* مواويلُ عِشْق ٍ وهيام *

صلاح الدين عيسى

 

 ما مِنْ بُدٍّ في أن أكثرنا يود لو يحظى من الآخرين بقسط من العطف والاهتمام والاحترام،وكلنا يرغب في أن يوجه له شكر و ثناء يشعرانه بالزهو يشتد عزماً ويربط جأشاً ويندفع تلقائياً لسلوكيات خيرة،يستزيد منها استحساناً يأمله من وسط في حياض رياحينه ترسخ جذوره.

    قد تختلس الفضائيات أوقاتنا أو يدفعنا تكاثر المبتكرات وتزاحمها انبهار الأبصار وولع القلوب بها أن نسهو عن إهداء الآخرين بعضاً من جمالية القول والمعاملة،فهل يذكر أحدنا ولأيام مضت،كم من البشر أسعدهم جميلُ كلامه أو حسن فعاله ..؟.

أصبحنا وفي برهة وجيزة ، أناساً تغلف المادة أدمغتنا، أحدنا ـ كحجر الرحى ـ يبحث عن ذات مفقودة في زحمة الأيام ،وآخر عن كسرة خبز يسد بها الرمق،وثالث يلهث في جمع الثروة وارتقاء المنصب ورابع يتشبث بكرسي صاحب الجلالة واهباً ما غلا أو رخص من مال ومتاع أو من كرامة،وخامس يبحر في عالم اللهو والملذات،يقتنص المزيد مما يبهج الأنفس ويغذي الأبدان،وأجمعنا يتسول ما يهدئ اختلاج القلوب،مفتشاً عما يملأ فراغاً هي الروح فيه .

من البرِّ تقاسم عناقيد الفرح والمسرة مع الخلان والأقران،فما من حبور أو من هناء مطلقين،ما لم ترفرف بيض الحمائم على كل وهاد الوطن وتلاله وشطآنه،ما لم ينشد أبناؤه أجمعهم، مواويل حب وعشق وهيام .

وكما أن الرقي،لن تصيبه الأسرة،إن لم تنم في جنباتها شجيرات الألفة والوئام،ا لم يكن التعاضد والتراحم سمات تزين أجبنة الأبناء والأبوين على حد سواء،فإنه ما من وطن حر،ما لم تشرق الشمس فيه على جميع أطياف وألوان البشر،وأما الرفعة،فلن تكون،إنْ في الوطن حورب الفرد في عيشه وفكره ومعتقده .

لا من صلاح في الحياة إن لم نعزف أجمعنا على أوتار الحب،فلا من بهجة تكتمل أو من فرح يعم،ما لم نخلد سوادنا إلى فيئ ذواتنا الشتيتة، نسْكنُ المحبة في سويداء القلوب،نُبَدِّلُ القبحَ جمالاً والعهر عفافاً والمذلةَ عزاً وشموخاً وإباء.  

* الأديبُ وصَنْعَة ُ الكتابة *

   أن يعيش المرء شُحَّ الفكر والحلم والأمنيات،أن يصبح جل تفكيره وكل إبداعه،محصوراً في اقتناص لقمةٍ يُنجدُ بها جسداً منهكاً وقلباً حطمتهُ النوائب،فذاك ما يحدُّ من تطلعات أي مجتمع لأي سموٍّ ينشدهُ،فما من أمةٍ تصيب حظوظاً في الرقي والرفعة ما لم ينزاح عن أبنائها ثالوث الصمت والاتكالية واللامبالاة وثالوث المرض والجهل والفاقة.

   بالنسبة للأديب،لا تقل الكتابة أهمية عن الماء والهواء،هي إكسير،يمنحه الرغبة في العيش والبذل والمنح،أو متنفسُ يطرح من خلاله سموماً تستوطن أعطاف النفس ، فإن كُبِّلَتْ أو شُلَّتْ يداه أو أحجم فكرهُ أوجُزَّ لسانه،تحولَ إلى جثة هامدة ، محاطاً بضروب من العزلة والحيرة والكآبة والإحباط.

