساوي، جرى الاتفاق على تبادل الأسرى،وحدد لذلك موعد ومكان ، وكان المكان عند جسر على نهر فاصلٍ بينهما .
وعند طرفي الجسر وقف الفريقان ، ومعهما ما عندهما من الأسرى، وبدأ التبادل بطريقة إطلاق أسيرٍ من كل طرف في الوقت نفسه، بحيث يصلان وسط الجسر معاً ، ثم يمضي كل أسيرٍ إلى أهله ، وراح الأسرى يعودون واحداً بعد واحد ، حتى مالت الشمس نحو المغيب، بل قاربت المغيب،ثم لم يجد الطرف العثماني عنده ما يبادل به ، بينما كان أسراهم عند الطرف النمساوي لايزالون متواجدين .
وجاء الخبر من الطرف النمساوي يقول إنهم على استعداد لأن يطلقوا سراح من بقي عندهم دون مقابل ، وهم سينفّذون ذلك فوراً ، وردّ الضابط العثماني بقوله :
إنّه لايستطيع قبول العرض دون الرجوع إلى قيادته .
وتم الاتصال بالقيادة ، والتي رفعت الأمر بدورها إلى العاصمة / استانبول / ، وجلس الجميع على طرفي النهر ، بل باتوا ليلتهم تلك وما بعدها من ليالٍ، منتظرين ورود جواب السلطان .
وأخيرا جاء الجواب يقول :
لانقبل ذلك ،لا نقبل أن يكون الرجل منا أرخص من الرجل منهم ، ولا نقبل أن يكون تسعون منهم يساوون مئةً منا، وعليكم أن تدفعوا دية من بقي من رجالنا عندهم، وبالثمن الذي يحددونه .
لاأقبل أبداً أن يسجّل التاريخ أن السلطان العثماني قبل أن يكون الرجل من دينه أرخص من الرجل من دين عدوّه .
---------------------------------------
في أيام الدولة العثمانية ، كان الوالي العثماني في كل ولاية ، هو قائد الجند فيها ،وكان من واجباته كقائدٍ للجند، أن يشرف على تدريب قوّاته ، وأن يجري مناورات تدريبيّة كل عام، للحفاظ على كفاءة قوّاته ، وأن تكون إحدى هذه المناورات التدريبيّة في الخريف من كل عام .
ومن هنا تبدأ حكايتنا التي تقول :
إنّ والي حلب قد أخرج قوّاته إلى شمالي المدينة / إلى قرب بلدة حريتان الحالية / وهناك راح يشرف على تحرّكات فصائل وسرايا جنده ساعةً بساعة ، ويوماً بيوم .
وفي عصر أحد الأيام ، خرج الوالي راكباً حصانه ، يحفّ به عدد من ضبّاطه وحرّاسه، ليستطلعوا المنطقة التي سيتحرّكون فيها غداً ، ووصلوا في سيرهم وبحثهم إلى قرب قرية / حيّان / الحالية ، وهناك لاحظ الوالي وجود رجلٍ كأنه يرقص " يدبك " في مكانه ، وبين الفينة والفينة، يترك مكانه ويجري ليدور بين حقل ذرة بيضاء ،ثم يعود ليتابع رقصه، ودفع الفضول الوالي ليقترب من الرجل مستطلعاً، وحين دنا منه وجد بيده مغزلا، وهو يغزل عليه صوفاً من كيس معلّقٍ برقبته، ولما دنا منه أكثر، سمعه يتمتم بكلمات غير مفهومة لانخفاض صوته .
وناداه الوالي فاقترب الرجل خائفاً ، وسلّم على الوالي باحترام شديد ، فسأله الوالي :
قل لي يا هذا ، ما اسمك ؟
ـ اسمي عقيل سيدي .
ـ ولماذا ترقص يا عقيل ؟
ـ أنا لا أرقص يا سيدي ، أنا أدوس وأدقّ بقدميّ أعواد الكتان لأحوّلها إلى كتلة ناعمة، فقد قالت لي أمي " يا عقيل يا ابني دق " هالكتّانات" وخذها وبعها في سوق الجمعة في حلب، لتحصل على كم بارة* ثمنا لها " فقلت لنفسي ولم لا ،ليكن عندنا بعض البارات في هذه الدنيا الفانية .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـ وما هذا الذي تغزله بمغزلك يا عقيل ؟
ـ هو صوف يا مولاي ، فقد قالت لي أمي " يا عقيل يا ابني اغزل" هالصوفات" لأصنع لك منها جوز" جرابات " فقلت لنفسي ولم لا ، ليكن عندنا جوز" جرابات" في هذه الدنيا الفانية .
وبماذا كنت تمتم يا عقيل ؟
ـ يا مولاي أنا لم أكن أتمتم ، أنا كنت أقرأ القرآن ،فقد قال لي جاري" علي" إنّه شاهد والدته المتوفاة في المنام، وطلب مني أن أقرأ لروحها سورة " يس " لأنه لايعرف قراءة القرآن ، وقال لي أنه سيعطيني ربع مجيدي لقاء ذلك ، فقلت لنفسي ولم لا ، ليكن عندنا ربع مجيدي في هذه الدنيا الفانية .
ـ ولماذا تذهب وتجري بين حقل الذرة الذي بجانبك بين الوقت والآخر يا عقيل ؟
ـ يا مولاي أنا لاأذهب لأجري هناك ، أنا أذهب لأطرد العصافير التي تأتي وتأكل الذرة ، فقد قال لي جاري" مصطفى" إنّه مضطرّ للنزول إلى حلب،وطلب مني أن أطرد العصافير عن حقله ، وقال لي أنه سيعطيني نصف كيل من الذرة حين حصاده ودقّه ، فقلت لنفسي ولم لا، ليكن عندنا نصف كيل ذرة في هذه الدنيا الفانية .
ـ وأنت ما ذا تفعل هنا يا عقيل ؟
ـ يا سيدي ويا مولاي ، أنا بالأساس" ناطور" أحرس كرم العنب هذا ، فهو كرمنا .
قال الوالي لحراسه :
اطرحوه أرضاً ، وارفعوا رجليه ، واضربوه عليها " فلقة* " حتى يقول لكم ماذا كان سيفعل لو لم تكن هذه الدنيا فانية ؟
------------------------------
( الصدر الأعظم و محبّوه )
والصدر الأعظم رتبةٌ كانت في أيام الدولة العثمانية، وهي تساوي في أيامنا رتبة رئيس الوزراء . وحين كان " فريد باشا " صدراً أعظم، وكان فهيماً حكيماً ذا رأي وبصيرة ، كان يروى عنه ، أنه اقترح على السلطان عبد الحميد أن يجعل اللغة العربية لغةً رسميةً للدولة ،وأن يُخرِج غير المسلمين جميعاً من أراضي الدولة،وقد روى لي هذا المرحوم خير الدين الأسدي عليه رحمة الله ،أيّام كنا نعمل في إعدادية الحكمة في حلب معاً كمدرسين ، وأضاف بأن الاقتراح الأول لم يوافق عليه حزب تركيا الفتاة " جان ترك" الطوراني " وأن الاقتراح الثاني لم يوافق عليه شيخ الإسلام،على اعتبار أن من واجب المسلمين حماية من تحت حكمهم لا طردهم ،وفي أيام " فريد باشا "هذا جرت حكايتنا التي تقول :
إنّ ابناً يافعاً لـ(فريد باشا )، سأله يوماً :
أبي ؟ أنت محبوب جداً من أهل (استانبول) ،إنّهم يحبّونك حبّاً شديداً يا أبي !
ـ وكيف عرفت ذلك يا ولدي ؟
ـ من رؤيتي وسماعي لهم يا والدي ، فها نحن قد اقتربنا من المغيب، وقرب موعد الإفطار، ونحن في رمضان، وبعد قليل سيأتونك فرادى وجماعات، معظم وجهاء العاصمة يأتون ليفطروا معك تاركين أهليهم وأولادهم ، وليس هذا فقط ، بل يصلّون خلفك صلاة المغرب والعشاء وصلاة التراويح أيضاً ، وبعضهم يظلّ ساهراً معك حتى وقت السحور، أما عن كلامهم فأنت تسمعهم كيف يتحدّثون أمامك بكل احترام وتقدير ،أفلا يدلّ كل هذا على مقدار حبّهم لك ؟
وأطرق (فريد باشا ) مفكّراً في حال ولده الذي غرّته المظاهر، والذي لا ينفذ إلى ما خلفها،ولده الذي يخدعه اللسان المعسول، ليوقعه في مطبّات قد تكون قاتلة،ولده الذي لم يسمع أو لم يفهم المثل القائل :
" ما أكثر أصحابي لما كان كرمي دبس، وما أقلّ أصحابي لما كرمي يبس "
أو بالقول العربي :
" بالطلعة كتروا الأحباب، وبالنزلة كلهم هربوا "
ولا بالقول الذي شاع حتى لم يبق من لم يسمعه :
" ماتت بقرة القاضي فشيّعها كل أهل المدينة ، ومات القاضي فلم يشيّعه أحد "
تذكّر (فريد باشا ) كل ذلك بلحظات،وبلحظات قرّر أن يعطي ابنه درساً يعلّمه عدم الانخداع بالمظاهر، ولا تصديق معسول الكلام ممن لم يختبره وممن لم يجرّبه، وأن هؤلاء الذين يأتونه يومياً قبيل موعد الإفطار، ما هم إلا منافقون مراؤون بمعظمهم ، وهو يستقبلهم لأنه كـ " صدر أعظم " لا يريد أن يجعلهم أعداء له على الأقل ، لكل ذلك التفت الرّجل إلى ولده وقال له :
أرجو أن تتواجد اليوم مساء عندي وحتى ما بعد صلاة التراويح، وسأريك عدد الذين يحبّونني من هؤلاء .
وجاء المساء ،وكالعادة في كل يوم ، بدأ وجهاء (استانبول ) يتقاطرون على قصر الصدر الأعظم وينضمّون إلى مجلسه،وحين أذّن المؤذن لصلاة المغرب، كانوا قد بلغوا التسعين ، وكان الابن قد عدّهم عدّاً ، وهكذا صلّى الجميع خلف الصدر الأعظم ، وأفطروا على مائدته، ووقفوا ليصلّوا خلفه صلاة العشاء وصلاة التراويح ، ولكن الذي حدث أن" الصدر الأعظم"، حين أنهى صلاة العشاء ،ووقف ليبدأ صلاة التراويح، نظر فرأى ضوءاً قادماً من قصر (يلدز) قصر السلطان،وكانت هذه عادة تلك الأيام في الانتقال فوق مضيق البوسفور وبين جنباته، كانت المواصلات والاتصالات تتم بواسطة الزوارق ، وكان للسلطان عددٌ منها تحت إمرته، يستعملها كمراسيل لإيصال أوامره ، وهذا ما قصده (بيري باشا) حين قال مشيراً للضوء القادم وبصوت عالٍ ليسمعه الجميع :
الله يعطينا خير هذا الضوء ؟ الله يبعد عنا الأخبار السيئة .
وسمع الجميع مقولته ، وسأل بعضهم مستفسرين :
خير يا مولانا ، ماذا هناك لتقول ما قلت ؟
وأراد الصدر الأعظم أن يهييء الأجواء لما خطّط له فأضاف :
لقد تحرّك زورقٌ من عند قصر السلطان ، ها هو ضوء الزورق يأتي نحونا، فعساه يحمل خيراً لاشرّاً .
قال الصدر الأعظم ذلك ، وأضاف :
لنتابع صلاتنا ريثما يصل إلينا .
وهكذا تابع الجميع الصلاة خلفه ، وما إن صلّوا ركعتين حتى كان الزورق قد وصل، فالمسافة لم تكن بعيدة بين القصرين،فأوقف الصدر الأعظم الصلاة بعد ما سلّم "تسليمة "انتهاء الركعتين، واستأذن الحضور، ونزل الدرجات المؤدية من القصر إلى المرسى الذي يقف عنده الزورق، فسلّم على الرجل الذي فيه، وأعطاه ليرتين ذهبيتين، كان قد وعده بهما حين طلب منه أن يقوم بما قام به ، إذ لم تكن هنالك أخبار أو ما يحزنون، ولكن الرّجل كان قد هيّأ درساً لابنه ليستفيد منه في قادمات أيامه .
ورجع الرجل، الصدر الأعظم من عند الزورق وقد وضع قناعاً من الهم والحزن على وجهه، وعندما اقترب من الجمع راح يردد لنفسه :
" أوامر مولانا السلطان على الرأس والعين ، منه الأمر ومنّا الطاعة .... أوامر مولانا السلطان على الرأس والعين ، منه .............
وفهم الوجهاء / محّبو الرجل والد الشاب اليافع / أن أمراً جللاً قد حدث ،وأن السلطان قد أصدر أمراً لم يُعجب الصدر الأعظم، ولكنه لا يرى بدّاً من الاستجابة ،ودفعهم الفضول للسؤال قائلين معاً :
خير يا مولانا ، عسى أن يكون ما أتاكم خيراً ؟
وأجاب الرجل بكل هدوء :
لقد نزع السلطان أختام الحكم مني ، هذا كل ما في الأمر ، والسلطان مولانا وآمرنا .
وسألوه من جديد :ولمن أعطى مولانا السلطان الأختام يا سيدنا ؟
وذكر لهم الرجل اسماً كان من منافسيه على المنصب منذ سنوات ، ثم أضاف :
والآن دعونا من الحكم ومتاعب الحكم ،وهيا بنا لنكمل صلاتنا .
ووقف الرجل وتابع الصلاة وخلفه الجمع ، ولكنهم ما إن بدأووا حتى راحوا يهمسون لبعضهم البعض :
هيا لنسرع ونبارك للصدر الأعظم الجديد ، هيا لنسرع ونبارك للصدر الأعظم الجديد .
وبدؤوا ينسحبون من الصلاة واحداً بعد واحد ، بل ازداد المنسحبون وصاروا مثنى وثلاث ورباع ،وهكذا لم يبق خلف الرجل في صلاته، غير اثنين فقط من التسعين الذين عدّهم ولده عدّاً عند وقت الإفطار.
وأنهى الرجل صلاته، ومضى إلى مجلسه اليومي فجلس ومعه الرجلان ،وحين استقرّ به المقام ، نادى ولده وقال له :
ـ هل رأيت عدد الذين يحبّونني يا ولدي ؟
ـ نعم يا والدي ، رأيت .
ـ إنهم هذان فقط ، فهل فهمت ؟
ــــــــــــــ
/ مناسبة سيز/ أحمد أفندي
تقول الحكاية :
كان في( استانبول) في أيام السلطان عبد الحميد خان ، رجل اسمه أحمد أفندي ، وأفندي ليس اسماً بل لقبٌ يلحق بالاسم دلالةً على الاحترام والتقدير ، وهذا متّبع ولا يزال في معظم البلاد التي كانت تابعة للدولة العثمانية ،وتلحق الكلمة أو اللقب باسم الرجل كما نلحق نحن في هذه الأيام باسم الرجل كلمة أستاذ أو سيد .
ونعود لأحمد أفندي هذا الذي اشتهر في ( استانبول ) كلها بهذا اللقب، والذي يعني من دون مناسبة، وذلك لأنه كان يتحدّث بالحديث الذي لا يناسب الموقف الذي هو فيه، بل يخالفه الاختلاف كله ،ولذلك صارت أحاديثه ومقولاته طرفاً ونوادر، يتحدّث بها الناس ويروونها لبعضهم بعضاً، وهكذا حتى سمع بنوادره وطرفه السلطان عبد الحميد نفسه، فاستدعاه وسأله عن أمره ، فذكر له ما يؤيّد ويؤكّد ما سمعه، ولما طلب منه السلطان أن يأتيه بما يشرح أمره ، أو بأمثلة من طرفه وحديثه الذي يقال عنه / مناسبة سيز/، أي من دون مناسبة ، ردّ مجيباً السلطان :
يا مولاي ما هكذا تجري الأمور، صحيح أني أنا/ مناسبة سيز/، ولكن ذلك لايكون هكذا وفي كل وقت ، يجب أن تكون هنالك مناسبة لأكون/ مناسبة سيز/ .
وسأل السلطان : وكيف سأعرف ذلك ؟
ـ تتركني هنا في القصر ريثما يأتي الوقت المناسب، فترى مني القول غير المناسب .
وأمر السلطان بإبقائه في القصر، ومرّت أيام قليلة نسيه فيها السلطان ونسي أمره كله، فللسلطان مشاغله التي لاتنتهي،ثم جاءت الأخبار بنشوب الحرب في القفقاس بين جيوش السلطان وجيوش روسيا،وجاءت الأخبار تترى باندحار جيوش السلطان وارتدادها يوماً بعد يوم، وعقد السلطان مجلس حربٍ دائمٍ في القصر، وراح مع قادته يتابع الأخبار والأحوال ومسائل الإسناد والدعم بالمال والرجال والسلاح ساعةً بعد ساعة .
ومرّت أيامٌ كثيرة ، خمسة عشر يوماً مرّت والسلطان لم يذق فيها طعم النوم إلا دقائق معدودة، وكذلك قادة أركان حربه، خمسة عشر يوماً لم يذوقوا فيها طعاماً إلا لقيمات، ولذلك بدأ التعب يظهر على الجميع ، ولم يعودوا يتحرّكون أو يتكلّمون إلا بما هو ضروري جداً .
وفي اليوم الخامس عشر، وجد رجال القصر / مناسبة سيز / أحمد أفندي يروح ويجيء أمام مقرّ انعقاد مجلس الحرب وهو ساهمٌ مفكّر، مرّاتٍ كثيرة شاهدوه يروح ويجيء وهو في حالة التفكير وانشغال البال، ثم وبهدوءٍ شديدٍ، تقدّم من الحاجب الحارس الواقف على باب المجلس الحربي وقال له :
قل للسلطان أني أريد أن أراه .
وكان الحاجب الحارس يعرف ما يجري خلف الباب، فقال له :
السلطان في انشغالٍ شديدٍ ، وهو غير مستعد لاستقبالك أو استقبال غيرك .
ـ ولكني أريد لأمر ضروريٍّ جداً ،قل له أنت ذلك ، إنه أمر ضروريٌّ جداً .
واضطر الحاجب الحارس للدخول وإبلاغ السلطان برغبة أحمد أفندي هذا الـ/ مناسبة سيز / في مقابلته ، وعاد ليقول له : السلطان في شغلٍ عنك .
وأصرّ أحمد أفندي على ضرورة مقابلة السلطان ، أصرّ مرّة بعد مرّة والحاجب يدخل ويخرج حاملا الأمر : السلطان مشغولٌ جداً .
وتدخّل أحد ضبّاط السلطان، وطلب من السلطان أن يسمح له بالدخول عساه يحمل أخباراً عن الحرب والمعارك، وربما كان ما يحمله من معلوماتٍ مفيدة، وهكذا سمح له السلطان بالمثول أمامه، وحين مثل أمامه بادره السلطان سائلا :
هات يا أحمد أفندي ، ماذا وراءك ؟
وقال / مناسبة سيز / أحمد أفندي :
جئت يا مولاي أسألكم ، هل كان والدكم المعظّم يعرف العزف على المزمار ؟؟؟
ــــــــــــــ
القاضي بسم الله
( قاضي حلب )
تقول الحكاية :
في أواخر أيام الدولة العثمانية،كانت الأمور قد وصلت إلى حالةٍ من الفساد، إلى درجة أنّ وظائف الدولة كانت تباع بيعاً، بما فيها وظيفة القضاء ، في هذه الفترة وتوضيحاً لما سبق سنذكر قصّة والي حلب " بسم الله "، وقد أطلق عليه الحلبيّون هذا اللقب ، لأنه كان إذا ما جلس في مجلس القضاء، أمسك "سبحته " وراح يردد جملة " بسم الله " مع كل حبّة تمرّ من بين أصابعه .
وكان هذا دأبه طوال العام، وكلما جلس مجلس القضاء، وكان هذا القاضي يسافر إلى العاصمة " استانبول" مرّةً واحدةً كل عام ،ولاحظ مرافقوه أنه يردّد جملة " إنشاء الله " أثناء سفره ذهاباً إلى العاصمة،بدلاً من جملة "بسم الله "التي يردّدها في مجلس القضاء في حلب ،وإذا ما استقرّ به المقام أياماً في " استانبول " يقابل فيها مسؤولين وحكّاماً يحمل لهم الهدايا والأعطيات،ثم يودّع الجميع عائداً إلى حلب،كما لاحظ مرافقوه أنه أثناء عودته يردد جملة " الحمد لله " حنى وصوله إلى حلب ، فإذا ما عاد إلى مجلسه في القضاء، عاد لسالف عهده،وراح يردّد جملة " بسم الله " .
يوماً وفي سهرة ما بعد صلاة العشاء ، سأله أحد خلصائه عن جمله الثلاث هذه؟ ولماذا يردّدها هي لاغيرها ، فأجابه موضّحاً فقال :
يا أخي عندما أسافر إلى العاصمة حاملا معي الهدايا والأعطيات والمبالغ التي عليّ دفعها للحكام والمسؤولين الكبار، أردّد جملة "إنشاء الله" متمنّياً على الله أن ييسّر أمري ، وأن يجعلهم يقبلون ما معي، وأن يبقوني في وظيفتي، فإذا ماتمّ لي ذلك، وعدت سالماً غانماً ، أردد جملة " الحمد لله" شكراً لله وعرفاناً بجميله ، وهكذا أعود لمجلس القضاء قاضياً، بعدما أكون قد بذلت الكثير من الأموال، ولذلك حين أجلس للقضاء،أردّد جملة " بسم الله " لأذبح المتخاصمين لأستردّ ما دفعته ، وليس هذا فقط ، بل لأجمع ما سيعينني للعام القادم .
ـــــــــــــ
قاضي ديار بكر
( الذي يعضّ المتخاصمين )
سمع المسؤولون في العاصمة " استانبول " أن قاضي" ديار" بكر يعضّ المتخاصمين الذين يتخاصمون عند ، فاستغربوا الأمر كثيراً ، وبخاصّة فالمعلومات التي لديهم تقول عنه ، أنه من خيرة القضاة،وأنه لايرتشي ولا يحابي ولا يساير أحداً ، بل ولا يهاب أحداً في الحق ماعدا الله ،
وهكذا قرّر المسؤولون إرسال مفتّش قضائيّ ليرى الأمر بعينه ، وهل صدقٌ ما سمعوه ؟ أم هو باطلٌ أشاعه الذين لايحبّون سيادة العدل، أو المتضرّرون من أحكامه .
وسافر المفتّش العتيد إلى" ديار بكر"، وجلس إلى القاضي المذكور ، وسأله عن الأمر، فلم ينكر ذلك ولم ينفه بل أكّده، فاستغرب المفتِّش ذلك وسأله عن السبب ، فطلب منه أن يحضر مجلس قضائه في اليوم التالي، ليرى ويعرف السبب بنفسه .
وهكذا كان ، وفي اليوم التالي جلس القاضي في مجلس قضائه ، وجلس المفتّش بين الناس دون أن يعرفه أحد، ليرى ويعرف ماذا يجري ، ولماذا يعضّ القاضي الناس المتخاصمين ؟
وبدأت المحاكمة بمثول اثنين من المتخاصمين ،ولما سألهما القاضي عن دعواهما ؟ قال الأول:
سيدي ، لي بذمّة هذا الرجل دين يأبى أن يوفيه .
ـ وكم لك بذمّته ؟
ـ لي بذمّته مئتا ليرة ذهبية .
والتفت القاضي إلى المدّعى عليه ، وسأله :
هل صحيح ما يقوله هذا الرجل ؟
وردّ الرجل المدين :
نعم يا سيدي القاضي ، صحيح ما يقوله ؛ له دين عليّ مقداره مئتا ليرة ذهبية ، الحقّ حقّ يا سيدي.
ـ ولما لا تردّ له دينه ما دمت تعرف الحقّ من الباطل ؟
ـ لضيق ذات اليد يا سيدي ، لضيق ذات اليد ، فأنا لا أملك ما يساعدني على إيفاء ديني .
وتدخّل الدائن في الحديث فقال موجّها كلامه للقاضي :
سيدّي القاضي ، اسأله عن ممتلكاته .
وسأل القاضي الرجل المدين :
قل لي ياهذا ، كم رأساً من الأغنام تملك ؟
ـ ليس الكثير يا سيّدي ، ألفا رأس فقط .
ـ ومن الأبقار ؟
ـ أقل من ذلك بكثير يا سيّدي، أربعمئة رأس فقط .
ـ ومن أشجار الزيتون ؟
ـ ألفا شجرة فقط .
ـ ومن أشجار الفستق ؟
ـ ألف شجرة فقط .
ـ ومن أشجار البندق ؟
ـ ألف شجرة فقط .
وغير ذلك ؟
ـ القليل من الأرض التي أزرعها قمحاً وشعيراً وعدساً وغير ذلك .
ـ وما مقدار القليل هذا ؟
ـ ما يقارب المئتى هكتار يا سيّدي .
وفكّر القاضي قليلا بعدما سمع ما سمع ، ثم قال للرجل المدين :
اسمع يا هذا، ما دمت رجلا تعرف الحق من الباطل كما تقول ، وما دمت معترفاً بدين هذا الرجل عليك ، فقد قررنا أن تدفع له دينه ، ولنخفّف الأمر عليك، سنجعلك تدفع الدين على دفعتين ، ولعامين ، كل عام تدفع له مئة ليرة ذهبية .
صاح الرجل المدين معترضاً :
هذا كثير يا سيّدي ولا أستطيع دفعه في العام الواحد .
ـ إذن سنخفّف الأمر عليك ، ونجعلك تدفع دينك في أربعة أعوام ، خمسون ليرة كل عام .
ـ وهذا أيضا كثير يا سيّدي ولا أقدر عليه .
ـ إذن سنخفّف عليك أكثر ونجعلك تدفع الدين في ثماني سنوات ، كل سنة تدفع للرجل خمساً وعشرين ليرة .
ـ وهذا أيضاً كثير يا سيّدي ولا أقدر عليه .
ـ إذن سنخفّف عليك أكثر، وسنقسّط المبلغ على عشرين سنة ، كل سنة تدفع للرجل عشر ليرات ، فهل رضيت ؟
ـ لا ياسيّدي، لم أرض، فالمبلغ كبير ولا أقدر على دفعه .
ـ إذن سنخفّف عليك أكثر، وسنقسّط المبلغ على أربعين سنة ، كل سنة تدفع للرجل خمس ليرات من دينه ، فهل أعجبك هذا ؟
ـ لا ياسيّدي لم يعجبني ، فالمبلغ كبير ولا أقدر على دفعه .
وقبل أن يتكلّم القاضي ، نهض المفتّش من بين الحضور، وتقدّم من منصّة القاضي وقال له :
أتقوم بعضّه ، أم أعضّه أنا ؟
ـــــــــــــ
خروف السلطان الذي لم يسمن
( نابي والسلطان عبد الحميد )
تقول الحكاية :
كان للسلطان "عبدالحميد خان" ، سلطان الدولة العثمانية المعروف، مستشار ونديم في الوقت نفسه،كان اسمه "نابي" وكان من أكراد " ديار بكر" ، وكان" نابي" هذا رجلا عاقلا فهيماً نبيهاً، وهذا هو معنى اسمه ، فـ" نبيه" تختصر في الكردية بـ"نابي " .
وكان السلطان قد استدعاه بعدما سمع عنه الأحاديث الكثيرة التي تشيد بعقله الكبير، وبغزارة علومه الدينية ، وبآرائه الحكيمة ، وفتاويه التي تريح الناس،وقد رأى فيه السلطان كل ذلك بعدما قابله وسأله وحادثه، فاطمأنّ إليه وأبقاه عنده، وطلب منه عدم مفارقة مجلسه ، وهكذا كان .
ويبدو أن " نابي " هذا، كان رجلا واعياً بأوضاع الدولة المتردّية ، راغباً بالمساهمة في إصلاح أحوالها ، لذا لازم مجلس السلطان، وراح يبدي له النصح والمشورة كلما لزم الأمر ، ولكن ومع مرور الأيام، أدرك أنه كمن ينفخ في قربة مبعوجة، وأن الفساد قد عشّش في أوصال الدولة بحيث لم يعد يفيدها أيّ علاج،لذا قرّر ترك السلطان ومجلسه ، والهرب بعيداً إلى جهة لا يعرفه فيها أحد، ليعتزل الناس هناك ، وليتفرّغ لعبادة الله والتسبيح بحمده .
وهكذا ترك " استانبول" سرّاً ،ومضى إلى جهة لم يخبر عنها أحداً ،ومرّ يومٌ لم يشاهده فيه السلطان ، فقال لنفسه ( ربما كان له شأن خاصّ يقضيه ) ولكنه حين لم يجده في مجلسه في اليوم الثاني، ولا في اليوم الثالث، سأل عنه وطلب معرفة سبب غيابه ، وهل أصابه مكروه لا قدّر الله ، أم ماذا؟
وجاء الخبر بعد البحث والتقصّي من أن لا أحد يعرف أين هو، هو غائب عن بيته منذ ثلاثة أيام ، ولم يخبر أحداً بالوجهة التي قصدها ، ولا المكان الذي ذهب إليه.
وغضب السلطان غضباً شديداً،وهدّد أركان دولته بالويل والثبور وعظائم الأمور، إن لم يحضروا له " نابي ".
ووقع الجميع في حيرة من أمرهم ، فمن أين سيحضرون للسلطان " نابي " وهم لايعرفون شيئاً عن المكان الذي هو فيه ، والدولة العثمانية واسعة الأرجاء، مترامية الأطراف .
وراح أركان الدولة ورجالاتها يفكّرون في الأمر،وفي طريقة تهديهم إلى المكان الذي اختبأ فيه "نابي " لإحضاره للسلطان الغاضب لنيل رضاه .
بعد أيام من التفكير المتواصل، جاء الصدر الأعظم وشيخ الإسلام إلى السلطان وقالا له :
لقد اهتدينا لطريقة توصلنا إلى " نابي " ، ونحتاج لمساعدتك لتنفيذها .
ـ وما هي ؟
ـ نعطي كل قرية من قرى السلطنة خروفا،ونطلب منهم أن يطعموه ويسقوه جيداً أربعين يوماً بالتمام والكمال ،ونعلن أننا سنعاقب كل قرية يسمن خروفها عقاباً قاسياً جداً ، وربما وصل العقاب إلى قتل رجالها .
ـ وماذا وراء هذا ؟
ـ يا مولانا كل القرى ستسمن خرافها،إلا القرية التي يكون "نابي " مختبئاً فيها ، أو لاجئاً إليها .
وأمر السلطان بالتنفيذ فوراً،ووزّعت الخراف مع الحرّاس والأوامر فوراً،وبين عشيّة وضحاها بات ناس السلطنة في همّ وغمّ كبيرين، إذ كيف يأكل خروف ويشرب أربعين يوماً على هواه ولا يسمن ؟
وهكذا انتقل الهمّ والغمّ ذاك، إلى قريةٍ نائيةٍ من قرى جبال" كردستان" البعيدة ،فنقلوا همّهم وحزنهم ذاك، إلى درويش جاء وبنى له خيمة من الأغصان والأخشاب، في سفحٍ مشرفٍ على وادٍ قريبٍ من قريتهم ، وهو يقضي فيه أيامه ولياليه متعبّداً زاهداً، يعيش مما يحصل عليه من أشجار الجبل من طعامٍ خشن ،ومما يجود به الأهالي عليه من بعض طعامهم ، وقد أَنِسوا إليه، وراحوا يتردّدون عليه، ويستمعون لحديثه ووعظه،وراح هو ينصحهم ويهديهم أموردينهم ،وهكذا نشأت بين الطرفين علاقة حبٍّ واحترام،بل وصار ملجأً لهم حين الحاجة إلى رأي أو مشورة ، وهكذا وصل إليه خوف أهل القرية من أمر الخروف ، فطمأنهم حين جاؤوا إليه لاجئين ، للخروج مما هم فيه ، طلب منهم أن يمسكوا بجرو ذئب من بين ثنايا الجبل ، وأن يربطوه أمام خروف السلطان ، وهو يضمن لهم أنه لن يسمن "أوقيّة " واحدة مهما أكل أو شرب، بل هو لن يستطيع أكلا أو شرباً مهما كان الطعام والشراب كثيراً أمامه .
وهكذا وبسرعة أمسك أهل القرية بجرو ذئبٍ، وربطوه أمام الخروف، وراحوا ينتظرون حتى مرّت المهلة المحدّدة، وحين جاء رجال السلطان ووزنوا الخروف في الميزان ، ولما وجدوه لم يزدد وزناً ولا "أوقيّة "واحدة، أمسكوا برجال القرية وقالوا لهم:
أخرجوا لنا " نابي " أو سنعاقبكم عقاباً شديداً .
وذهل أهل القرية وخافوا، فهم لا يعرفون من " نابي " هذا ، وأوضحوا لرجال السلطان ذلك، وقالوا لهم أننا أخذنا الفكرة من درويشٍ زاهدٍ متعبّدٍ في خيمةٍ في سفح الجبل، وهم لا يعرفون من يكون .
وهكذا ذهب الرجال إلى الخيمة التي يتعبّد فيها " نابي" وأعادوه للسلطان .
ــــــــــــــــ
(قلنا لك ما بتصير زلمة*)
تقول الحكاية :
إنّ رجلاً عاقلاً حكيماً وجيهاً في بلدته الواقعة في شمال سورية، كان له ولدٌ طائشٌ يرتكب الأخطاء، ويسيء للناس، ويتفوّه بأقوال تزعج الآخرين ، وكان هذا يغضب أباه فيعاتبه المرّة تلو المرّة دون فائدة ،حتى يئس من إصلاحه،وأطلق عليه حكمه – يا ابني أنت ما بتصير زلمة - .
وكان الأب يكتفي بهذه الجملة كلما ارتكب ولده خطأً، أو أساء لأحد ، وهذا ما دفع الولد لترك البلدة والرحيل عنها إلى حيث لا يدري أحد .
وطالت غيبة الولد حتى نسيه أهل البلدة جميعاً ، وحتى ظنّ الجميع أن والده قد نسيه أيضاً، لأنه كان يظهر جلَداً حين يأتي ذكره، أو حين لا يسمعونه يذكره ، ولكن الأب ما كان نسي ولده أبداً ، ولكنه ما كان يدري عنه شيئاً ، وهذا كان يحزّ في نفسه، ولكنه ما كان قادراً على فعل شيء .
أما عن الولد، فكان قد رحل وتنقّل بين القرى والبلدات ،حتى قادته قدماه إلى العاصمة ، وهناك وجد فرصة ًسانحةً فانتسب إلى القوات العسكرية،ويبدو أنه قد أظهر قوّةً وجلداً كبيرين ،لأنه في سنواتٍ قليلةٍ صار صاحب رتبةٍ وأمرٍ ونهيٍ ، وعاماً بعد عام، راح صاحبنا يرتقي سلّم الرتب درجةً بعد درجة، حتى وصل إلى رتبة " الباشوية "، وهي أعلى رتبة في سلّم رتب القوّات العسكرية في ذلك الوقت ، وهي رتبة الولاة ومن فوقهم من رجال الدولة ، وهكذا وجد صاحبنا الذي صار" باشا" ، وجد نفسه والياً في مركز الولاية التي من أعمالها بلدة أبيه ، والذي ما كان نسي تقريعه له، ولا تأنيبه الدائم،ولا مقولته المشهورة – انت ما بتصير زلمة - .
ويبدو أن الولد الذي صار" باشا" في حلب ، ـ وكانت مركز الولاية التي فيها بلدة والده ـ كان في شوقٍ شديدٍ ليثبت لوالده خطأ آرائه وأحكامه ، وأنه قد أفلح في حياته ،فهاهو قد أصبح والياً ، وأين؟ في الولاية التي يستطيع فيها إصدار الأوامر حتى له وهو والده ، ولهذا وبعد أيام قليلة من دوامه في مركز الولاية، وبعدما انتهت أو تناقصت وفود المهنئين ،استدعى قائد شرطته
ـــــــــــــــــــ
· الزلمة : كلمة تعني في شمال سورية الرجل الكامل
وأمره قائلا : احضر لي فلانا بن فلان من القرية الفلانية . وما كان المقصود غير والده ،
صاحب المقالة التي أرّقته عمره وأراد إبطالها ، وهكذا أصدر قائد الشرطة أمره لرجلين من رجاله ، وأمرهما أن يحضرا له الرجل المطلوب من الوالي وبأسرع ما يمكنهما .