مُلزمٌ الكاتب في مجتمعات الصمت،  أن يعمل في الصباغة،ملوناً بالبياض فساداً وظلماً وبطالة،يلبس الانحلال الخلقي ثوب الفضيلة،مباركاً كل فتحٍ للفضائيات الماجنة في تبديل الأفكارِ والرؤى،مُلزمٌ هو ،مجاراة العلمانية والتعصب الديني،مباركاً ثراء فاحشاً ـ ولو على إفقار المواطن ـ يصيبه التاجر،متوسلاً إياه ،رُوَيْداً ورحمة بالفقير،متسولاً في أروقة الساسة وفي دهاليز العتمة، أثيراً مشبعاً برغد العيش.

في الكتب وحدها نلتقي بكتاب،التزموا قضايا الخلق فسخروا الأقلام والنفس،امتشقوا حسام الحق،منددين إن ألفَوْا خرقاً أو انتهاكاً للحقوق،أو عَلَتِ البسمة جباههم، إنِ الْتُزِمَ في أداء الواجبات فنعِمَ الشعب بالأمن والاستقرار. في الكتب وحدها نستشفُّ الفضيلة والعفة والصدق،فيها نحلقُ في فضاءات حبٍّ سامٍ منزَّهٍ ،يرقى بالأنفسِ  وينأى بها عما يسمى حباً يغزو حيوات الأبناء في  زمن مشبع بكل ألوان التناقض والزيف.

الكاتب لا يمتلكُ الحق في أن يكتب ما شاء له الهوى، كونه محاصراً بسهام القريب دون البعيد. الرد قاسٍ والضربة موجعةٌ لثريٍّ يرى الكاتب مترصدا ًله في حِلِّهِ وتَرْحالهِ ،والبتة لن يروق للسياسيِّ ما يُسَطِّرُهُ يراع الكاتب،بينما ذاته ـ أي السياسي ـ وأملاً في ذرِّ الغبار على الأعين والأنفس،يَجْهَدُ في تصَنُّعِ الطهر والنقاء،لن يُهادنَ الكاتبَ أبداً مَنْ ـ وباسم الدين ـ يزهق الأرواح ولا من نجدةٍ،تُغيثُ مثقفاً في مجتمعات لا  تصفق إلا للأقوياء .

  أحياناً يصيب الكاتب وهَنٌ،فيرى الحياة مسرحية، يرسم ذاته معالم  شخوصها فيمنحهم ما شاء من سلوكيات وأخلاقيات،وغالباً ما يهجر أوراقه وأفكاره،ليعيش في غفوةٍ يرى الأُفولَ متربصاً به من كل حدبٍ وصوب،لكنه كالوليد متشبثاً بأحضان أمه وكالأطيار في حنينها للأوكار،يفاجئنا،وعلى حين غرةٍ،بأنه لا يتقن شيئا خلا الكتابة،وأنه لن يتذوق للحياة طعماً،مالم يخطَّ يراعه ما يمنح الكون نفحات جمالية،تزيح عن كاهل الإنسان انتقاصاً للرغبة في عيشٍ كريمٍ وغدٍ مشرقٍ يحملُ في ثناياهُ تباشيرَ البهجة والفرح .              