وبسرعة انطلق الشرطيّان إلى بلدة الرجل المطلوب، وأيقظاه من نومه ، وربطا يديه خلف ظهره ، وساقاه أمامهما إلى مركز الولاية ،وهو لايدري لماذا، ولا كان الشرطيان يدريان ، وكذلك ما كان قائد الشرطة يدري عن الأمر شيئاً، وهكذا سار الرجل الوجيه العاقل أمام الشرطيين بلباس النوم ، فهما لم يسمحا له أن يلبس ثيابه، لشدّة إطاعتهما للأوامر، سار يفكّر فيما يجري ، دون أن يعرف له سبباً ، ويقلّب الأمور والأسئلة في ذهنه دون أن يجد لها جواباً، وهكذا وصل الرجل إلى مركز الولاية بلباس النوم، حافياً موحل القدمين ، يرتجف من البرد ، فقد كان الوقت شتاءً ، وهكذا وبوضعه ذاك،انتظر ساعاتٍ ريثما حضر الوالي إلى القاعة التي يداوم فيها على أعماله ، فأدخل إليه الرجل بحالته تلك .
وفي مكتب الوالي ، في القاعة التي يمارس فيها الولد " الباشا" سلطته ،والتي وقف فيها الوالد موحل القدمين بلباس النوم مقروراً، تقابل الاثنان بعد طول غياب ، ووقف كل منهما يرقب الآخر .
في البداية لم يعرف الوالد الولد ، ولكنه حين دقق النظر فيه عرفه .
وبدأ الولد الذي صار" باشا " الحديث باستعلاء فقال :
كنت تقول لي ـ انت ما بتصير زلمة ـ ها قد أصبحت والياً !
ردّ الأب العاقل الحكيم بهدوء، وهو ينظر إلى ولده الذي صار والياً، وقال له :
ابني أنا ما قلت لك أنك لن تصير والياً ، أنا قلت لك ـ ما بتصير زلمة ـ وما صرت زلمة ، فلو كنت زلمة ما كنت أحضرت أباك بهذه الطريقة .
ــــــــــــــ
أين المسلمون …. هل انتهوا
تقول الحكاية :
إنّ الأمور كانت قد ساءت كثيراً في أواخر أيام الدولة العثمانية ، وأن الفساد والرّشوة كانتا قد عمّتا ، بل وانتشر اللصوص وقطّاع الطرق في كل مكان ،أما في مركز الولاية ، في ـ استانبول ـ العاصمة ، فكان جنود الدولة ، ـ الإنكشارية ـ يسطون على الناس ويأخذون أموالهم عنوة ، وبخاصّة في الليل وبعد صلاة العشاء ، حين يأوي الناس إلى بيوتهم ،إذ يقلّ المارّة، ولا يشاهد ما يحدث إلا القلّة ،ولهذا صار الناس يأوون إلى بيوتهم ما إن يحلّ المساء، فالخوف من الضرب والسلب كانا كبيرين .
في هذه الأجواء حدث أن تأخّر أحدهم في المسجد بعد صلاة العشاء قليلا، وحين خرج يلفّ نفسه في عباءته اتقاء البرد ،لم يكن أحد في الشارع الذي يسير فيه، ولا في غيره من الشوارع ، وهكذا سار الرجل يلفّ نفسه ، سار سريعاً يريد بيته ، ولكنه فوجيء بثلاثة رجالٍ من ـ الإنكشارية ـ يوقفونه ويمسكون به من أطرافه، طالبين منه أن يستسلم لهم ليفتّشوه ويسلبوا ما معه من مال .
ويبدو أن الرجل كان يمتلك بعض الليرات ـ المجيدية ـ وكانت العملة المتداولة ، وكانت ذات قيمة كبيرة،لذا امتنع الرجل عن الاستسلام لهم، وراح يقاومهم رافضاً إعطاءهم ما معه،وهذا ما أغضب الجنود الثلاثة، فانهالوا عليه ضرباً ولكماً، يريدون منه سرعة الاستسلام،ولكن الرجل لم يستسلم لهم رغم ماكان يصيبه من الضرب واللكم، وراح يصيح مستنجداً مستغيثاً : يا ناس ، يا عالم ، يا مسلمون أنجدوني ، أنقذوني …….
وكان هذا سبباً إضافيّاً لينهال عليه الثلاثة بالضرب واللكم أكثر وأشدّ، وكان هذا ما سبّب له ألماً أشدّ، ولكنه لم يستسلم رغم ذلك ، بل وراح يصيح مستنجداً بصوت أعلى :
يا مسلمون …. يا أهل النخوة والمروءة ، أنجدوني ، اللصوص يريدون سلبي مالي ، يا مسلمون … يا أهل النخوة …..
وهكذا ظلّ الرجل يصيح ولا من مجيب ، وكان أحد الناس في بيته المشرف على ساحة الجريمة يسمع ما يجري، ولكنه لايستطيع التدخّل خوفاً من أن يصيبه ما يصيب الرجل ، فلما اشتدّ الرجل في صياحه ومناداته ـ أين المسلمون .. أين أهل النخوة .. هل انتهوا جميعا ؟
قام الرجل السامع إلى نافذة بيته المطلّة على الشارع ، ففتحها قليلا وأجاب الرجل المنادي السائل:
أين المسلمون ؟… أين أهل النخوة ؟ … هل انتهوا جميعا ؟…
أجابه بهدوء :
لا ، لا ، لم ينتهوا ، هنالك الكثيرون منهم ، ولكنهم لا يقدرون على فعل شيء .
ـــــــــــــــ
العاصي الوحيد ؟
تقول حكايتنا الجديدة :
إنّ الناس ونتيجة للأجواء التي سادت حياتهم والتي ذكرنا بعضها فيما سبق من حكايات ،قد أصابهم اليأس والقنوط، وما عاد لهم أمل في الإصلاح أو انتظام الأمور ،فانقسم الناس العقلاء قسمين يجمع بينهما اليأس، ويفرّق بينهما التصرّف تجاهه ، فقسم انصرف عن الدنيا وما فيها إلى التعبّد والتصوّف،لا يريد غير سفر مريح إلى الآخرة وإقامة هنيّة فيها ، ما دام قد فقدهما في الأرض، في هذه الحياة الدنيا ، والقسم الآخر ترك هذه الدنيا وأمورها أيضاً ، ولكنه ظلّ فيها، إذ راح يعبّ المشروبات الكحولية عبّاً حتى السكر، لينسى ما وصلت إليه الأمور .
ونتيجة لحالة السطو والسلب والنهب،والتي كانت تمارس على الناس بعيد وقت صلاة العشاء، وخوفاً من أن يظهر البعض أنهم يعاقرون الخمرة ، كان كثيرٌ من القسم الثاني يمارسون الشرب سرّاً، إذ كان يحضر المرء شرابه معه إلى البيت، ليشربه بعد أن يغلق عليه بابه ، ومن هنا تبدأ حكايتنا الجديدة التي تقول:
إنّ أحدهم اشترى زجاجة خمر من محل لبيع المشروبات ، ووضعها تحت إبطه، ولفّ نفسه بعباءته، ومضى يحثّ الخطا إلى بيته ليمارس طقسه ، وكان الوقت شتاءً، والمطر منهمراً ، والرجل يسير حثيثاً بجانب الجدران اتقاء المطر المنهمر،وفجأة برق برقٌ ساطعٌ، ودوّى رعدٌ قاصفٌ، أرعب الرجل فارتعد خوفاً ، وهذا ما سبّب سقوط زجاجة الخمر من تحت إبطه، وارتطامها بأرض الشارع وانكسارها .
جرى كل ذلك فجأةً ، ودون إرادة الرجل الذي ما إن استعاد وعيه ، حتى رفع يديه إلى السماء ، ونادى ربّه قائلاً :
ياربّ ، أخفتني وكسرت زجاجتي ، فهل أنا المخطيء الوحيد لتحاسبني ؟ ألم تر غيري من المفسدين وهم يملؤون الأرض ؟
سكت الرجل قليلا بعدما استعاد وعيه ونفسه ، ومضى إلى بيته وهو يردّد :
استغفر الله العظيم … استغفر الله العظيم …
ـــــــــــــــ
قاضٍ أمرد ! و والٍ ث !
تقول الحكاية :
إنّ حلاقاً أمرد ماجناً، كان يعيش في مدينة كبيرة ـ ولتكن مدينة حلب ـ ما دمنا في شمال سورية ،وكان قد جعل محلّ الحلاقة الذي يعمل فيه، مكاناً للّهو والمجون ، يتردّد عليه فيه الماجنون وطالبوا المتعة واللّهو، فيأتونه لقصّ شعورهم وحلاقة لحاهم ظاهراً، ولينالوا مأربهم من الحلّاق الأمرد الماجن باطناً .
ومرّت الأيام على الحلاق الأمرد المذكور، وتقدّمت به السن، فترهّل جسمه، وظهرت التجاعيد على وجهه، فلم يعد مرغوباً من الماجنين وطلاب المتعة، وما عادوا يرتادون محلّه حتى لقصّ شعورهم .
وجلس حلاّقنا مهموماً يفكّر ويفكّر، باحثاً عن طريقة تعيد إليه حياة أيامه السابقة،وهداه تفكيره الطويل إلى حلّ شيطاني أسرع لتنفيذه فوراً، إذ قام وبحث عن غلامٍ مخنّثٍ في أرجاء المدينة كلها،وساقته قدماه وقدره فوجد غلاماً مخنّثاً وسيماً، يتثنّى في مشيته كالغانيات، فطلبه من أهله ليعلّمه مهنة الحلاقة، ودفع لهم مالا، ومنّاهم بمستقبلٍ باهرٍ لابنهم، وأنه سيجعله شريكاً له في المحل ومنذ اليوم الأول .
وهكذا بدأ الغلام المخنّث الوسيم يداوم في محل الحلاقة العائد للأمرد الماجن، وسرعان ما علم بالخبر روّاد المحل السابقون، فعادوا إليه واحداً بعد واحد، وقد أعجبوا بالغلام المخنّث الوسيم، وطالبوا الحلاّق الأمرد بوصاله، باذلين له ما يريد من أموال ،وكان هذا الإعجاب ما ينتظره الأمرد، ولذا قال لهم جواباً على طلبهم :
أنا وهذا الغلام شريكان في المحلّ وفي كل شيء، فمن أراد وصاله عليه وصالي قبله .
وهكذا راحت الأمور تجري ، وعادت حال الحلاّق إلى ما كانت عليه ،وعاش راضياً بما يجري، إلى أن جاء يوم مرّ فيه الملك ووزيره على المحل ليقصّا شعرهما ، وليشذّبا لحيتهما، فقد كانا يتجوّلان خفية، ليطّلعا على أحوال رعيتهما، كما كان يفعل الملوك والسلاطين فيما مضى من الأيام ،وحين قام الحلاّق الأمرد بما طلباه وهو لا يدري من هما ، وحين رأيا الغلام المخنّث الذي يتثنّى كالغانيات ، أعجب به الملك ـ ملك تلك البلاد ـ فطلبه من الحلاّق بعدما عرّفه بنفسه .
وشعر الحلاّق الأمرد بالمصيبة تنزل عليه، وأنه سيفقد كل شيء بفقده للغلام ، فصارح الملك بالأمر،وشرح له ما هو فيه،وأنه سيقضي عليه قضاءً مبرماً، إن هو أصرّ على أخذ الغلام معه .
ولكن الملك كان مصرّاً على ما طلب، وليرضى الحلاّق قال له آمراً :
قد عيّنتك قاضياً لهذه المدينة ، وهذا سيساعدك على تدبّر أمورك ، لأني سآخذ الغلام معي .
ومضى الملك بالغلام إلى قصره، وظلّ الحلاّق قاضياً في المدينة يقضي فيها على هواه،والناس يقاسون منه ما يقاسون ،وعاش الغلام في القصر مع الملك يخدمه ويقدّم له ما يريد سنواتٍ عديدة ، غير عالم بما جرى لمعلّمه الحلاّق ،ولا لأهل المدينة وما يلاقونه على يديه .
وهكذا وبعد سنواتٍ من حياة الغلام في قصر الملك ، رأى الملك أن الغلام قد كبر ونمت لحيته بعد شاربيه، فرغب عنه وعما كان يقضيه معه من أوقات، وقرّر إبعاده بعد مكافأته، تقديراً لما قدّمه له ، وهكذا أصدر أمراً بتعيينه والياً على المدينة التي جاء منها ، ولتكن" حلب" كما قلنا .
وسمع أهل المدينة وحكّامها وموظّفوها بعزل واليهم، وتعيين والٍ جديدٍ عليهم ،فما اهتمّوا برحيل الذي مضى، واهتمّوا كل الاهتمام بالذي جاء، فاستقبلوه خارج المدينة بالأهازيج والدفوف، وساروا خلفه في موكبٍ طويلٍ حتى مقرّ حكمه، ولم ينصرفوا إلا بعد تقديم التهاني له غير مرّة، بعد تقديم فروض الطاعة والاحترام له .
وكان من المستقبلين قاضي المدينة، الذي لم يكن غير الحلاّق الأمرد الذي بدأنا به حكايتنا ، والذي فرح حين وجد أنّ الوالي الجديد ليس غير غلامه المخنّث ، لذلك ظلّ بجانبه يستقبل معه المهنّئين والمباركين ومقدّمي فروض الطاعة الوقت كله ، بل ظلّ معه بعدما ذهب الناس جميعاً، ليظهر له فرحه وسروره بما وصلا إليه من مكانة معا .
وهكذا وبعدما انصرف الجميع، التفت القاضي إلى الوالي ليبارك له أيضاً ، فوجد دموعه تسيل على خدّيه وهو يبكي بصمت ، فاستغرب أمره وسأله مستفسراً :
لم البكاء يا مولاي وقد وصلنا إلى ما وصلنا إليه من مكانة؟ وهل هناك أفضل مما وصلنا إليه ؟
تنهّد الوالي بحرقة شديدة ، وقال موضّحاً :
أنا لا أبكي على حالنا ، أنا أبكي على حال الناس الذين سيعيشون تحت حكم قاض أمرد ماجن ، ووال مخنّث كالغانيات !
ــــــــــــــ
دائن و مدين
وحكايتنا الجديدة تأتي تتمة للصور السابقة ، وهي تقول :
إنّ رجلاً كان له دين على رجلٍ آخر في قريةٍ أخرى غير قريته ، وكان المدين يماطل الدائن كثيراً ويؤجله مرّةً بعد مرّة ، وكلما جاءه مطالباً بدينه،وكان المدين لا يكفّ عن المطالبة بحقّه فيذهب إلى قرية المدين مرّة أو مرّتين في العام، ليطالبه بما له عليه ، فلا يجد غير الاستقبال الحسن، والوعود المخملية، وطلب الاستمهال في كل مرّة .
وكان المدين يتحمّل ذلك بصبرٍ شديدٍ ،مفضّلاً ذلك على اللجوء إلى المحاكم ، لأن اللجوء إلى المحاكم كان يعني الضياع في متاهاتٍ كثيرة، وكان يعني فيما يعنيه ضياع مالٍ آخر، غير الذي يكاد يضيع ، والذي لم يبق منه غير الأمل بالتحصيل،والذي قد يحصل وقد لا يحصل .
ويوما ذهب الرجل إلى قرية المدين ، ودقّ عليه الباب ليطالبه بالدين من جديد،ففتح له الباب ابن الرجل المدين، واستقبله استقبالا حسناً ورحّب به، وكان هذا ما دفع المدين ليفاتح الولد بالأمر وليشكو إليه مماطلة والده ، وما كان يدري أن الولد تربية أبيه، أو ربما كان يدري، ولكنه كان يمنّي نفسه .
وهكذا استمع الولد لشكوى الرجل المدين باهتمام، وقال له بعدما توقّف عن الكلام :
اسمع يا عمّ ،انظر إلى سفح ذلك الجبل الذي يبدو غير بعيد عن قريتنا ، هل تراه ؟
ـ نعم أراه ، ما دخله بكلامنا ؟
ـ نحن يا عمّ سنقوم بقطع الغابة التي تغطيه، وسنزرع أرضه زيتوناً وفستقاً ،وحين ينمو الزيتون والفستق، وحين تكبر أشجارهما وتثمر،وحين نبيع ثمرهما ، سنوفيك دينك إن شاء الله .
ـ أشكرك يا ولدي على وعدك هذا،وعلى الأقل قد أرحتني من المجيء إلى قريتكم والعودة منها حتى ذلك الوقت .
قالها الرجل المدين ومضى ، وجلس الولد منتظراً قدوم أبيه، ليبلغه ما قال للدائن الذي لايكفّ عن مطالبتهم بدينه، ظانّاً أن والده سيفرح بما فعل ،ولكن الوالد حين عاد وسمع مقولة ابنه ، غضب كثيراً وقال له لاعناً :
لا عافاك الله ، لقد خيّبت أملى فيك،فقد وفيته دينه دون أن تدري .
ـ ولم يا أبي ؟ ألم أبعده سنوات كثيرة ؟
ـ يا بنيّ تحديد الموعد يعني الوفاء بالدين ، الشطارة في المماطلة دون تحديد المواعيد .
ــــــــــــــ
بكري مصطفى
( صدراً أعظم )
وحكايتنا هذه حدثت أيضاً في أواخر أيام الدولة العثمانية ، والتي عرضنا بعض حالات التردّي التي كانت قد وصلت إليها الكثير من أمورها ، وكنا قد بيّنّا أن الذين كان عندهم بعض الأمل في إصلاح الأمور، وعودة أحوال الدولة إلى النهوض من جديد ، ممن يشتغلون بالهمّ العام ، قلنا إنّ أولئك قد فقدوا كل أمل ، ولذلك انقسموا إلى قسمين ، قسمٌ انصرف إلى الزهد والتعبّد والانشغال بأمور الآخرة ، تاركاً الدنيا بما فيها ،وقسمٌ راح يعاقر الخمرة ليسكر ويغيب عن الدنيا،و ما فيها أيضاً .
وكان صاحب حكايتنا السيد " بكري مصطفى " من اتباع القسم الثاني ، وكان قبل ذلك معروفاً في العاصمة " استانبول " بعقله الراجح ،وبآرائه السديدة، وكان من الرجال الذين يمكن الاعتماد عيهم في بناء الدول ، الدول التي تريد البناء، لا الدول التي يسيطر عليها الفاسدون المفسدون .
وهكذا أصبح " بكري مصطفى" معروفاً في العاصمة كلها، بشربه الخمرة ، بل وبسقوطه مخموراً في الشوارع، ونومه هناك حتى الصباح، وأنه لا يكتفي ولا يشبع من شرب الخمرة .
ويوماً جاء من أخبر السلطان أن العسكر الانكشارية قد قلبوا ( حلل الطبخ )، وكان هذا إشعاراً منهم بأنهم قد أعلنوا العصيان والتمرّد ، ولما سأل السلطان عن سبب ثورتهم هذه ؟ قالوا له :
إنهم يريدون تغيير" الصدر الأعظم " والصدر الأعظم يساوي في هذه الأيام رئيس وزارة .
وعندما سمع السلطان بطلب الانكشارية غضب، وألقى بأختام السلطنة، وأعلن تخلّيه عن الحكم ، وليقم الانكشارية حاكماً سلطاناً غيره .
وسمع قادة الانكشارية بما قاله السلطان، فخافوا وحسبوا للأمر حسابه ، فهم يحكمون باسمه ، وهم يحسبون ردّة فعل الناس إن علموا بمقولة السلطان ، لذا أسرعوا إليه ورجوه أن لايقدم على ما قاله ، وبيّنوا له أنهم تحت إمرته ورهن إشارته ،فقال لهم :
لقد مللت منكم ومن " تمرّداتكم " ، تفرضون عليّ " صدراً أعظم " ثم تعزلونه وتقتلونه بعد أيام ،وما دمتم تعيّنون وتعزلون، فلماذا أتحمّل أنا وزر أعمالكم ؟
وألحّ عليه قادة الانكشارية كثيراً راجين أن يعدل عن قراره ، وله ما يريد ، فشرط عليهم أن يقوم هو بتعيين " الصدر الأعظم "، فوافقوه على أمل أن يعزلوا من عيّن بعد أيام، ليعيدوا سيرتهم التي لا يستطيعون التخلّي عنها .
وهكذا أعلن السلطان أنه يعيّن " بكري مصطفى" صدراً أعظم ، وكان هذا مفاجأةً للجميع بل ولاحتجاجهم أيضاً ، ولكن السلطان أصرّ على ما قال ، وهكذا جيء بـ "بكري مصطفى" وقيل له لقد أصبحت "صدراً أعظم " بفرمان من السلطان ، فاعترض رافضاً، ولكنه قبل حين هدّد بالقتل، واشترط لقبوله أن يأتوه بكل ميّتٍ من العاصمة ليراه قبل دفنه .
ووافق القادة الانكشارية مكرهين ، ظانّين أنه سيفرض على أهل الميت ضريبة جديدة ، ما خطرت على بالهم وهم الذين برعوا في اختراع الضرائب .
وهكذا أصبح " بكري مصطفى" صدراً أعظم" ، وانتقل إلى" الباب العالي" وهو القصر الذي يقيم فيه ، ويحكم منه الصدر الأعظم ،وهكذا وللشرط الذي شرطه الصدر الأعظم الجديد، جيء بأول ميّتٍ ليراه من أمر بذلك ، وهكذا نزل الصدر الأعظم " بكري مصطفى" درجات قصر الباب العالي حتى وصل إلى نعش الميّت ، وبهدوء فتح الكفن الذي يغلّف الميّت من عند رأسه ، ثم انحنى عليه وهمس في أذنه بكلمات ، ثم رفع رأسه وقال لأهله خذوه فادفنوه .
واستغرب الحضور الأمر ، وكان أكثر الحضور استغراباً حرّاس القصر من جند الانكشارية الذين نقلوا لأسيادهم ما رأوه .
وهكذا صار" بكري مصطفى" يفعل مع كل ميّتٍ يأتون به إليه ،وهكذا صار قادة الانكشارية يزدادون فضولا ورغبةً لمعرفة ما يجري وما يقوله الصدر الأعظم للميّت قبل دفنه ، وبعد تفكيرٍ وتفكيرٍ، اهتدوا إلى طريقة تمكّنهم من معرفة ما يقوله "الصدر الأعظم "، فوضعوا له رجلا حيّاٍ في نعش ، وجاؤوا به إليه كميّتٍ ليراه قبل دفنه ،وكعادته مع كل ميّت نزل الصدر الأعظم إليه وفتح الكفن من عند رأسه ، ثم انحنى عليه وهمس في أذنه قائلا :
يا مسلم ، أنت تنتقل الآن من دار الباطل والفساد إلى دار الحق والعدل ، وهناك ستجد الرسول المصطفى عليه الصلاة والسلام ، وستجد الصحابة الكرام أيضاً ، وسيأتيك الجميع ليسألوك عن حال أمّتهم ، أمّة الإسلام ، فلا تكثر الشرح والتفصيل ، فقط قل لهم إنّ " بكري مصطفى" قد صار" صدراً أعظم " ، وهم سيفهمون كل شيء من تلقاء أنفسهم .
ــــــــــــــ
ذكريات من " جناق قلعة "
قال جدّي يحدّث من حوله ، وكنت في حلقة المستمعين صغيراً لا أعرف غير الاستماع ورسم الصور في مخيّلتي الصغيرة عما أسمع ، تلك المخيّلة التي كانت تتشكّل من حيث لا أدري .
وجدّي " علي أفندي " كما كان يناديه أهل قريتنا ، جدّي هذا كان " جاويشاً " في الجيش العثماني ـ وهي رتبة تساوي رتبة " رقيب " من رتب الأيام هذه ـ في الفرقة التي قاتلت في معركة " جناق قلعة " والتي صمدت رغم خسائرها التي بلغت أكثر من ثلاثمئة ألف رجل ، مجبرةً قوات الحلفاء المهاجمة على التراجع والانسحاب ، وكانت هذه الفرقة عربية و قوامها الجند القادم من بلاد الشام تحديداً ، وكل هذا عرفته فيما بعد .
و " جناق قلعة " موقع على البحر الفاصل بين آسيا الصغرى ـ تركيا حالياً ـ واليونان ، والواصل بين البحر المتوسط والبحر الأسود ، وهو أي هذا البحر ممرٌّ إجباريّ للسفن في طريقها بين البحرين ، وتقع " اسطنبول على طرفه الشمالي ، وكانت عاصمة الدولة العثمانية آنذاك .
وأعود لجدّي الذي كان جالساً قرب موقد الشتاء يحدّثنا عن تلك الموقعة الرهيبة ، وأسمعه يقول :
كنت آمراً لسرية رماة رشاشات مؤلفة من ثلاث رشاشات وطواقمها ، كنا بحدود ثلاثين رجل ، وقد كلفت بحماية وادٍ مشرفٍ على السهل الساحلي الذي يفصلنا عن البحر ، وقد قدّر قادتنا أنه طريق محتمل لهجوم قوات الأعداء بعد الرمي الكثيف الذي كانوا يمطروننا به من مدافع سفنهم الحربية ، وكان ذلك الرمي يوقع بصفوفنا خسائر كبيرة ، وكانت جثث قتلانا تظلّ في العراء أياماً لا نقدر على دفنها من شدّة القصف ذاك ، ويتنهّد جدّي ويضيف ـ صدّقوني يا شباب كانت جثث قتلانا جثث شهداء كرام ، ما كنا نشم منها رائحة كريهة حين كنا نقوم بدفنها بعد أيام من استشهادها ، حين كانت الفرصة تسمح لنا بدفنهم ـ ويعود جدّي ليكمل حديثه الذي كان قد بدأه ، فيضيف : ولكننا كنا نؤمّن ما يلزمنا من قوات ورجال من الاحتياطي الذي كان موجوداً عند قيادتنا ، وقد صدق ما توقّعه قادتنا ، إذ شاهدنا الأعداء ينزلون من سفنهم بعد قصف عنيف استمر أياما ، شاهدناهم ينزلون ويبدؤون بالتقدم نحو مواقعنا ، وظللنا ساكنين حتى صاروا في مرمى أسلحتنا ، وبسرعة المتألمين أمطرناهم بنار حامية حصدتهم حصدا ، وقد فوجؤوا بما جرى فانسحبوا مذعورين إلى سفنهم ، أو انسحب من بقي منهم وما كان بقي منهم إلا القليل ، وقد دفعتهم خسارتهم هذه ليمطروننا بسيل من قذائفهم من جديد ، ومن جديد راحت مدافع سفنهم تقصفنا ليل نهار ، لتوقع بنا خسائر كبيرة جدا .
بعد القصف العنيف الجديد الذي استمرّ أياما ، نزلوا للبرّ من جديد وبدؤوا زحفا جديدا على مواقعنا ، ومن جديد أمطرناهم بنار حامية حين صاروا في مرمى أسلحتنا موقعين بهم خسائر كبيرة جديدة .
جرى هذه الأمر مرتين تاليتين ، وقد هداني تفكيري إلى تكليف رماة رشاش واحد من رشاشاتي الثلاث بالتمركز خلفنا ، بحيث لن يستطيع العدو الالتفاف علينا إذا ما فكر بذلك، فقد قدّرت أنه ربما فكر في ذلك من شدة ما أوقعنا به من خسائر ، وما أفشلنا له من خطط ، وقد صدق ما توقعته إذ سمعت صوت رمي رشاشنا كثيفا يأتينا في منتصف الليل ، ولما أسرعنا لنجدتهم ، وجدناهم يجمعون الجرحى والأسرى من قوّة عدوّة هاجمتهم، وقد عرفنا منهم أنهم كلفوا بتدمير موقعنا الذي أوقع بهم الخسائر الكبيرة، وبعد استجواب بسيط أرسلناهم مع حراسة مشددة للقيادة .
مرّ على هذا الأمر ثلاثة أيام ، وفي الليلة الرابعة ، وكانت ليلة مقمرة ، جاء من أعلمنا أن " الآغا " قائد فرقتنا سيزورنا ، وعند منتصف الليل جاء يرافقه حرّاسه ، فاستقبلناه استقبالا حسنا ، وقد أظهر لنا الكثير من الودّ والمحبة ، وجلس بيننا كواحد منا ، ناقلا لنا تحيات القيادة وتقديرها لجهودنا ، ثم وزّع علينا " نياشين " ترقيات لبعضنا ، وقد رفّعت يومئذ فصرت " باش جاويش " أي رقيب أول ، كما قدم لنا بعض الهدايا الصغيرة ، وطعاماً ساخنا ما كنا ذقناه منذ زمن يمتد لما قبل المعركة هذه ، وقد جعلنا ذلك نشعر بالفخر والاعتزاز ، ورحنا نستمع إلى حديثه باهتمام وهو يحدثنا عن مجريات المعركة واحتمالات المستقبل المبشرة بالخير ، وأوصانا بضرورة اليقظة والحذر، فالعدو الإنكليزي الذي يحاربنا مناور غشاش .
بعد هذه المقدمة التفت إليّ " الآغا " وقال : " يا باش جاويش علي " ، ألا يوجد بين رجالك من يعرف القليل من الغناء ليغني لنا أغنية عذبة تريح نفوسنا المتعبة ، لقد أدمت هذه الحروب قلوبنا قبل أجسادنا .
قلت لا أدري يا " آغا " ولكني سأسألهم، وقد قمت بسؤال رجالي فتطوع أحدهم وادّعى أنه يعرف الكثير من الأغنيات ، وقد أحضرته " للآغا ليغنّي " له ، وقد فعل ويا ليته لم يفعل ، إذ أنه ما إن أطلق لحنجرته العنان حتى سمعنا صوتاً منكراً بينه وبين الطرب والغناء مسافة دهر وربما أكثر ، وهذا ما جعل " الاغا " يأمره بالتوقّف من فوره ، وليلتفت لحرّاسه مصدراً إليهم أمره : خذوا هذا الدعيّ وابطحوه أرضاً ، واضربوه حتى يقسم لكم أنه لن يغنّي مرّةً أخرى ما دام حيّاً ، بل وإن أمكن في الآخرة أيضاً .
الكاتب : عبدو محمد رشو 12/11/2005
ــــــــــــ
( الحلقة الرابعة )
( المغراية )
تقول الحكاية :
إنّ شبلا قويّاً من أشبال الأسود، أثاره سماع أحاديث آبائه وأجداده عن الإنسان وقوّته التي لا تقهر، فسأل والده يوماً :
والدي، أريد أن تريني إنساناً، لقد أصبحت في شوق شديد لرؤيته والتعرّف إليه، نتيجة لأحاديثكم الكثيرة عنه وعن قوّته .
قال الأسد الأب :
دعك منه ومن رؤيته يا ولدي ، فرؤيته لا تسرّ، بل ومن الأفضل عدم رؤيته .
وأصرّ الشبل على والده كثيراً ، ولم ير الأب بدّاً من تلبية طلب أبنه، فأخذه وسار به نحو أطراف الغابة لعلهم يلمحون إنساناً هناك ، وأثناء سيرهما شاهدا في طريقهما فيلا ، فوقف الشبل وقال لوالده سائلا : أهذا هو الإنسان يا والدي ؟
قال الأب : لا ، هذا ليس الإنسان ، الإنسان أصغر منه وأقل قوّة بكثير .
وبعد قليل مرّا بجانب جمل ، فسأل الشبل أباه : أهذا هو الإنسان يا والدي ؟
ردّ الأب : لا ، هذا جمل وليس إنساناً ، الإنسان أقل حجماً وقوّة.
وظل الأب وابنه يسيران جنباً إلى جنب حتى وصلا إلى طرف الغابة، وهناك وجدا حطّاباً كان يحتطب، فأشار الأسد إليه وهو يقول للشبل : انظر ذاك هو الإنسان ، فهل رأيته ؟
قال الشبل : نعم يا والدي ، لقد رأيته ، وهو يبدو لي صغير الحجم وأستطيع التغلّب عليه بسهولة إذا ما صارعته .
قال الأب وهو يجرّ ولده خلفه :دعك من هذا الغرور، وهيا لنعد ونبتعد قبل أن يرانا .
وابتعد الوالد والولد منسحبين وقد أضمر الولد في نفسه أمراً، ولذلك بات ليلته متقلّباً منتظراً الصباح ، مصمّماً على الذهاب إلى حيث وجد الإنسان، لملاقاته ومبارزته والتغلّب عليه، وإخبار الأسود بأنه لاداعي للخوف من الإنسان بعد ذلك .
ولهذا ما إن أطلّ الصباح ، حتى نهض سريعاً، وفي غفلة من عيني والده سار إلى حيث شاهدا الحطّاب البارحة ، ليبارزه ويتغلّب عليه .
ولكنه ولحظّه العاثر، التقى بنجّارٍ قدم إلى الغابة مع غلامه ،ليحتطب بعض الخشب الذي يحتاج إليه في محلّه في المدينة،وكان النجّار يحمل أدواته التي يحتاجها أثناء عمله ،لأنه كان سيمضي إلى بعض أعماله بعد الاحتطاب كما يبدو .
ونعود لحديث الشبل الذي ما إن رأى النجّار حتى برز له مكشّراً عن أنيابه متحدّياً وهو يقول له :
هيا أيها الإنسان لمبارزتي ومصارعتي، وسأريك كيف سأتغلب عليك بسهولة .
خاف النجّار وارتعدت فرائصه وفرائص غلامه، إذ كيف له بمصارعة شبلٍ قويّ،ولكنه تمالك نفسه ولم يظهر خوفه،وراح يعمل فكره بسرعة باحثاً عن طريقةٍ تنقذه مما هو فيه،بل ووجوب تلقين هذا المغرور درساً قاسياً يعلمه عدم الاستهانة بقوة الآخرين، وخصوصاً الإنسان .
وبسرعة فكّر النجار ودبّر وقال للشبل :
أنا على استعداد لمبارزتك وأستطيع التغلّب عليك بسهولة، ولكننا نحن معشر الناس لانحمل قوّتنا معنا حيث نذهب ، وأنت قد جئتني بكامل قوّتك وهذا ليس عدلا .
سأل الشبل : وما هو العدل ؟
قال النجار : تنتظرني هنا لأذهب وأحضر قوّتي ، وسترى كيف سأغلبك بسهولة .
قال الشبل متحدّياً : اذهب واحضر قوّتك لأريك كيف سأغلبك بسهولة .
قال النجار :سأذهب حتماً ، ولكن ما الذي يضمن لي أنّك لن تهرب أثناء غيابي ؟
قال الشبل ساخراً : كيف أهرب وقد جئتك متحدّياً ؟
قال النجّار : لايهمّني إن كنت جئتني متحدّياً أم لا، ما يهمّني هو أن لاتهرب ريثما أعود ، أريد ضمانةً تضمن لي عدم هروبك أثناء غيبتي .
سأل الشبل : وما هي الضمانة التي تريد ؟
قال النجار مشيراً إلى جذع شجرةٍ كبيرةٍ قريبة : أربطك إلى ذلك الجذع ريثما أذهب وأعود، فإذا ما عدت ، حللت رباطك وصارعتك .
قال الشبل موافقاً : قد وافقت على طلبك، وسأريك كيف سأتغلّب عليك .
قال النجّار وهو يبتسم في سرّه :
هيا إلى جانب الجذع لأربطك إليه إذن .
ووقف الشبل بجانب الجذع ، وقام النجّار بلفّ الحبل عليه، وربطه إلى الجذع ربطاً محكماً بحيث لم يعد الشبل قادراً على الحركة، لا الفكاك من رباطه ، وبعدما أحكم النجّار كل ذلك ، نادى غلامه وقال : يا غلام هات( المغراية ).
وبسرعة أحضر الغلام (المغراية) ، فتناولها النجّار وانهال بها ضرباً على جنبات الشبل وهو يقول له " هنا يوجعك ، وهنا لايوجعك " حتى أشبعه ضرباً،وقبل أن ينصرف قال له : تريد مبارزتي أليس كذلك ؟ هل ذقت طعم( المغراية)؟ عساها تعلمك درساً يفيدك في المستقبل .
وعرف الشبل أنه قد أوقع نفسه في ورطةٍ كبيرة، وعرف أن الإنسان يتغلب على الأسود بعقله لا بعضلاته، لذا تحمّل الضرب المبرّح ساكتاً متألّماً بصمت .
بعد أن أشبع النجّار الشبل ضرباً بـ( المغراية ) ، تركه يتألّم في وضعه، وحمل أغراضه، وأشار لغلامه بالانطلاق والهرب سريعاً، فالأسود من آباء الشبل وأهله سيأتون للسؤال عنه سريعاً .
في هذه الأثناء كان والد الشبل قد أفاق من نومه، وحين لم يجد ولده عرف أنه قد ذهب إلى حيث شاهد إنساناً البارحة،فهو يعرف رغبته الشديدة لملاقاة الإنسان، ولخوفه من أن يقع له مكروه ، أو أن يصيبه الإنسان بأذى ما،نادى إخوته وأبناء عمومته وأسرع إلى المكان الذي وجدا فيه الحطاب، وهناك وجد ابنه مربوطاً إلى جذع شجرةٍ بإحكام ، وقد احمرّ جلده من الضرب، وسرعان ما حلّت الأسود رباطه وفكّت قيوده، وعرفت منه الحكاية ، وعرفت الاتجاه الذي سلكه النجّار، فطلبت منه المسير معها للّحاق به ومعاقبته .