" مَنْ عَلَّمَني حرفاً كنتُ لهُ عبداً "

  الاحترام من الحُرْمَةِ...لا انتهاكٌ لذمةٍ أو حقٍّ أو صٌحبةٍ. ذاك اللفظ الجميل،كالقطع النادر،نكاد نفتقده اليوم مجسداً في تعاملنا مع الآخرين.ولأنَّ تراكماً وتبدلاً سريعاً في الأحداث والأفكار نلحظه،ومع نشوء ظواهر جديدة وتكوين رؤىً ومفاهيم لم تكن مألوفة،أصبحنا نظنُّ أنفسنا ـ جيل الكبار ـ غرباء على حياةٍ تفاجئنا كل يوم بجديدٍ،فنستسلم لشريط من الذكريات،نُمَتِّعُ الأنظار بمشهد رومانسي اكتنف ما أفُلَ من ماضٍ ،كنا نحاول ـ جهدنا ـ التأدب في حضرة المعلم،فإن فوجئنا به في أزقة الحارة،طأطأنا الرأس أو أنّا غيرنا في وجهة طريقنا. لم تك البتة، عصا المعلم،مَنْ تًلْزِمُنا احترامه أو تبجيله،إنما جملة من المثل والقيم والمبادئ استوطنت أغوارنا.كنا نجسد على أرض الواقع،ما نُلَقَّنُ بهِ من حكم وأقوال مأثورة " قم للمعلم وفه التبجيلا،العلم أنفع من المال،إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ،من علمني حرفاً "،وعلى الرغم من أنَّ أكثرنا كان يصارع مسالكَ العيشِ الوعرة،أو كانت البساطةٍ في المسكن والملبس والمأكلِ والتعامل،غيومٌ ظللت آفاقنا،فإن قلوبنا،قد زينتها لآلئ صدقٍ وجُمِّلَتِ منا الأنفسُ بيواقيت من زمردٍ ومرجان.

ومع تسارع وتيرة الزمن وإتحاف الحياة الإنسانية بكمٍّ هائل من المبتكرات،وإضافة إلى تحسينٍ طرأ على الحياة المعيشية للإنسان،فإن عجلة التغيير قد طالت فضائل،أيَّما جمالية أضفتها على كثير من جنبات الحياة .لم يكُ المعلم إلا واحداً ممن اعتنقوا نمطاً جديداً من أخلاقيات،استُعيضَ النبل فيها والروحانية بزيفٍ هو نتاج المجتمعات المادية،فبينما على كاهله تكتمل مهمة التهذيب والتقويم والتربية،فإننا نراه اليوم وقد خفَّ احترامه للطالب وللعملية التربوية برمتها،فمن عشية لضحاها أصبحَ يُمَجِّدُ الأنا ويسترخصُ ما رُبِّيَ عليهِ من طهرٍ نهلَ من مشاربهِ ،وَهِنَ العقل وأصابتِ الأنفسَ ضروبٌ من المذلة والهوان لمّا سال لعاب أكثر المربين وأبهرهم بريق المال ولمعانه. ما كان المعلم إلا رمزاً للطهر والعفاف لكنه وفي ليلة ظلماء تفتقِدُ البدرَ،انقلبت الآية فأصبحنا نراه أنموذجاً سلبياً أفرزه سلطان المال،انطفأت لديه شموع الرغبة في رفد المجتمع بأجيال تسمو به وترقى،فمِنْ تأخُّرٍ في المنهاج المقرر إلى غياباتٍ مكررة إلى تلميح أو ترويج ـ وعلانية ـ لدروسٍ خصوصية،تُنْجِدُ النشء من تقصيرٍ ذاته قد تعمدهُ،سلوكياتٌ يتسم بها كثير ممن تُعَوِّلُ المجتمعات عليهم لحاقاً بركب التنمية والتحديث.أصبحنا جيل الكبار، نترحم على زُهُوِّ ماضٍ زركشتهُ الأفئدة بكل ألوان المحبة.وهل من حيلة لدينا خلا وقوفنا على الأطلال،نتجرع  كؤوسَ الخيبة والأسى...!!؟؟.