وسارت الأسود جميعاً سيراً حثيثاً ، ومن بعيد شاهدها النجّار تسرع قادمةً باتجاهه هو والغلام ، فعرف أنها تقصده ،فبحث بعينيه عن منفذ يخلصهما فما وجد غير شجرةٍ قريبة ، وبسرعة تسلّقها وخلفه غلامه ، وفي اللحظات القليلة التي سبقت وصول الأسود ،ولذا حين وصلت الأسود، وقفت تحت الشجرة، وراحت تدور وتزمجر مهددة متوعّدة، باحثةً عن طريقةٍ تمكّنها من الوصول إلى النجّار وغلامه ومعاقبتهما .
وبعد الدوران حول جذع الشجرة مرّاتٍ ومرّات ، قرّرت الأسود الصعود فوق ظهور بعضها بعضاً للوصول إلى من تريد، فهي لا تستطيع صعود الأشجار مثل الإنسان ، وبدأت بتنفيذ قرارها طالبةً من الشبل المغرور ، ليكون آخر الصاعدين ليمسك بالنجّار بيده، ويأخذ بحقه منه ،ولكن الشبل اعترض وطلب أن يكون أول الواقفين بجانب جذع الشجرة ، وأن يصعد الآخرون فوق ظهره واحداً بعد الآخر، جزاءً له وعقاباً على عدم استماعه لنصائح من هم أكبر منه ، وهكذا وقف الشبل بجانب الجذع، وبدأ ت الأسود بالصعود فوق ظهره واحداً بعد واحد حتى اقترب آخرها من النجّار، وراح يمدّ يده للإمساك به ، ولم يجد النجّار بدّاً من الدفاع عن نفسه، فنادى غلامه قائلا :
ياغلام هات ( المغراية ) .
حين سمع الشبل الذي في الأسفل كلمة هات (المغراية )،استلّ نفسه من تحت الأسود ،وانطلق يجري مبتعداً بأقصى ما يستطيع من سرعة،وتهاوت الأسود فوق بعضها بعضاً ، وتخبّطت قليلا ريثما نهضت ، وبعدما استعادت أنفاسها نظرت باحثة عن الشبل ، فوجدته يجري مبتعداً وهو يناديها قائلا :
الحقوني ، الحقوني .
وجرت الأسود تتبعه لتعرف منه سرّ هروبه السريع ، واقتربت منه وهي تناديه وتسأله وهو يجري ولا يزيد على قوله : الحقوني ، اتبعوني .
بعد مسافة طويلة من الجري السريع ، شعر الشبل بالتعب ، فوقف يستردّ أنفاسه بعدما اطمئن وتأكّدمن ابتعاده عن الإنسان بعداً كافياً، ولما وقف لحقت به الأسود وراحت تسأله عن سبب هروبه، وما هي حكاية هذا الجري السريع ؟
فأجاب مختصراً الشرح :
" من لم يذق طعم ( المغراية ) لن يعرف ما هي الحكاية "
ـــــــــــــــ
الدبّ والعجول
في زمن كانت فيه تربية الحيوانات شائعةً بل مهنة ، كان الناس يربون قطعان الماعز والأغنام والأبقار والجمال و ..... وذلك بحسب البيئة المناسبة لكل حيوان .
من هنا تبدأ حكايتنا التي تقول :
عاد راعٍ من رعاة الأبقار في جبال كردستان بقطيعه إلى حظيرتها مساءً ، وكانت الحظيرة مسيّجةً بسياجٍ من الأعمدة الخشبية المغروزة في الأرض جيدا ًوالمرفوعةِ إلى علوٍّ مناسبٍ بحيث لا تستطيع الأبقار وعجولها الخروج منها ، أو القفز فوقها ، وكان الراعي يلجأ إلى ما يشبه علّية أعدّت له ليشرف منها على قطيعه ليلا ، وعادةً ما يكون صاحب القطيع وجيهاً غنيّاً ( آغا )، وعادةً كان الآغا يحمل على كتفه بندقيةً رمزاً لقوّته ، إذ ما كان يحمل البندقية (المارتينة ) يومذاك إلا قلّة قليلة .
لنعد إلى حكايتنا التي تقول إن الراعي ذاك ، وبعدما تناول عشاءه ، وكانت الليلة مقمرة،شعر بحركةٍ غريبةٍ بين قطيعه، فنظر مستطلعاً، وإذ به يلمح دبّاً كبيراً مخيفاً يدور حول الحظيرة ، باحثاً عن منفذٍ لدخولها،ولما لم يجد منفذاً، راح يتراجع للخلف، ثم يجري نحو الحظيرة ويقفز محاولاً دخولها، ولكنه يسقط على الأرض خارجها ،ويبدو أن الدبّ ذاك كان شديد الجوع، إذ أن سقوطه مرّات عديدة ،لم يثنه عن محاولاته، وظلّ يحاول ويحاول حتى أوصلته قفزته الأخيرة إلى داخل الحظيرة .
وبسرعة انقضّ على أول عجلٍ وصل إليه ، وصرعه بضربة أو ضربتين من كفّه ذات المخالب القويّة، وجلس فوقه وراح يلتهمه أمام بصر الراعي وسمعه ، والذي وقف عاجزاً غير قادرٍ على فعل شيء.
ولكن الراعي كان واثقاً من أن الدبّ الذي استطاع الدخول، لن يستطيع الخروج ، لذا انتظره ريثما انتهى من العجل تماماً ، وراح ينظر إليه وهو يمشي نحو سياج الحظيرة ليخرج منها مثلما دخل ، ولكن هيهات فالدخول لم يكن مثل الخروج، إذ أن الدبّ الممتليء البطن ما إن حاول القفز للخروج ما استطاع الارتفاع عن الأرض إلا قليلا، فأعاد المحاولة مرّة بعد مرّة أمام بصر الراعي، وكان في كل مرّة يفشل، وحين استجمع كل قواه، وجرى وقفز بأقوى مايستطيع ، ارتفع عن الأرض ليسقط سقطة قويّة ،مطلقا صوتاً قوياً من مؤخرته .
كان الراعي من فوق علّيته ينظر ويرى متشفّياً ، فلما رآه يقع وقعته تلك، مطلقاً ذاك الصوت ، قال :
انتظر ، انتظر الصباح حين يأتي الآغا ومعه المارتينة ( البندقية )، حين ذاك ستسمع الصوت الحقيقي ، فمثل هذا الصوت وقته ليس الآن ، وإنما حين يأتي الآغا ومعه ( المارتينة ) البندقية .
وإلى اللقاء في لحلقة الخامسة
الكاتب : عبدو محمد رشو 28/9/2005
ـــــــــــــــ
( الحلقة االثالثة )
( فنّ التعامل مع الناس )
تقول الحكاية :
في الأيام الخوالي ،وقبل أن تكون هنالك مدارس مثل التي نعرفها هذه الأيام، كان الطلبة وقلّة كانوا ، كانوا يتعلمون القراءة والكتابة وشيئاً من الحساب عند شيخ الكتّاب،والذي كانت مهمته الأساسية تعليم القرآن لهؤلاء الطلاب ، ومن كان يريد الاستزادة بعد شيخ الكتّاب ، كان عليه أن يلتحق بحلقة شيخ من المشايخ العلماء، في مسجد من المساجد الكبيرة في المدن الكبيرة،وهناك كان التلميذ يتعلّم أصول الدين من فقهٍ وحديثٍ وشرحٍ للقرآن وغير ذلك من أمور دينية، فهذا التعلّم كان حاجة من حاجات المجتمع، وثوابه عند الله لا يقلّ عن ثواب الجهاد .
ومن هنا تبدأ حكايتنا ، ففي حلقة من تلك الحلقات التي تحدّثنا عنها، وعند شيخ من الشيوخ الكبار،شعر تلميذٌ من التلاميذ بأنه قد نال ما يبتغيه من علوم،وأنه أصبح قادراً على الخروج للناس وتعليمهم أمور دينهم ، وكان هذا التلميذ متحمّساً مستعجلاً الخروج للناس، طمعاً في نيل الثواب من الله ، ولهذا تقدّم من شيخه يوماً، وقال له مستأذناً الخروج :
لقد تعلّمت أمور الدين جيداً يا شيخي، وأرجو أن تسمح وتأذن لي بالرحيل والتجوّل في أرض الله الواسعة، وبين عباده الكثيرين لتعليمهم أمور دينهم ، فهم في أمسّ الحاجة لذلك كما قلت لنا .
قال له الشيخ موضّحاً :
أعلم أنك قد استوعبت علوم الدين جيداً يا ولدي،ولكنك لم تتعلّم بعد أصول التعامل مع الناس،وكيفية مخاطبة كل فئةٍ منهم،أي أنك لم تتعلّم حسن التصرّف في المواقف التي قد تستجد معك .
قال التلميذ المتحمّس :
عفوك يا شيخي ومعذرتك، فما أراه هو أني قد تعلّمت ذلك أيضاً،ولا يتعدّى أمري وأمر الناس ، عن شرح آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، وتعليمهم أصول العبادات، فدعني أرحل وأعمل لأنال الأجر والثواب من الله .
قال الشيخ :
ليكن لك ما تريد، فارحل وسرْ على بركة الله،وعد إليّ إن شعرت بالحاجة إلى تعلّم فن التعامل مع الناس .
ـ حسناً يا شيخي، وأعدك بذلك .
قالها التلميذ المتحمّس وانطلق في سبيله ليعلّم الناس أمور دينهم، وليهدي الضالّين إلى جادة الصواب ، انطلق تستقبله قرية لتودّعه إلى قرية أخرى، وهو يسعى جهده لتقديم أفضل مالديه .
وفي يوم جمعة، وصل إلى قرية كبيرة، فأسرع إلى جامعها ليصلّي صلاة الجمعة،وليرى في الوقت نفسه إن كان يستطيع تقديم شيْ ما من علومه لأهلها .
وجلس التلميذ بين الناس الذين جاؤوا لتأدية الصلاة ،وحين حان وقت خطبة صلاة الجمعة، برز شيخ مهيب، بعمامةٍ كبيرةٍ جداً، وصعد المنبر بهدوء وتؤدة،تسبقه لحيته الكثّة الطويلة،وبعد تنحنح وتعوّذ وبسملة،انطلق يخطب بالمصلّين خطبة مليئة بالقراءآت الخاطئة،والأحاديث المدسوسة التى لايقبلها عقل، خطبة أظهرت جهل الشيخ الخطيب المعمّم بأبسط أمور العلوم الدينية،وهذا ما دفع تلميذنا المتحمّس للوقوف ومعارضة الخطيب وإظهار أخطائه،مطالباً الناس بعزله وإنزاله من فوق المنبر، فهو جاهل غير جدير بهذا المكان .
ولكن وما كاد تلميذنا المتحمّس ينهي كلامه، حتى كان المصلوّن قد تكوّموا فوقه، وانهالوا عليه لكماً ولطماً وضرباً ، ثم جرّوه إلى خارج المسجد، وألقوه كما تلقى النفايات وهم يقولون : أحمق وقليل الأدب وجاهل،لاندري من أين جاء، ولا من أرسله ليهين شيخنا الجليل وعالمنا المهيب .
وعاد تلميذنا المتحمّس إلى شيخه الذي ما سمع نصحه ، عاد إليه مهزوماً حزيناً وروى له ما أصابه في القرية تلك، فاستقبله الشيخ وواساه وأبقاه عنده أسابيع وأشهراً وهو يعلّمه الأساليب التي عليه أن يتبعها في مخاطبة الناس وبحسب درجات فهمهم ، وأساليب تفكيرهم، وبعد أن شاهد الشيخ أنّ تلميذه قد نال ما هو بحاجة إليه، أطلقه قائلا له :
اذهب يا ولدي وعلّم الناس أمور دينهم، فقد أصبحت قادراً على ذلك .
وهكذا انطلق التلميذ الذي ما كان نسي ما أصابه في تلك القرية التي ما نسيها أيضاً، انطلق إليها مباشرةً وفي يوم جمعة أيضاً، داعياً الله أن يكون الشيخ المعمّم باقياً فيها وحيّاً يرزق، وفرح كثيراً حين وجده قد صعد المنبر، وجاء بمثل ما كان قد جاء به قبلا،بل وكان قد ازداد جهلا.
وانتظر تلميذنا بصبر وهدوء حتى أنهى الشيخ المعمّم خطبته تلك، وانتظر أيضاً انتهاء الشيخ من صلاته،وحين انتهت الصلاة وأراد المصلّون الانصراف، وقف تلميذنا وخاطب من في المسجد بصوت عالٍ قائلاً :
أرجوكم أيها السادة المصلّون الوقوف دقائق قليلة ، فعندي شهادة أريد أن أؤديها بحق شيخكم الجليل هذا .
ووقف المصلّون جميعاً منتظرين ما سيقوله الشاب الواقف بينهم، والذي ما كانوا قد عرفوه، لأنه كان قد جاءهم بهيئةٍ غير التي كان جاء بها قبلا، وبدأ التلميذ الكلام فقال :
أيها السادة المحترمون ، أنا تعلمت ودرست في مدارس دينية كبيرة وكثيرة،وقد سافرت ورحلت عبر مدن وقرى ومساجد كثيرة، رأيت فيها شيوخا كثيرين وعلماء أجلاّء، وأقول لكم الآن ومن موقفي هذا ، أني ما رأيت شيخاً مهمّاً وعالماً جليلا مثل شيخكم وعالمكم هذا، إنه شيخ مبارك عليكم رعايته والاهتمام به ، وأصارحكم أكثر بقولي أنّ كل شعرة من شعيرات لحيته هي شعرة مباركة،لذا اسمحوا لي أن أقتلع إحدى شعيرات لحيته لأتبرّك بها في حلّي وترحالي .
كان شيخ القرية يستمع إلى أقوال التلميذ وقد داخله الزهو والخيلاء، وراح يبتسم في سرّه راضياً بما يسمع، غير عالم بما ينتظره ، إذ ما إن أنهى التلميذ كلامه المعسول،وتقدّم من الشيخ واقتلع شعرةً من لحيته الكثّة، حتى أسرع المصلّون جميعاً متكوّمين فوق الشيخ المبارك، وراح كل منهم يحاول اقتلاع إحدى شعيرات لحيته ليحتفظ بها تبرّكاً ،وما هي إلا لحظة أو لحظتان حتى كانت لحية الشيخ المبارك قد اقتلعت شعيراتها جميعاً،ولما وجد المتأخّرون من المصلّين أن شعيرات اللحية قد انتهت، انهالوا على شعر رأسه فلم يبقوا منه شيئاً ، وهكذا خرج شيخنا من المسجد أمرد أصلع ،ولم يجد أمامه غير الهروب من القرية إلى غير رجعة، بينما كان التلميذ المتحمّس الذي تعلم فن مخاطبة الناس ، واقفاً غير بعيد ينظر إلى الشيخ الأمرد الأصلع مبتسماً راضياً، شاعراً بأنه قد ثأر لنفسه .
ـــــــــــــــ
( أحمق رجل في العالم )
تقول الحكاية :
إن رجلاً خبر الحياة جيداً خلال عمر مديد عاشه،وذاق في أثناء حياته هذه حلاوة الدنيا ومرارتها، وعايش الناس أشكالا وأصنافاً، وشاهد منهم أفعالا وسمع أقوالا، وتوصّل بعد كل ذلك وبنتيجة كل ذلك إلى اكتساب خبرة كبيرة ، قادته إلى القناعة بأن كثيراً من الناس يمارسون حماقات كبيرة ، يقبلون عليها طائعين مختارين، وأنّ الكثيرين من الناس تغرّهم الدنيا بمباهجها الزائفة الزائلة، فيقبلون عليها دون أن يفكّروا بنتائجها، والتي لاتكون إلا حماقات متتالية.
وتكمل الحكاية قائلةً :
إنّ هذا الرجل حين حضرته الوفاة، أراد أن ينقل خبرته الطويلة تلك، ورؤيته العميقة لأفعال الناس إلى ابنه، وكان يتوسّم فيه خيراً، فناداه وأعطاه صرّةً من ليراتٍ ذهبية، وقال له موصياً :
أوصيك يا ولدي أن تأخذ هذه الصرّة، وتجول في بلاد الله الواسعة حتى تجد أحمق رجل في العالم، فتعطيها له، وأوصيك يا ولدي أن لا تستعجل في إعطائها فسوف تجد الكثيرين من الحمقى، فاحرص أن تعطيها لأشدّهم حماقة .
وانتقل الرجل إلى جوار ربّه، وقام الابن بواجبات الدفن وقبول العزاء كما يجب، وحين انتهى كل ذلك،قرّر تنفيذ وصيّة والده، فحمل صرّة الذهب في عبّه، ومضى يتجوّل في بلاد الله منتقلا من قرية إلى قرية، ومن بلد إلى آخر، باحثاً عن أحمق رجل في العالم ليعطيه الصرّة .
ومرّ الابن بقرية وجد فيها عجباً، وجد رجلا على سطح دارٍ ممسكاً بحبلٍ في نهايته بقرة، وهو يجرّها يريد منها الصعود إلى السطح، وقد وضع لها سلّماً خشبياً لتصعد عليه ، والبقرة تأبى وهو يجرّها عليها طالباً منها الصعود ،فوقف الابن وسأله قائلا مستغرباً ما يفعله :
ما هذا الذي تفعله يا هذا؟
أجاب الرجل :
هاهنا فوق سطح الدار عشبٌ يانع، وأنا أريد أن أطعمه لبقرتي، فقلت لنفسي أُصعِد بقرتي إليه بدل قطفه وإنزاله إليها .
نظر الابن البار إلى الرجل وهو لايزال ممسكاً الحبل متابعاً جرّ البقرة، وقال لنفسه :
هذا أحمق حقيقي، ولكنه ليس أحمق رجل في العالم .
قالها ومضى متابعاً بحثه، وأثناء متابعة بحثه مرّ في قرية أخرى بجمع يبكون، جمعٍ من رجال ونساء يبكون وهم جالسون متحلّقون حول بئر ، فتوقّف وسألهم :
لماذا تبكون أيها الناس ؟
ـ نبكي ولداً لنا سقط في البئر .
ـ وهل استخرجتموه ؟
ـ كيف نستخرجه وهو لم يسقط بعد !
ـ ما ذا ! كيف سقط ومات وأنتم تبكونه ولم يسقط بعد ؟
وانبرت امرأة من بين الحضور وقصّت عليه القصّة فقالت إنّ ابنتها حين جاءت إلى البئر لتجلب الماء وجدت فوهة البئر من دون سياج ،فقالت لنفسها غداً عندما أتزوّج سيأتيني ولد ، وسيأتي إلى البئر ليشرب ، ولأنّ البئر بلا سياج سيسقط فيه ويغرق ،لذا جلست تندبه، وأن أمها حين علمت بذلك جاءت وشاركتها في الندب على الحفيد ، وكذلك فعل أبوها و إخوتها وجميع أهلها حين سمعوا بالأمر ، و ...
وتركهم الابن البار الباحث عن أحمق رجلٍ في العالم في مناحتهم تلك، ومضى قائلا لنفسه :
هؤلاء جميعاً حمقى ، ولكنهم بالتأكيد ليسوا ا لكثر حمقاً في العالم .
ومضى الرجل متابعاً بحثه، ومرّ على أقوامٍ وأقوام ، وشاهد حماقاتٍ وحماقات، وظل يتابع بحثه وهو يقول لنفسه :
هنالك أحمق من كل من رأيت ، ولم أهتد إليه بعد .
وصل صاحبنا إلى قريةٍ وجد في ساحتها جمعاً وسمع ضجيجاً، وحين اقترب وجد رجالا وأطفالا ونساء يلعنون رجلاً قد أركبوه بالمقلوب حماراً ،وقد سوّدوا وجهه بالسّخام، وهم يرمونه بالبيض الفاسد و ببعض الخضار الفاسدة ، ويدورون به في ساحة القرية وبين حواريها .
وتقدّم الرجل من أحدهم وسأله :
ماذا فعل هذا الرجل لتفعلوا به ما تفعلونه ؟
ـ هو لم يفعل شيئاً .
ـ لماذا تفعلون به ما تفعلونه إذاً ؟
ـ لأنه عُزِل وانتهت ولايته .
ـ عفوك يا هذا ، فلم أفهم ما قلت ؟
قال : يا أخي هذا مختار قريتنا السابق، لقد انتهت ولايته وتم عزله، ونحن نفعل بكل مختار يعزل ما تراه الآن .
قال : وهل اخترتم مختاراً جديداً بدلا عنه ؟
قال : نعم وهو الآن في مضافة القرية يتقبّل التهاني .
وترك الابن البار الجمع ومضى إلى المضافة حيث المختار الجديد يتقبّل التهاني، فوجد المختار متربّعاً في صدر المضافة مبتسماً راضياً شاعراً بالزهو والخيلاء، وهو يستقبل المهنئين ويودّعهم,فسلّم عليه وقدّم له التهاني، وبعدما جلس قليلا ، قام إليه وقدّم له صرّة الذهب وهو يقول له :
هذه من والدي فقد أوصاني أن أوصلها إليك .
سأله المختار الجديد : ومن هو والدك ؟ وهل هو من معارفي ؟
ردّ الابن :
أنت لا تعرفه ،ولكنه عليه رحمة الله كان يعرفك جيداً .
ــــــــــــــ
( عالم الموصل )
تقول الحكاية :
عاش في الموصل / موصل العراق / عالمٌ فقيهٌ حكيم ، كان فريد عصره في العلم والحكمة ،
عاش زاهداً متصوّفاً غير آبه بملذّات الدنيا ومباهجها،عاش قانعاً بكفاف يومه، فقد كانت الدنيا بالنسبة إليه ممرّاً للعبور إلى الآخرة، وأن كل ما فيها من لذائذ ومسرّات هي زائفة زائلة ، وعلى الإنسان العاقل أن يسعى جاهداً ليخرج منها بأخف الأوزان والأوزار، فقد " فاز المخفّون " كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام .
وهكذا عاش صاحبنا قانعاً راضياً بحياته وبما يأتيه من رزق من هاهنا وهاهناك، قاضياً وقته كله في العبادة والدرس والتعليم، تعليم الناس أمور دينهم ،يلقيها على الناس في المسجد حيث يعيش وينام إذ لم يكن له بيت يأويه .
ولم يكن الرجل يزور الولاة والحكام والأمراء والوجهاء ، فقد كان زاهداً فيهم وفي أعطياتهم التي كان يبحث عنها غيره بإلحاح .
واشتهر عالمنا الموصلي هذا بين الناس، وذاع صيته كعالم وزاهد ومحدّث وفقيه، وصار الناس يحضرون دروسه جماعات جماعات،وسمع به الخليفة في بغداد، وما كان يعرف عنه شيئاً،فسأل وزيره عنه ، فأفاده بمثل ما سمع، وهذا بعث في الخليفة الرّغبة في لقياه والتحدّث إليه والسماع منه ، فأرسل الوزير من يستدعيه للقاء الخليفة محمّلا بصرة من دنانير ،ولكن الرسول ذهب وعاد وحيداً وقال للوزير :
هو لايحضر مجالس الخلفاء ومن دونهم أيضاً، وهو لايقبل أعطياتهم أيضاً .
وأرسل الوزير قائد شرطته لإحضاره بناء على رغبة الخليفة، فرغبات الخليفة أوامر ، ولكن قائد الشرطة ذهب وعاد خائباً أيضاً، وقال للوزير مثلما قال الرسول الأول ، وهكذا اضطر الوزير للذهاب بنفسه إلى الموصل، لمقابلة العالم الزاهد لإقناعه بالمجىء إلى بغداد، وحضور مجلس الخليفة الراغب في لقائه .
وفي الموصل سأل الوزير عن بيت العالم ذاك، فأفيد بأنه لا بيت له ، ولما سأل عن مكان إقامته، أفادوه بأنه يقضي وقته في المسجد الكبير أو حوله، فإذا ما حلّ الليل وذهب الناس إلى بيوتهم أوى إلى المسجد لينام فيه ، وأما عن طعامه وشرابه فأفادوه بأنه يأكل ما يتيسّر له مما يجود به الناس عليه أو مما يقع بين يديه ، فهو لايطلب شيئاً من أحدٍ أبداً .
وذهب الوزير إلى المسجد الكبير باحثاً عنه، فوجده خارج المسجد ، مسنداً ظهره إلى جداره الخارجيّ يأكل شيئاً ما، فلما اقترب منه وجده جالساً قرب بقايا طعام رماه الناس، وكان الطعام مؤلّفاً من حبّاتِ زيتون تالفة، وبقايا أرغفة علاها العفن،وكان الرجل العالم الفقيه الرافض لقاء الخليفة وأعطياته، جالساً قرب ذاك الطعام، وهو يتناول بقايا الرغيف الواحد، فيزيل عنه العفن بموسى كانت بيده، ثم يبحث بين بقايا حبّات الزيتون التالفة عن بقايا حبّة صالحة ، فيحملها ويضعها بين بقايا الرغيف الذي أزال عنه العفن، ويضع اللقمة تلك في فمه، ليأكلها بهدوء وقناعة تامة.
وتكلّم الوزير بعد طول وقوف ناظراً إليه وإلى ما يفعل مسلّماً عليه ، فردّ الرجل التحية بأحسن منها ، وسأله الوزير مستعلماً :
أأنت العالم الفلانيّ ؟
فردّ عليه أن نعم وهو يتابع تناول طعامه ، غير آبه به وبمن حوله .
قال الوزير سائلا :
أرسلت إليك برغبة الخليفة في لقائك ، فلماذا رفضت الحضور ؟
ـ أنا لا أزور أحداً ، ولا أحضر مجلس أحد .
ـ ولكن الخليفة راغب في لقائك والتعرّف إليك .
ـ قلت لك إني لا أزور أحداً ،ولا رغبة لي بلقاء أحد .
ـ أتعرف ما يعنيه رفضك لقاء الخليفة ؟
ـ وما يعني رفضي ؟
ـ يعني رفضك هذا أن الخليفة سيغضب .
وبهدوء شديد رفع الرجل رأسه وحوّل نظره إلى الوزير الواقف فوقه وقال له :
اسمع يا هذا ، من رضي بعيشتي هذه، ومن رضي بتناول هذا الطعام الذي تراه ، لا يهمّه غضب خليفتك ولا رضاه .
ـــــــــــــ
الحيسوب
( العبد الذي يحسب حسابات دقيقة )
تقول الحكاية :
احتاج وجيهٌ إلى عبد يخدمه ويخدم ضيوفه ،في مضافته الكبيرة التي يكثر المتردّدون عليها، وبخاصّة في الأماسي حيث يسهر الناس، ويتبادلون أحاديث شتّى، وكانت هذه عادة الناس في ذلك الزمن الذي لم يكن فيه تلفزيون ولا إذاعة ولا صحف ،وكانت المضافات هي المكان الوحيد الذي يسهر فيه الناس ويتبادلون الأحاديث، وبخاصة في القرى والبلدات التي لم تكن فيها مقاهي، وكان كثيرٌ من الوجهاء يفتتح مضافة يستقبل فيها الناس،وكانت المضافة في الوقت نفسه مكاناً لاستقبال الضيوف القادمين من خارج البلدة ، ففيها كان مبيتهم وطعامهم أيضاً .
ونعود إلى حكاية وجيهنا الذي ذهب إلى سوق العبيد لشراء عبد للخدمة في مضافته،وهناك راح يتجوّل باحثاً بين العبيد المعروضين للبيع ،عن عبدٍ مناسبٍ مظهراً ومخبراً إن أمكن ،وبعد الدوران في السوق أكثر من مرّة، قرّ قراره على شراء عبد معيّن وجده مناسباً، فتقدّم من صاحبه وسأله عن سبب بيعه للعبد ، وهل دفعه لذلك عذر فيه، أم لحاجة عرضت له ؟ فقال له الرجل :
لكي أكون صادقاً معك ومع نفسي، فأنا أبيع هذا العبد لعذرٍ فيه .
ـ وما هو عذره ؟
ـ عذره أنه يحسب الأمور التي تطلب منه أو إليه بدقّة شديدة، هو" حيسوب "يا سيدي وأنا لايعجبني هذا الأمر، وأريد بيعه لذلك .
فرح وجيهنا الراغب في شراء العبد وقال لنفسه :
أنا عن مثل هذا العبد أبحث، فأنا بحاجة لمن يضبط الأمور عندي ، ولمن يحسب لكل شيء حسابه الدقيق .
وبسرعة تم البيع والشراء ،وعاد وجيهنا بالعبد إلى مضافته، وهناك بيّن له عمله،ومكان إقامته ، وانصرف الوجيه مسروراً منتظرا المساء، ليفاجيء ضيوفه بالتحفة التي اشتراها .
ولم يطل الأمر بالوجيه كي يتعرّف على عبده " الحيسوب " ،إذ ما إن حلّ المساء حتى تقاطر الساهرون على المضافة واحداً بعد الآخر،وبسرعة انهمك الجميع في أحاديث شتى شغلتهم قليلا أوكثيراً عن العبد الجديد، الجالس قرب جرّة الماء التي عند الباب ، والتي يشرب منها الضيوف إذا ما شعروا برغبة في الشرب، وهذا ما شعر به أحد الضيوف الجالسين في صدر المجلس ، فنادى العبد طالباً منه شربة ماء .
أطرق العبد قليلا ، ثم رفع رأسه وقال للضيف طالب شربة الماء :
لقد حسبت حساب هذا الأمر، ووجدت أنه من الأفضل أن تقوم وتشرب لوحدك .
كان صاحب المضافة ينظر ويسمع ، فلما قال العبد ما قاله ،سأله مستغرباً مستفسراً :
قل لي أيها العبد كيف حسبت حسابك هذا ؟
أجاب العبد :
ياسيدي، إذا نفّذت طلبه فسأقوم من مكاني أولا،ثم أتحرّك نحو الجرّة ثانياً،وأحمل إليه شربة الماء ثالثاً ،وأعود إلى الجرّة لأضع عندها كأس الشرب رابعاً، ثم أجلس في مكاني خامساً ، أما إذا قام هو بالشرب، فسيقوم بحركتين فقط ، هما المجيء إلى الجرّة والعودة إلى مكانه ، حركتان في مقابل خمس حركات، أفلا ترى معي أنه من الأوفر والأفضل أن يقوم هو بشرب الماء ، أليست حساباتي دقيقة ؟
بهت الوجيه صاحب المضافة وشعر بغضب شديد، ولكنه تمالك نفسه أمام ضيوفه ،وبعد تفكير قليل قال للعبد :
نعم ، نعم إن حساباتك دقيقة، بل دقيقة جداً، وأنت فعلا "حيسوب "، بل "حيسوب" كبير، وقد تعلّمت منك الحساب أيضاً، ولذلك وبدلا من أن أقوم بضربك بنفسي ستين عصا تستحقّها ، سنتقاسم ضربك جميعاً، وسيضربك كل منّا عشر عصيّ، وبهذا لن نتعب في ضربك الذي سيستمر يومياً، وحتى تتخلّى عن حساباتك الدقيقة هذه .
ـــــــــــــــ
تقول الحكاية :
إن أسداً خرج من عرينه يوماً وراح يتمشّى أمامه جيئةً وذهاباً بادي الهم وانشغال البال .
وطالت مشية الأسد ، ودفعته همومه للابتعاد عن العرين رويداً رويداً حتى صار في أطراف الغابة، وهو ينظر أمامه وحوله مستطلعاً باحثاً بعينيه عن شيء ما .
حين صار الأسد قرب طرف الغابة، شاهدته سلحفاة كانت تمشي هناك متمهلة،وحين رأت همّ ملك الغابة الظاهر،اقتربت منه وسلّمت عليه بالملْك وسألته قائلة :
أراك مشغول البال ، مهموم الخاطر يا مولاي،فهل هنالك ما يشغل بالك؟ أراحك الله من كل همّ وغمّ.
أجابها الأسد :
أشبالنا خرجت إلى الصيد ، وقد تأخرت في العودة،وهذا ما أشغل بالي، وأخاف أن يكونوا قد تشاجروا أو تقاتلوا مع بعض حيوانات الغابة، فهم لازالوا صغاراً أغراراً، وقد يدفعهم غرورهم وطيش الشباب للاشتباك مع الآخرين وإيذائهم، وهذا ما لا أريده .
حين سمعت السلحفاة ما سمعت، راحت تلطم وجهها وتنتحب صائحة :
يا ويلي ويا خراب بيتي، يا ويلي ويا ويلي و....
استغرب الأسد ما سمع وما رأى، وسأل السلحفاة :
ماذا جرى لك يا هذه؟ ولم الويل وخراب البيوت الذي تتحدّثين عنه ؟
ردّت السلحفاة وقالت :
أولادي أيضاً قد خرجوا للصيد ،وإذا صدق ما تتخوّف منه،فقد يكون اشتباك أشبالك مع أولادي، وهذا قد يحدث أضراراً وأذى للطرفين ، وهذا ما لا أريده أنا أيضاً .
أدار الأسد ظهره وعاد إلى عرينه وهو يقول :
ليتني فقدت أشبالي وما سمعت ما قلتيه يا هذه .
ـــــــــــــــ
تقول الحكاية :
إن رجلا هملا خامل الذكر كان يتردّد على مضافة البلدة ، ويجلس هناك بين الناس يستمع إلى أحاديثهم،وغايته السهر والسمر وبعض الطعام الذي يقدّم أحياناً للضيوف .
وكان الرجل نفسه يستمع إلى ما يرويه الحضور عن أعمال المشاهير من الناس وما قام به بعض الحضور أو الغيّاب من أعمال خيّرة ، مثنين عليه وعليها ، وكان هذا ما يحزّ في نفس الرجل، إذ لم يكن أحد يذكره بشيء، فقد كان صاحبنا يريد الشهرة والذكر بين الناس ، و ما كان يحصل عليهما .
وراح صاحبنا يفكّر ويفكّر ويفكّر، لعلّه يهتدي لطريقةٍ أو عملٍ يجعل الناس يذكرونه ويتحدّثون عن أعماله وأفعاله .
ويوماً وبينما كان سائراً في طريقه على غير هدى، مرّ مصادفةً قرب قصر ملك تلك البلدة،فوجد جمعاً حول القصر، ودفعه الفضول للاقتراب والسؤال عما يجري، فقالوا له إن خزينة الملك قد سرقت ، وأن الشرطة تبحث عن الجناة، وهم يبحثون في القصر وحوله عن دليل ربما يكون الجناة قد تركوه خلفهم .
ووجدها صاحبنا الهَمَل فرصةً سانحةً، وبهدوء انتحى جانباً، وفي غفلةٍ عن أعين الجميع، خلع فردة حذائه وألقاها إلى داخل حديقة القصر، واندسّ بين الحضور من المتفرّجين منتظراً، وبعد قليلٍ سمع أحد رجال الشرطة ينادي بأنهم قد عثروا على فردة حذاء أحد اللصوص، وبعد البحث والتقصّي عن صاحب الحذاء، قبض على صاحبنا الذي كان راغباً بالقبض عليه،وسيق للتحقيق مطالباً بالاعتراف بالسرقة وذكر أسماء رفاقه .
وحين لم يعترف بالسرقة ولا أعاد المال المسروق لسبب بسيط، وهو أنه ليس السارق ولا يعرف من سرق، انهالوا عليه لطماً ولكماً وضرباً مبرّحاً ، وهو صامتٌ ساكت ، بل كان يبتسم في سرّه وهو يقول لنفسه :
اليوم سيذكرونني في المضافة كثيراً .
وإلى اللقاء في الحلقة الرابعة ...
25/8/2005 عبدو محمد
ــــــــــــــ
( الحلقة الثانية )
تقول الحكاية :
تم تعيين مهراجا جديد لولاية من ولايات الهند الكثيرة ، وحين وصل المهراجا إلى مركز ولايته، أحبّ أن يقوم بجولة استطلاعية يطّلع فيها على أحوال عاصمة ولايته، ويتعرّف على ناسها وأسواقها ، وليراه الناس ويعرفونه أيضاً .
وخرج المهراجا الجديد في موكب مهيب، راكباً عربته التي تجرّها أربعة خيول مطهّمة ، وخلفه سار موكبٌ كبير من عربات أتباعه وموظّفي ولايته ووجهائها، وحوله حرّاسه ورجال أمنه ، وخرجت الجماهير واحتشدت على جانبي الطريق الذي سيمرّ فيه الموكب المهيب .