 تيريج عفرين - 5 / 6 / 2008 / صلاح الدين عيسى ـ 7875830 ـ 0944989574

salah-isa@hotmail.com

==========

 

وعلى نفسها جنت براقش

صلاح الدين عيسى

    قد يألف المرء أناساً فيُسرَّ لمرآهم أو امرأةً يعزُّ عليه فراقها،أو يألف منزلاً تجمعه ذكريات فيه،أو مقهىً وحديقة يتردد إليهما مراراً،الألفة تعني:الصداقة والمؤانسة والاجتماع والالتئام،هي أحاسيس ومشاعر سكنتِ النفس بعد أن أمضيت ردحاً من الزمن في دارٍ مضى على بنائها أكثر من قرن،سكنتها من قبلي عوائل هجرتها إلى المدينة بعد أن اشتد العود في أبنائها وأحفادها.

  كانت جدران الغرفة التي خصصت لسكناي ملبسة بالطين مدهونة بالجبس وسماكتها قد زادت عن نصف متر،أما سقف الغرفة،فقد ظهرت فيه أعمدة متوازية،يعلوها حصرٌ فُرِشت بكميات كبيرة من التراب،أخرجُ كلما هطل الغيث إلى سطح الدار،فأُدَحرِجَ الدولاب الحجري كي يتماسك التراب،فيمنع من تسرب الماء داخل الغرفة .

   تلك الجدران الطينية وذاك السقف وكل ثنايا الدار والغرفة التي أشغلها،استوطنتها كائنات،رغم اختلاف أنواعها وأحجامها،لكنها جميعاً قد رحبت بشخصي،فأبت إلا مقاسمتي أو منازعتي الزاد ، عندما أبدأ طعامي الذي اختصرته لوجبتين في اليوم وعيناي مثبتتان على التلفاز، أتابع خبراً مصوراً أو أغنية أو مسلسلاً درامياً،يفاجئني الجرذ بخروجه إلى سطح التلفاز منتصباً على قائميه الخلفيين مصوباً إليَّ عينين دائريتين تتوضعان في مقدمة رأس صغير ملتصق بجسد يزيده طولاً واتساعاً،وقائماه الأماميان،قد أرخاهما،وكأني به في هيئته تلك،يود استبيان ردة فعلي إزاء ظهوره المفاجئ،لكني وما أن أفغر فاهي وأكف عن تفتيت اللقمة وأنا من الدهشة في أشدها من كائن لم ينبئني أحد مبعث زيارته،ولم أعلم مسبقاً أمكنة تواجده،فما أن أحرك من جسدي ،حتى أراه يسارع الاختباء في ثغرة  أحدثها في واحد من جدران الغرفة.

ونظراً لأن زواري ثقيلي الدم،يجهلون أوقات راحتي،فقد كنت أعتمد الأسرة للنوم أو الجلوس دون فرش للأرض بالبسط التي كنت ألحظ كثيراً من العناكب تتخذها مخابئ لها،أما الفئران فكنت أحسد فيها سرعتها وتسلقها للجدران والأعمدة،فحينما تتجول في سقف الغرفة وتُسقِطُ بعضاً من ترابٍ على محتوياتها،أتعمد إخافتها بإحداث جلبة،لأنعم ببعضٍ من الهدوء يُحَفِّزُ لدي الرغبة في متابعة الكتابة.

   هل من أخطار تهددني بمجاورتي لتلك المخلوقات الجائعة دائماً..؟؟،بالطبع لا، فكلها قد توحدت في الرأي واجتمعت كلمةً،أن ترفع الأبيض من الرايات،وليس أدل مثالاً،تلك الأفعى،رمادية اللون،حيث يؤكد القرويون خطورتها،فحينما كنت أطهو الطعام،يتناهى إلى مسامعي أصوات مصدرها السقف،أراها تكوِّر من نفسها،ترخي النصف الأمامي من جسدها نحو البخار المنبعث من القِدْرِ الذي يمتلئ لنصفه ببعض من الخضار،ترخيه وتسحبه نحو الأعلى في حركة متسارعة،وحينما أُلوح لها بالعصا،تختفي في ثنايا السقف،فيدهشني انصياعها لأوامري وامتناعها عن الحركة في المكان الذي تختبئ فيه.

كنت وتلك الكائنات في سلام،ربما لأني أزيدها حجماً،فتمتنع عن مهاجمتي،أو لأنها تدرك اختلافاً في الخلق والتكوين والفصيلة،فترفض أن تطبق بحقي أي من المواد التي نصت عليها شريعة الغاب،لكني ولسنوات خلت،شهدت حروباً شعواء دارت فيما بينها،فلمرة أدهشتني السرعة في صرصار يذرع أرض الغرفة وتلاشى استغرابي،حينما وجدت حرباء تلحقه،فتمد بلسان طويل،تمسك به وتدخله من ثم في جوفها. كنت حينما أفتقد الفئران في غرفتي،أتيقن خروج الأفعى من جحرها،وعندما أشاهد الحرابي،متسلقة جدران الغرفة وزواياها،أطمئن لاختفاء الصراصير وباقي الحشرات.

استنجدت بصاحبٍ لي أعدت زوجته قِدراً من البرغل،رششت عليه بعضاً م السموم،ارتديت بعدها الكامل من لباس الميدان،لأبدأ بالفئران معاركاً أُجبرت على خوضها،كانت الجحور كثيرة في جدران الغرفة،إلى حد جعلني أُنهي على القِدر في ملئها بالبرغل وسدها بالطين الممزوج بالإسمنت.

حصيلة اليوم الأول من المعارك كانت تأوهات مبعثها الجدران التي كنت أسترق السمع إليها فعرفت منها سيارات الإسعاف تنقل الجرحى أو هي عربات دفن الموتى لست أدري،ونظراً للتعاطف الذي أبداه لي بعض القرويين،فإن أحدهم قد تبرع بفخٍّ صُنع خصيصاً لاصطياد الأرانب وسواها من الحيوانات التي تغير على منتجات الكروم والبساتين،فبعد أن تبينت الشقوق التي منها تخرج الجرذان للغزو،كنت أضع قليلاً من اللحم في إبرة الفخ،فأخرج لسويعات من الدار،لأعود وقد أطبق الفخ على نفسه،واللحم قد أكله الجرذ ومضى في حال سبيله،كررت المحاولة لأترقب الأحداث عن قرب،ألفيت جرذاً،شدته رائحة اللحم،فخرج من جحره،لكنه من الذكاء،بحيث لم يندفع من فوره نحو الطعم،بل كان يكرر الدفع بقائميه الأماميين للمس قطعة اللحم وسحبهما سريعاً نحو الوراء إلى أن أطبق الفخ على نفسه من جديد واندفع صاحبنا إلى الوليمة بعد الإحساس بزوال الخطر.

اعترفت بهزيمتي أمام الجرذ،وأخذت أعد العدة لمعركة سأخوضها لاحقاً مع الأفعى التي حذرني الفلاحون من شدة خطورتها وضرورة التخلص منها بعد أن أسدوا إلي كثيراً من النصائح ومن أهمها:طرد الحمام الذي تكاثرت بيوضه وفراخه في الجدران الخارجية للمنزل.

عملت بالنصيحة وأعددت من ثم وجبة من بيض مسلوق،رششت عليه بعضاً من السموم،أفرغت البيض بعد تقسيمه في وعاء وضعته في مكان من الغرفة ،يُمَكِّنُ الأفعى من شمها والإقبال عليها،خرجت لساعة أو أكثر،دون إحكام لإغلاق الباب،ولما عدت،وجدت نفاذ البيض،فشعرت بنشوة النصر لهنيهة لم تدم،حين أنبأني أحد الصبية،بأن كلباً ينازع الموت قد تمدد أسفل الوادي،أحسست حينها بالإثم وأنحيت باللائمة على ذاك المتطفل الذي اقتحم الغرفة عنوة،والتهم وجبة لم تخصص له،هدَّأتُ من نفسي وأسكنتُ من روحي متمتماً :وعلى نفسها جنت براقش .