وراح الناس الذين على جانبي الطريق يحيّون المهراجا حين مروره بالهتاف والتصفيق، داعين له بطول العمر ودوام البقاء ، الكل كان يصفّق ويحيي ويهتف وهو يحرص على أن يراه رجال أمن المهراجا لكي لا يصيبه ما يصيب غير الأمناء والمخلصين للولاية والمهراجا ، الكل كان حريصا على الظهور بمظهر المخلصين المطيعين، إلا واحداً شاهده رجال أمن المهراجا مستلقياً في زاويةٍ من شارع جانبيٍّ، غير آبه بما يجري ومن يجريه ومن وراءه ومن خلفه ،كان الرجل فقيراً هنديّاً زاهداً بالدنيا وما فيها ، وما كان رجال المهراجا يدرون عن ذلك شيئاً .
ولمحه رجال الأمن في مكانه ذاك ، فأسرعوا إليه زاجرين مهدّدين طالبين منه الانضمام لموكب المهللين المرحبين ، ولكنه ظلّ مستلقياً غير عابىء بهم وبتهديداتهم ، بل وقال لهم بهدوء شديد : ومن هو مهراجكم هذا لأقوم وأقف احتراماً له ،أنا أعلى منه مرتبة بدرجاتٍ ودرجاتٍ .
وشعر رجال أمن المهراجا بشىءٍ من الخوف والرّهبة ،فالموظّفون يخافون مهما علت مراتبهم ، فدائماً هنالك من هو أعلى مرتبة منهم، ولهذا خاف رجال أمن المهراجا أيضاً، وظنّوا أن الرجل قد يكون من" عيون الملك وآذانه " هؤلاء الذين ينقلون للملك ما يرونه وما يسمعونه ، فأسرعوا يعلمون المهراجا بما رأوه وما سمعوه ، ولأن المهراجا رجل موظّف وإن كان منصبه رفيعا ،فقد شعر بشيء من الخوف أيضا ، وبشيء من الارتباك والحرج ، أوقف عربته ونزل منها وسار إلى حيث الرجل الأعلى مرتبة منه كما قيل له ،فوجده مستلقياً غير آبه وبكلّ ما يجري ، وهذا ما أشعره بشيء من الرهبة والخوف، ودفعه لأن يتقدّم منه بهدوء ، ويسأله بلطف شديد : أأنت قلت لرجالي أنك أعلى مني مرتبة بدرجاتٍ أيها السيد المحترم ؟
ردّ الفقير بهدوء شديد :
نعم أنا قلت ذلك .
مرّة ثانية سأل المهراجا بلطف وتهذيب :
وهل من الممكن أن تتفضّلوا وتقولوا لنا ما هي مرتبتكم السامية لنقوم بواجب احترامكم ؟
ومن جديد تكلّم الفقير بلامبالاة شديدة وقال سائلاً:
اسمع يا بني ّ، أنت الآن مهراجا أليس كذلك .
ـ نعم ، هو كذلك .
ـ وإذا ارتقيت إلى مرتبة أعلى ، ماذا ستصبح ؟
ـ سأصبح وزيراً .
ـ وماذا بعد مرتبة الوزير .
ـ مرتبة رئيس الوزارة يا سيدي.
قالها المهراجا بتذلل طامعاً نيل رضا هذه الشخصية الهامة.
ـ جيد ، جيد ، قال الفقير وأضاف سائلا من جديد :
ـ وماذا بعد مرتبة رئيس الوزارة ؟
ـ بعد مرتبة رئيس الوزارة مرتبة الملك .
همم ، همم ، همهم الفقير وسأل من جديد :
وماذا بعد الملك ؟
ـ بعد الملك ! لاشيء بعد الملك ، فما بعد مرتبة الملك من مرتبة .
ـ اسمع يا بنيّ وانصرف ، فأنا هو اللاشيء الذي بعد الملك ، فهل فهمت ؟
========
تقول اسطورة هندية :
عندما خلق الإله الخالق الخلق ، وقبل أن ينشرهم على الأرض، قدّر لهم أعمارهم، ولاختصار الوقت ، قسمهم إلى مجموعات تتألف كل مجموعة من أربعة مخلوقات، وأعطى لأفراد كل مجموعة أعماراً متساوية، وأعطاها حق الاعتراض، ولكن بعد أن عرض عليها مسيرة حياتها، تماماً مثلما يرى الإنسان الحديث شريطاً سينمائياً وثائقياً عن سيرة حياة كائن ما .
وأثناء التقسيم على المجموعات ، جاء المخلوق الإنسان في مجموعة واحدة مع الحمار والكلب والقرد،وقد قدّر الإله الخالق لكل فرد من هذه المجموعة، عمراً قدْره ثلاثين سنة يعيشها على الأرض، وبعد أن عرض عليها كيف ستعيش هذه الثلاثين سنة ، سألها رأيها وما إذا كانت تعترض على ما رأت أم هي موافقة عليه ؟
وكان الحمار أول المعترضين ، إذ قال معترضاً :
ثلاثون سنة كثيرة ثقيلة عليّ أيها الإله الخالق، فهي كلها عذاب بعذاب، كلها تمضي في حمل أحمال في الذهاب والإياب ، ثلاثون سنة والإنسان يلاحقني،يحثّني على الإسراع في الوصول والإسراع في العودة،ثلاثون سنة كثيرة عليّ أيها الإله،تكفيني منها خمس عشرة بل وتزيد أيضا .
وتقدّم الكلب بعد الحمار معترضاً أيضاً فقال :
وأنا أيضاً لا أريد هذا العمر المديد ،فهي كلها شقاء بشقاء،كلها تعب ونباح، ثلاثون سنة أقضيها في خدمة الإنسان، ويجعلني أنام أمام باب داره لأحرسه ليلاً أيضا ،وكأنه لا تكفيني حراسة قطعانه ومصارعة الذئاب الغازية نهاراً، لا ، لا أيها الإله، لا أريد ثلاثين سنة ، تكفيني أنا أيضاً خمس عشرة سنة ، بل وتزيد أيضاً .
بعد أن أنهى الكلب أقواله ، تقدّم القرد وقال معترضاً أيضاً :
وأنا أيضاً لا أريد ثلاثين سنة من العمر ، تكفيني أنا أيضاً خمس عشرة سنة ،فماذا أفعل بعمر مديد ، أقضيه أتسلق الأشجار باحثاً عما يسكت جوعي ،أو محبوساً في قفصٍ ، أو بيتٍ ، أو تحت شجرة ،والناس يمرّون بي باسمين أو ضاحكين، أو يتحلّقون حولي متفرّجين ، بل وكثيراً ما يدهمني الأطفال ويلقون بأنفسهم فوقي ، أو يجلسون في حضني ليعبثوا بلحيتي، ولا يكتفون بذلك، بل ويطلبون مني أن أسلّيهم وأحكي لهم الحكايات أيضاً ،إنها حياة بائسة أيها الإله ،لذا لا أريدها كلها ، تكفيني منها خمس عشرة ، بل وتزيد أيضاً .
وجاء دور الإنسان ، وكان فرحاً بما رآه من عمره، فقد وجد نفسه فتى يلعب في البراري أو بين الأحياء أو القرى، ثم رأى نفسه شابّاً يلتقي بفتاة جميلة فيحبّها وتحبّه ،ورأى نفسه زوجاً لها وهما يقضيان أياماً حلوة، وينجبان أطفالا جميلين ، لذا تقدّم من الإله الخالق وقال معترضاً، ولكن ليس على مبدأ من سبقه ، إذ قال :
أما أنا يامولاي وخالقي فلا تكفيني ثلاثين سنة، أريد المزيد يا مولاي، فهي كلها سعادة ويسر ، ثم أنا أريد أن أرى أولادي يكبرون ويتزوّجون وينجبون ، وثلاثون سنة لا تكفي لذلك ، لذا يا مولاي أريد المزيد والمزيد .
وتكمل الأسطورة حكايتها فتقول :
وجاء دور الإله الخالق للردّ على اعتراضات المجموعة، وبعدما نظر إليهم طويلا، وبعدما قلّب الأمور على وجوهها جميعاً، تكلّم فقال :
ما قدّرته لكم من أعمار، لا يمكن زيادتها ولا نقصانها ، ولكن يمكن أن نأخذ الزيادة التي لا يريدها بعضكم ، ونعطيها لمن يريدها منكم .
وهكذا أضيفت لعمر الإنسان خمس وأربعون سنة ، هي التي أخذت من عمر الحمار وعمر
الكلب وعمر القرد ،ولكنه لم يستفد منها كما أراد واشتهى ،إذ أنه راح يقضيها كما كان سيعيشها أصحابها، لا كما يعيشها الإنسان قبل عمر الثلاثين،إذ أنه ما إن تنتهي الثلاثون سنة الأولى من عمر الإنسان، حتى تبدأ الخمس عشرة سنة التي كانت مخصّصة للحمار ، ولذلك ترى الإنسان خلالها يحمل قوائم طلبات البيت في الخروج والعودة ، خمس عشرة سنة يقضيها متعباً جارياً وراء طلبات الأولاد وحاجاتهم ، والذين ما إن يكبرون قليلا ويدخلون عمر المراهقة، حتى تأتي سنوات عمر الكلب ،فترى الإنسان خلالها دائم الكلام في إعطاء الأوامر والنواهي، والنصائح والإرشادات، وهذا يجوز وهذا لايجوز ،وهذا يدخل إلى البيت وهذا لايدخل إليه، وكأنه حارس يقضي أيامه في المراقبة وحماية البيت، تماماً مثلما كان سيفعل الكلب ، فإذا ما انتهت الخمس عشرة سنة هذه ، تأتي بعدها الخمس عشرة التي كانت للقرد، فترى الإنسان فيها وقد أدركته الشيخوخة، وتراه جالساً في البيت يأتي إليه الزوّار أو أحفاده، فيلقون بأنفسهم عليه ويداعبون لحيته ويطالبونه بالحكايات المسلية، تماماً مثلما قال القرد في اعتراضه .
هذا ما تقوله الأسطورة الهندية ، فماذا يقول الواقع ؟ ؟
========
تقول اسطورةٌ هنديةٌ جديدةٌ :
إن تلميذاً من تلاميذ معبد هندوسيٍّ كبيرٍ، وقف أمام معلمه الكاهن وسأله :
قل لي يا معلمي ، من خلق هذه الأرض وهذه السماء بكل ما فيهما من مخلوقات وعجائب لا تنتهي ؟
قال الكاهن المعلم :
اسمع يا ولدي ، ما أعرفه ويجب أن تعرفه ، هو أن الإله براهما كبير الآلهة، هو الذي يحرّك الرياح وينزّل الأمطار والثلوج ، ويثير الزلازل والبراكين، ويسبب الفيضانات، وهو الذي إذا غضب من الإنسان صبّ عليه المصائب والويلات ، وأرسل له الأمراض والكوارث ، وهو الذي .....
قاطع التلميذ معلمه الكاهن قائلا :
أعرف كل هذا يا معلّمي ، أعرفه وأقرُّ به، ولكني أريد معرفة خالق كل هذا ، خالق الأرض والسماء وما بينهما وما فيهما ؟
وأسقط في يد الكاهن المعلم ، وحار بماذا يجيب ؟ ولأن الكهنة ورجال الدين لايكذبون ، فقد قال لتلميذه منهياً الحوار :
في الحقيقة يا ولدي أنا لا أعرف، فاذهب إلى كاهن المعبد الكبير فلعلّه يعرف .
وهكذا ذهب التلميذ الباحث عن الحقيقة ووقف أمام الكاهن الكبير في المعبد الكبير ، وسأله سؤاله الذي جاء من أجله ،وحين لم يقتنع بجواب الكاهن الكبير الذي ما أضاف شيئا إلى جواب الكاهن المعلم ، اضطر الكاهن الكبير أن يقول له :
في الحقيقة يا ولدي أنا أيضاً لا أعرف ، فاذهب إلى الكاهن الأكبر في المعبد الهندوسيّ الأكبر ، فلعلّه يعطيك الجواب .
وهكذا حمل التلميذ عصا ترحاله وسار وئيداً ، قاصداً جبال الشمال العالية حيث المعبد الأكبر ،وبعدما وصل إليه متعباً بل مهدوداً من التعب ، وقف أمام الكاهن الأكبر وسأله قائلا :
جئتك يا مولاي طالب معرفة وباحثاً عن جواب لسؤال يؤرّقني .
ردّ الكاهن الأكبر بثقة : قل يا ولدي واسأل ،فبالأسئلة نصل إلى الحقيقة .
قال التلميذ : هذه الأرض بما عليها، وهذه السماء وما فيها، من خلقهما يا مولاي ؟
تنحنح الكاهن الأكبر وقال متلعثماً :
اسمع يا ولدي، الإله براهما هو كبير الآلهة، هو الذي يحرّك الرّياح وينزّل الأمطار ويرسل الفيضان و..
ولم يدع التلميذ الكاهن ليكمل الأقوال التي يعرفها ، والتي ما جاء من أجلها،لذا قاطعه قائلا :
أعرف كل ذلك يا مولاي ، أعرفه وأحفظه جيداً،ولكنّي أرجوك أن تقول لي من خلق كل ذلك ، من خلق الأرض بما عليها، والسماء وما فيها؟ فعن هذا أسألك ، ولهذا جئتك .
وسكت الكاهن الأكبر طويلاً مفكّراً، ولأن الكهنة ورجال الدين لايكذبون كما قلنا ، فقد رفع رأسه، وقال مخاطباً التلميذ الباحث عن المعرفة :
إن كنت تريد أن تعرف ذلك يا ولدي، فعليك بالذهاب إلى ملوك الأرض الأربعة، في جهات الأرض الأربع،فهم يأتون بعد الإله براهما بالمنزلة ، وعندهم قد تجد ما تبحث عنه من معرفة ، لأني أنا أيضاً لاأعرف جواب سؤالك .
وهكذا تابع التلميذ رحلة بحثه وعذابه، سار طويلا وطويلا جدا حتى قابل ملوك الجهات الأربع، قابلهم واحداً بعد واحد ،وجميعهم لم يزد على أجوبة من قبلهم شيئا،وقالوا له بعد طول حوار :
نحن أيضاً لا نعرف ، فاذهب إلى الإله براهما، فهو الوحيد القادر على إعطائك الجواب الذي تريد .
وهكذا سار التلميذ قاصداً الإله براهما ، هو كان يعرف أين سيجده ، فقد قالوا له :
اذهب إلى القلعة الشفّافة، في قمّة الجبل الأعلى بين جبال همالايا،فهو هناك ، وهو من مسكنه الذي فوق الغيم هناك ، يشرف على الخلق جميعاً ويراقبهم جميعاً، ليعاقب من يستحقّ العقاب ، ويكافيء من يستحقّ المكافأة .
ومضى التلميذ وئيداً ، يصعد السفوح بتؤدة ولكن بثبات، مضى متحمّلا الريح والمطر والبرد، حفيت أرجله، وبلي رداؤه، وقرص الجوع أمعاءه، ولكنه ظلّ يسير ويسير حتى وصل إلى قصر الإله براهما الشفّاف، فوق القمّة العالية الشفّافة، فالقصر كان مبنيّاً من قطع الجليد الشفّافة .
حين وصل التلميذ لم يكن الإله براهما موجوداً ، كان خارجاً لبعض شأنه ، لذا جلس بجانب بوّابة القصر، منتظراً عودة الإله الأكبر، كان جائعاً مقروراً متعباً، ولكنه كان مصمماً على الانتظار، لمعرفة جواب السؤال الذي جاء باحثاً عن جوابه .
وانتظر التلميذ ساعة أو نحوها،وفوجيء بحركة تدبّ في القصر فجأة، ثم سمع صهيل خيول، و"قرقعة" دواليب عربات،فهبّ واقفاً مثلما وقف جميع من كان في المكان، وما هي إلا لحظة أو لحظتان، حتى ظهرت عربة الإله براهما تجرّها ستة خيول مطهّمة، عربة كانت بلون السحاب ، وخيولها كانت بلون الثلج ، وخلف عربة الإله، كانت قافلة من عربات الأعوان والأتباع والخدم والحرّاس والجند .
وبسرعة ودون أن يشعر الحراس أو قبل أن يحسّوا، أسرع التلميذ ووقف أمام الإله براهما وقال سائلا :
قل لي يا أيها الإله الأكبر،هذه الأرض بمن عليها ، وهذه السماء وما فيها ، من خلقهما ؟
قال الإله براهما :
اسمع يا ولدي ، أنا الإله براهما، أنا الذي أحرّك الرياح وأثير الزوابع والزلازل والبراكين و...
وقاطعه التلميذ قائلا : أعرف كل ذلك أيها الإله الأكبر وأقرّ به، ولكن أرجوك أن تقول لي من خلق كل ذلك ؟
نظر الإله براهما إلى التلميذ الباحث عن المعرفة والحقيقة مرّة، وإلى من حوله مرّة، ثم أخذ بيد التلميذ وانتحى به جانباً، وقال له هامساً :
اسمع يا ولدي ، كل هؤلاء الذين تراهم حولي يعتقدون أني أعرف جواب ما تسأل عنه ، ولكن في الحقيقة ، وللحقيقة ، فأنا أيضاً لا أعرف .
وإلى اللقاء في الحلقة الثالثة ...
22/7/2005 عبدو محمد
( الحلقة الأولى )
إهـداء ...
إلى من كانت ولا تزال
رفيقة دربٍ ، وشريكة حياةٍ ، وصديقة عمرٍ ، وأماً رائعةً .
وواحةً من فيءٍ ونسيمٍ ، وملاذاً آمناً من منغّصات الحياة .
إلى " وحيدة " التي كانت لي نعم العون في درب الحياة .
أقدّم شيئاً من ذاكرة شعبٍ طيّبٍ ، من جزءٍ من بلادي الطيّبة ، شيئاً من
ذاكرة شمال سوريّة الحبيبة .
حكاياتٌ ووقائع جرت ، و طرائف حدثت ، وأقوال قيلت، فذهبت مثلا لحكمة فيها ، أو لعبرة أو لرمز أرادته، وقد أضفتُ إليها كلمة حديثة من باب تغليب الكل على الجزء ، وذلك لأن معظم ما ورد في الكتاب من حكاياتٍ وأحداثٍ لا يتجاوز عمرها الزمني المئة عام ، أو ربما أكثر من ذلك بقليل .
وهي حكايات وأحداث جرت بغالبيتها في شمال سورية وما حول حلب وأعمالها تحديداً، وقد نقلت فيما بعد ورويت بأشكال وأسماء مختلفة، كما نسبت إلى أماكن مختلفة ، وهذا غير هام كثيراً ، وما يراد بالحكاية عبرتها .