 

صلاح الدين عيسى / 31 / 3 / 2008

أرضي: 7875830 ـ جوال: 0944989574

==========================

 

دراسة

            " الهند... روحانية في الأدب والفن "

 

 

      ما أن نتطرق إلى الحكمة والزهد وخصب الخيال والعمق في التفكير؛حتى تتبادر الهند إلى أذهاننا،بلاداً،صبغ الدين حياتها الثقافية والاجتماعية بنفحات روحانية . فإن كانت الآداب مرآة،تعكس بجلاء حياة الشعوب على وجه المعمورة،فإن الأدب الهندي، الحافل بالأساطير وقصص الآلهة،والصراع بين الخير والشر،كان صادقاً في تصويره روحانية، منحت الهنود فلسفة خاصة،تعددت في أشكالها وصورها،استُمِدَّتْ من عقائدهم الدينية ومن روحانيتهم التي أضفت الفرادة على حياتهم،وكستها بمسحة من الوقار والحزن،يلمسها المرء على وجوه الناس وفي آدابهم وموسيقاهم ومبانيهم .

كتب الأدب الهندي باللغة السنسكريتية ،وهي الهندية الفصحى التي سُطِّرَت بها الملاحم والكتب المقدسة . تلك الملاحم،كانت تجسيداً للحياة الدينية والاجتماعية للهنود قبل العصر الإسلامي،كانت أساطيراً،شُبِّهت بالألياذة عند اليونان،لكنها تميزت عنها،بأنها لم تنسب لشخص معين ولم تتقيد بوحدة الزمان،إذ أنها نشأت في العهد القديم وطالت حتى اكتملت في نحو ألف سنة .

من الملاحم الهندية العظيمة نذكر:" المهابهاراتا "و" الرامايانا" و" البورانا " ، فالمهابهاراتا، أرَّخت حياة أبناء ملك قبيلة " بهارتا"،وحدثتنا عن انقسام البلاد إلى دولتين:إحداهما بزعامة أولاد بهاراتا ،والثانية بزعامة أبناء أعمامهم،وعما دار من حروب بين الدولتين،بسبب من أطماع أبناء العم في بسط نفوذهم على البلاد كلها. كتبت ملحمة"المهابهاراتا "شعراً وعُدَّت أطول قصيدة شعرية،إذ بلغ عدد أبياتها المئة ألف . " الرامايا " ملحمة تناولت حياة الملك راما والملكة سيتا،الملك في هذه الملحمة يمثل الرجولة في عنفوان قوتها والملكة أنموذج حي للمرأة الهندية الفاضلة . ركزت الملحمة على وفاء الزوجة لزوجها والزوج لزوجته والابن لأبيه والإخوة لأخيهم الأكبر . وأما " البورانا " ـ كتاب الهندوس المقدس ـ فيحتوي على شعائرهم الدينية وتقاليدهم،ويحكي قصصاً عن الآلهة والأبطال .

      في الهند،ارتبطت الدراما المسرحية والرقصات الشعائرية،منذ القدم وحتى منتصف القرن التاسع عشر،ارتباطاً وثيقاً بقصص الآلهة وبالأساطير الدينية،إلى أن دخلت الدراما الحديثة حياة الهنود ، فاستقلت المسرحيات النثرية عن الرقص والموسيقى والدين،وأصبحت تؤدى باللغات المحلية خلافاً للمسرحيات القديمة،التي كان أكثرها مكتوباً باللغة السانسكريتية . في معرض تناولنا للرقص الهندي،لا بد وأن نلفت الانتباه إلى أصالته وروعته،وما يتضمنه من قواعد ومعان يدركها عامة الناس .

حمل الرقص في بدايته طابعاً دينياً،يؤديه الراقصون في المعابد وانتقل من ثم إلى المسارح والحفلات. يتميز الرقص عند الهنود بحركات اليدين والجفون والحواجب والعيون،كلٌّ منها له حركات عديدة،ولكل حركة مغزى معين.تخطى الرقص الهندي أسوار المعابد والمسارح والحفلات،فألفينا رقصاً شعبياً في مناسبات زراعية مثل : بذر الحبوب ومواسم الحصاد إذ يشترك في ذاك الرقص نساء القرية ورجالها،يقفون صفاً متماسكين،متمايلين،كتمايل سيقان الزروع،أو يحدث أن يقف الرجال في صف والنساء في صف مقابل،يقترب الصفان ويبتعدان عل أنغام الموسيقى،وقد يبلغ الحماس بالراقصين من الجنسين،أن يلقوا بأنفسهم أرضاً متدحرجين،وكلهم اعتقاد بأن الرقص في حالته تلك،إنما يبهج المحصول ويزيد في الإنتاج .

وأما الموسيقا الهندية فأفضل ما توصف به،أنها موسيقا الوجدان والحواس والعواطف،هي صوت الطبيعة وكائناتها،من غناء العصافير وشدو البلابل،إلى هدير الماء في السيول المنحدرة من الجبال إلى عصف الرياح وزئيرها،وحفيف أوراق الأشجار في تناسق لا يدركه حق الإدراك إلا الهنود أنفسهم .

 والفن الهندي في البناء،بلغ بدوره درجة عالية من الإتقان والبراعة والإعجاز،وخير ما يؤكد ذلك،أعجوبة العجائب" تاج محل "و " المسجد الجامع " في مدينة دلهي وكذلك الفن التشكيلي، قدم نماذج رائعة،ذاع صيتها في أنحاء الكون،تماثيل للآلهة والحيوانات ونقوش باهرة،أكثرها يعود لأقدم العصور،مستمدةً من حياة الإله" كريشنا" ورفيقته " رادها " ومن قصة الملك " راما"والملكة "سيتا" ومن قصة الأميرة" سافتري" .

 الشعر الهندي،وإن لم نستطرد في الحديث عنه،فذلك لا يعني التقليل من شأنه،فللشعر كما للرقص والموسيقى،مكانة مرموقة عند الهنود،فبالشعر كتبوا ملاحمهم وعلى تراب الهند نشأ وترعرع كبار الشعراء الذين منهم من خلت أشعارهم من الحس الوطني فغلبت عليه الصفة الدينية. من أهم رواد الحركة الشعرية عند قدماء الهنود،الشاعر" كبير" الذي اهتم بالتوفيق في العقيدة بين الهندوسية والإسلام .

 ومما قاله " كبير " على لسان الإله :"عبدي،إلى أين تذهب باحثاً عني،وأنا في جوارك .لست في معبد ولا في جامع،ولست في شعائر ولا في مواكب . إن كنت حقاً تطلبني وتهوى لقائي،فانظر،فإنك ستراني " فيض من المشاعر الوطنية تميز بها الأدب الهندي في عصرنا الحديث،جسدت في كتابات الأدباء.ففي قصيدته " السيل "،حدثنا الشاعر " نيرالا " عن الوطنية الجارفة: أيها السيل العرم،يا من لا تصده قوة على وجه الأرض،أنت اليوم تكتسح كل ما يعترضك من عقبات،وأنت اليوم تحرر الروح الثائرة " .

 وممن لمع نجمه من كتاب الهند وشعرائها،"رابندارانات تاجور"الذي ولد في كلكتا عام 1861م وتوفي سنة 1941م.كتب" تاجور" أوائل قصائده بالبنغالية،لغة موطنه،ومن أهمها:أناشيد " جيتانجالي "التي نال من أجلها،جائزة نوبل لعام 1913م .تميز شعره بحب كبير للإله:

 " أحقاً أنك،وأنت ملك الملوك،قد نشرت كل هذا الجمال والبهاء لكي تأسر قلبي وحنايا وجداني".