وتبقى ماثلة أمام أعيننا إشكالية التفكير الإنساني المتشابه كثيراً أو قليلًا في المواقف المتماثلة، إذ كثيراً ما نرى الحكاية الواحدة تتكرر بحذافيرها، أو بما يزيد أو ينقص قليلًا في أماكن عديدة من العالم ، دون أن يكون لأحدهما علم بما جرى في المكان الآخر .
وكل ما ورد في الكتاب سمعته شفاهاً من أناس سمعوها من غيرهم ، أو كانوا شهودها أو أبطالها ، أما الحكايات التاريخية الأقدم ، فقد سمعتها شفاهاً أيضاً ممن كانوا قبلي، وكانوا على شىءٍ من العلم والدراية، ولا أدري إن كانت مكتوبة في كتاب أم لا ، وقد حاولت جهدي معرفة ذلك فما استطعت .
وقد حرصت على أن أسجل للقاريء الكريم ما انتقيته مما سمعته ، الحكايةَ ذات المغزى العميق، أو التي تقول حكمةً بليغةً ،أو التي تقرع أذن سامعها قرعاً، لتقول له ما هو بحاجة لسماعه ، والتي تنطلق كالرصاصة فتصيب هدفها ، وهدف الحكايات هنا ليس القتل بل التنبيه .
وأخيراً هي دعوة للتبصّر والتفكير أردتها ليس إلا .....
وأسأل الله التوفيق
عبدو محمد
الأصل غلاّب
( مين غاب عنّك أصله، دلّك عليه فعله )
تقول الحكاية وهي قديمةٌ قديمة :
وكان الأمير راغباً في شراء العبد ، وما كان الثمن عنده هاماً ، وقد زاده كلام صاحبه رغبة في شرائه ، فدفع ثمن العبد وهو يقول:
ما جئت إلى هذه السوق إلا باحثاً عن عبد فهيم حكيم،لأني بحاجةٍ إليه وإن كنت أميراً .
وأخذ الأمير عبده الجديد معه، ومضى إلى قصره أو مضاربه لا فرق ،وهناك راح العبد يخدم سيده الجديد بأمانة وإخلاص أََُعجِب بهما الأمير،وهذا ما جعله صاحب رأي ومشورة عنده .
ومرّت أيام بعدها أيام ، وجاء يوم نادى فيه الأمير الشيخ عبده، وعرض عليه حصاناً اشتراه، وقال له :
لقد اشتريت هذا الحصان،وقيل لي إنه حصان أصيل ، وأريدك أن تعرف هل هو أصيل أم لا ؟
كان الأمير ابن بادية يعرف أن الحصان أصيل ، ولكنه كان يريد اختبار عبده .
قال العبد وهو ينظر إلى الحصان :
أرجو أن تمهلني ثلاثة أيام لأجيبك عن سؤالك يا مولاي .
وكان للعبد ما أراد من مهلة ، وبعد ثلاثة أيام عاد العبد يجرّ وراءه الحصان، ليقول لمولاه :
هذا حصان ربّته بقرة ، إنه ليس حصاناً أصيلاً تماماً يا مولاي !
ارتاح الأمير وفرح، ونادى المسؤول عن الطعام ( العشّي) وقال له آمراً:
زد وجبة عبدي هذا رغيفاً .
ومرّت أيام وأسابيع أخر ، ونادى الأمير الشيخ عبده مرّة أخرى ، وعرض عليه صقراً ( الطائر الحرّ) وقال له :
لقد اشتريت هذا على أنه ( حرّ ) و أريدك أن تعرف لي هل هو حرٌّ أم لا ؟
وطلب العبد مهلة ثلاثة أيام، عاد بعدها وقال لسيده :
إنه ليس( حرّاً) تماماً ، إنه تربية دجاجة يا مولاي .
واستدعى الأمير الشيخ من باعه( الصقر)، وهدّده بالويل والثبور إن لم يقل له الحقيقة ، وأمام غضب الأمير، اعترف البائع بالحقيقة قائلاً :
يا مولاي هو( طائرٌ حرّ) ولكننا أخذناه من عشّه فرخاً صغيراً ،ولخوفنا عليه من الموت جوعاً، ولأننا ما كنا نعرف إطعامه ،وضعناه بين فراخ دجاجة لنا، حتى أصبح قادراً على الأكل .
وسأل الأمير عبده :
كيف عرفت ذلك يا عبدي ؟
وأجاب العبد :
من طريقة تناوله للطعام يا مولاي ،( فالحرّ) ينهش طعامه نهشًا، أما هذا الذي بين يديّ، فهو يمسك بطعامه ويجرجره على الأرض لتقطيعه قبل ابتلاعه ، تماماً مثلما يفعل الدجاج .
ومرّة ثانية ظهر الإعجاب بالعبد على وجه الأمير الشيخ ، ومرّة ثانية نادى على مسؤول طعامه وقال له آمراً :
زد في وجبة عبدي هذا رغيفاً آخر .
ومرّت الأيام تتوالى ، وجاء فصل الربيع وكان خيّراً ،ازدهت فيه الأرض وازّينت، وخرج الأمير الشيخ بمضاربه إلى البادية ، ويوماً والأمير الشيخ متكىء في خيمته ، ينظر إلى مباهج الطبيعة مرّة، وإلى قطعانه المنتشرة أمامه وحوله بكثرة مرّة أخرى، خطرت له فكرة لا يدري من أين أتته ، فنادى عبده الذي لم يكن بعيداً عنه ، وسأله قائلاً:
أريدك أن تقول لي هل أنا أمير ابن أمير أم لا ؟
وارتبك العبد ، ارتبك كثيرًا وهو ينظر إلى الأمير الشيخ مرّة، وإلى أمه الجالسة غير بعيد عنه مرّة، ثم قال معتذراً :
أرجوك أن تعفيني من الإجابة يا مولاي .
قال الأمير الشيخ حاسماً الأمر :
لا لن أعفيك ، وسأمهلك ثلاثة أيام للإجابة عن سؤالي .
قال العبد :
إن كنت مصرّاً هكذا فالأمر لا يحتاج إلى ثلاثة أيام،أعطني الأمان وسأجيبك الآن يامولاي .
قال الأمير الشيخ :
قل وأجب وأنت آمن .
قال العبد :
أنت ابن فرّان ( خبّاز ) ولست ابن أمير يا مولاي .
واضطرب الأمير وبان عليه الغضب والتأثر كثيراً، ولكنه تمالك نفسه ، ونادى أمّه التي كانت جالسةً في طرف الخيمة، وقال لها راجياً و حازماً في الوقت نفسه :
أريدك أن تقولى لي الحقيقة يا أمي ، هل أنا ابن أبي الأمير الشيخ أم لا؟ فعبدي هذا يقول غير ذلك ،وهو عبد مجرّب ولا يكذب .
اضطربت الأم قليلاً ، ثم تماسكت واعترفت قائلة:
إن كنت أستطيع إخفاء الأمر عنك ، فلا أستطيع إخفاءه عن الله ، وهذا أمر أثقل كاهلي، وسأعترف أمامك لأرتاح ، فالحقيقة ياولدي هي أن زوجي، والدك المزعوم، شيخ القبيلة وأميرها قبلك كان عقيماً ، وخفت أن نفقد الثروة والجاه معاً، فاغتنمت فرصة غيابه يوماً، وراودت الخبّاز الذي كان يأتينا ليخبز لنا عن نفسه ، وكان ما كان،وكانت المرّة الوحيدة ، وكان أن جئت أنت ، وهكذا استمرّت الإمارة والمشيخة فينا وبأيدينا.
التفت الأمير إلى عبده وسأله :
كيف عرفت الحقيقة يا عبدي ؟
أجاب العبد:
من أعطياتك ومكافآتك يا مولاي ، فكل ما أردت مكافأتي تعطيني رغيفاً من الخبز ، وهذه أعطية خبّاز وليست أعطية أمير .
========
الحمار قائداً
وهكذا وفي تلك الواحة التقت القافلتان، وسرعان ما أنزل الحمالون والعبيد الأحمال ، ومدّ الخدم البسط والسجّاد ووضعوا الوسائد، ليرتاح التجار والفرسان حماة القافلتين،بعدما وضعوا حرّاساً حول المكان ، أما دوابّ الحمل والنقل فقد سرّحت لتتحرّك وترتاح على هواها في المكان، وتحت نظر الحراس ومراقبتهم .
وفي طرف من الواحة التقى بغل وجمل، وراحا يتحدّثان فيبثّ أحدهما همومه للآخر ، ومعروف أن البغل يكنّى بـ ( أبو فهيم ) لأن والده حمار، وأن الجمل يكنّى بـ (أبو صابر ) لأنه صبور جدّاً .
وراحا أثناء حديثهما يسألان عن أحوال بعضهما بعضا، وسرعان ما قال البغل محتجّا :
لست بحالة حسنة يا صاحبي أبا صابر ، لست بحالة حسنة أبداً .
سأل الجمل :
ومم تشكو يا صاحبي ؟
قال البغل:
من صاحبي ومالكي ، فهو لا يترك لي وقتا أرتاح فيه، بل ولا يرعاني الرعاية الجيّدة .
ـ وكيف ذلك ؟
قال : يحمّلني كيساً في الذهاب وكيساً في الإياب، والأكياس ثقيلة كما تعلم ،وهو لايسقيني ماء غير مرّتين في اليوم، ولا يطعمني غير مرّة واحدة ، وكل بضعة أشهر يدقّ في أسفل حوافري صفائح حديدية ثقيلة ، فكيف أكون مرتاحاً بعد كل هذا ؟
قال البغل هذا ثم سأل الجمل :
وأنت كيف هي حالك يا صديقي ؟ عساها تكون أفضل من حالي ؟
تنهّد الجمل متحسّراً وقال :
أنت يحمّلونك كيساً واحداً تجده ثقيلاً، وأنا يحمّلونني كيسين وأقول لا بأس،وأنت يسقونك مرّتين في اليوم وأنا يسقونني مرّة واحدة، أقول لايهم،وأنت يطعمونك مرّة في اليوم وأنا يطعمونني مرّة كل ثلاثة أيام أقول ليست مشكلة ، أنت يدقّون في أسفل حوافرك صفائح حديدية لكي لا تحترق حوافرك من السير فوق الرمل الحارق، وأنا أسير حافيا فوقه ولا أبالي ، وتوقّف الجمل عن الكلام قليلاً ، ونفرت الدموع من عينيه وهو يضيف : الشيء الوحيد الذي يحرق قلبي ويكاد يقتلني ، هو أنهم يجعلون حماراً يقودني .
========
( إذا كان هذا وكيلك ، فـ(....) هذا سيفلح لك)
تقول الحكاية :
إنّ ديكاً خرج من خمّه صباحاً في يوم ربيعي جميل ،وسار مبتعداً باتجاه الجبل، وأثناء سيره مرّ بجانب كلب مستلق بجانب الطريق، فسأله الكلب :
إلى أين أنت ذاهب أيها الديك ؟
أجاب الديك :
سأقوم بنزهة بين وديان ذلك الجبل الذي تراه غير بعيد عنا ، فالدنيا ربيع ، والنسيم عليل ، والأرض خضراء، إنه يوم مناسب للنزهات تماماً .
سأل الكلب :
وهل تقبل بمرافقتي لك ؟
أجاب الديك :
بكل سرور ومحبّة .
وهكذا سار الديك والكلب معاً،وراحا يتجوّلان على هواهما فوق سفح الجبل وفي وديانه ،وهما يشمّان عطور الزهور المتفتّحة حديثاً ، ويستمتعان وينتعشان بالنسمات الربيعية العليلة التي كانت تهبّ عليهما بين الوقت والآخر، حتى مضى النهار أو كاد، وبدأ الليل ينشر رداءه الأسود دون أن يشعرا بمرور الوقت لشدّة سعادتهما وسرورهما .
وحين انتبه الديك إلى أن النهار قد مضى ولم يعد لديه وقت للعودة إلى البيت باكراً ، أسرع إلى أقرب شجرة وقفز إليها واستوى على غصن عال من أغصانها، ثم قال للكلب :
لا تؤاخذني يا صديقي، فسأقضي ليلي هنا، لأننا معشر الديوك نصاب بالعشَى الليلي، أي أننا لانرى ليلاً،ولأنّ النوم على الأرض في هذا الوادي سيجعلني فريسة سهلة للثعالب وأبناء آوى ، فهي كثيرة في الجبال .
فكّر الكلب قليلاً ثم قال :وأنا يا صديقي لن أتركك هنا وحيداً ، هذا ليس من شروط الصداقة ، لذا سأنام بجانب تلك الصخرة القريبة، وإن احتجت لشىء فنادني وستراني بجانبك .
وبسرعة نام الصديقان، فقد كانا متعبين من كثرة اللعب وشدّة الجري طوال نهارهما كله ،ولم يفق الديك إلا عند الفجر كعادة الديوك كلها ، والتي تفيق وتصيح ( كو كو ... كو كو ... ) وهكذا راح ديكنا في ذلك الوادي الجبلي يصيح أيضاً ( كو كو ... كو كو ... ) فهي عادة متأصّلة في الديوك منذ الديك الأول ، وهي تصيح صياحها هذا ثلاث مرّات متتاليات ، قبيل الفجر ووقته وبعده بقليل .
وهكذا صاح ديكنا صيحته الأولى دون أن يحسب حساب تواجد الثعالب وأبناء آوى في المكان ، فهذه عادة الديوك كما قلنا ، وهي لا تستطيع خلاصا منها تحت أي ظرف كان .
وعندما صاح ديكنا صيحته الأولى كما قلنا، سمعه ثعلب كان ينام غير بعيد عن المكان ،فقفز قفزة قبل أن يفتح عينيه، وراح ينصت بانتباه شديد وهو بين المصدّق وغير المصدّق ماسمعه، ولكنه وبعدما صحا من النوم تماما قال لنفسه " ماذا يفعل ديك في هذا الوادي الجبلي ؟ إنّ ماسمعته ليس غير حلم تراءى لي !
وهكذا تمدّد الثعلب ونام ناسياً أمر الديك ولحمه اللذيذ، ولكنه ماكاد يدخل عالم النوم ، حتى صاح ديكنا صيحته الثانية ، والتي ما إن سمعها الثعلب نفسه حتى هبّ قافزاً وهو يقول لنفسه:
لا ، لا هذا ليس حلماً، هناك ديك في المكان .
وجلس الثعلب يصغي منتبهاً دون أن يسمع صوتاً أو حركة ، وبعدما طال عليه الوقت قال لنفسه " من المؤكد أني كنت أحلم ، فليس من ديك هنا " ،وأراد الثعلب أن ينام ولكن حرصه الشديد دفعه لأن يقول لنفسه " لا لن أنام وسأظل متيقظاً حتى الصباح ، فلعلي اسمع الديك إن كان موجوداً ، فالديوك تصيح صيحات ثلاثاً ، وهذا الديك صاح مرّتين ، وإن كان وجوده حقيقياً فسيصيح مرّة أخرى ، وحينها سأعثر عليه وأفترسه " .
وهكذا ظل الثعلب جالساً متيقّظاً ، حتى صاح ديكنا صيحته الثالثة، وكان الضوء قد بدأ يخترق عباءة الليل ، وبدأت الأشياء تتضح رويداً رويداً ، لذا حين سمع الثعلب صيحة الديك الثالثة ، استطاع أن يحدد مكانه بسهولة ، فأسرع إليه ، وحين رآه فوق الشجرة ، سلم عليه بالملك قائلاً: السلام عليكم يا( آغا) جعل الله صباحكم خيراً وبركة .
ردّ الديك :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، وجعل الله صباحاتك كلها خيراً .
سأل الثعلب :
ماذا جئتم تفعلون هنا يا آغا ؟
ردّ الديك :
جئت أبحث عن فلاحين ليفلحوا لي أرضي هذه الواسعة ، ألستُ آغا كما تقول ؟
قال الثعلب :
على من تريد وقعت ؛ فأنا فلاح ابن فلاح ابن فلاح ، فانزل لنتّفق على أجرة العمل .
قال الديك : لست بحاجة لنزولي ، ودونك وكيلي خلف الصخرة تلك ، فاذهب إليه واتفق معه على كل شيء .
وفرح الثعلب وظن أنه قد وقع على صيد ثمين ، فوكيل الديك سيكون ديكاً مثله ، وبهذا سيحصل على ديكين بدلا من واحد ، ولهذا أسرع وقفز خلف الصخرة ليفاجيء الديك الوكيل ، ولكنه فوجىء بالوقوع فوق كلب ضخم أرعبه حجمه، فقام وولى فارّا بأقصى سرعة يستطيعها ، ولكن الكلب لم يدعه يهرب ، بل لحق به سريعاً ليمسك به ويعطيه درساً قاسياً .
وهكذا راح الثعلب يهرب والكلب يلاحقه أينما هرب، حتى لم يعد يدري إلى أين سيهرب لينقذ جلده، ومن شدّة خوفه راح يدور ويهرب على غير هدى، وهذا ماجعله يمرّ من تحت الشجرة التي فوقها الديك ، والذي ما إن رآه يهرب خائفاً مرعوباً حتى ناداه ساخراً :
هيه أيها الفلاح ،إلى أين تجري ؟ هل اتّفقت مع وكيلي على العمل عندي ؟
التفت الثعلب إلى الديك وهو لايزال يجري وقال له :
( إذا كان هذا الوكيل وكيلك ! فـ( .....) هذا سيفلح لك ).
وإلى اللقاء في الحلقة الثانية ...
8/7/2005 عبدو محمد
عبدو محمد في سطور

ولد في منطقة عفرين عام 1946
تلقى تعليمه في عفرين و تخرج في كلية الآداب ( قسم الجغرافيا ) من جامعة دمشق
عمل مدرسافي ثانويات حلب ، ثم موجهاً اختصاصياً لمادة الجغرافيا في محافظة حلب
شغل منصب أميناً للسر في فرع اتحاد الكتاب العرب بحلب، وأصبح رئيساً للفرع
حصل على جائزة قصة الطفل التي اقامتها وزارة الثقافة في سوريا عام 1971
نال جائزة دار الفكر للقصة القصيرة عام 1998
صدر له : الوشاح الأزرق - دمشق عام 1975 و فارس عين جالوت - دمشق عام 1979 و البلبل الشجاع - دمشق عام 1980 و الكتاب الأصفر - دمشق عام 1983 و هولاكو في بغداد عام 1984 و نابليون في القاهرة عام 1984 و عيون ترقب الأرض عام 1992 - العم مصطفى وحكايات من قريتي عام 1992 والوعل المغرور عام 1995 - الأصدقاء عام 1999
المراجع : كتاب أعضاء اتحاد الكتاب العرب - دمشق 1995