جمع"تاجور" في شعره بين القديم والحديث،بين أفكار الشرق والغرب،وكانت أشهر قصائده " نايفيديا " التي كتبها عام 1901م،انطوت على معرفة عميقة بالله وعطفه البالغ وسعة رحمته بالعباد.لتاجور مؤلفات كثيرة،بعضها نثر وبعضها شعر،وقد ترجمت أعماله إلى معظم اللغات  الحية ، وأدرج اسمه بين أعلام أدباء العالم وأوسعهم ثقافة . 

                   المصادر :

                     ـ تاريخ الهند الثقافي ، تأليف " رولنسون "

                     ـ الهند :تأليف "عزت فهيم صالح"

               صلاح الدين عيسى

  أرضي: 7875830 ، جوال: 0944989574

=====================

 

دراسة

 

  " المخدراتْ ، عالمٌ لا متناهٍ منَ الجنونْ "

 كرم الله ـ عز وجل ـ ابن آدم،أبدع في خلقه وتكوينه،فضله على الكائنات حينما وهبه نعمة العقل،وزاد على ذلك بأن جعله خليفة لجلالته على كوكب الأرض،كي يتولى إعمارها بالمحبة والتسامح والشكر لخالقٍ كريم ٍمعطاء .

 الصلاح والطلاح،يُسْتَدَلُّ عليهما،مقدارُ إيمان المرء وانصياعه كلياً لمشيئة خالق السماوات والأرض،وكونه ـ جل شأنه ـ رحيم بالإنسان؛فإنه أدرى بالسبل التي تنجيه من المهالك . فلم يكن الهدف من إرسال الرسل والأنبياء،إلا تذكيرٌ للناس بسلوكِ طرقٍ توطد أواصر القربى بين العبد وربه,وما الكون وأسراره،إلا دعوة للتأمل،وحتمية للإيمان بوجود عظيمٍ، عليمٍ،جبارٍ،يسيِّرُ أموره .

    قبل التطرق إلى موضوع المخدرات لا بدَّ مِنْ تعريف المخدر،هو في اللغة:"مشتق من الخدر،والخدر هو الضعف والكسل والفتور والاسترخاء،عرفه الفقهاء بأنه ما غيَّبَ العقل والحواس من غير نشوة ولا طرب " .

        يُقدِمُ الكثير من الناس في معظم دول العالم المتخلف والمتحضر على حد سواء،إلى ولوج عالم المخدرات لقناعات شخصية ودوافع وأسباب نذكر من أهمها:ضعف الوازع الديني وعدم اللجوء إلى الله في الشدائد،ذلك أن المتديِّن بعيد جداً عن الاعتياد،إذ لا يمكن ليده أن تمتد إلى المخدر،لا بيعاً ولا تداولاً ولا تهريباً،لأنه يدرك تماماً أن طريق المخدرات، هو طريق الشيطان،ويعلم بأن طريق الرحمن لا يمكن أن يلتقي بطريق الشيطان،ومن الأسباب أيضاً،الفقر والبطالة والجهل وسوء التربية ومصاحبة أصدقاء السوء أو الهرب من مشاكل عاطفية،أو لزيادة القدرة الجنسية أو بهدف التجربة،أو لانتشار الأفلام الهابطة التي تروج للمخدرات،أو لتقليد أعمى وفقر يعيشه المراهقون،يُلْجِئُهُمْ للبحث عمن يمنحهم ويغنيهم؛فيتلقفهم أرباب الفساد وتجار الرذيلة،دون علم بمدى الشناعة التي يرتكبونها بحق أنفسهم وذويهم ومجتمعاتهم،وحينما يبرز دور المجتمع في تقييم ذلك،فإنه يتوجب التمييز بين المدمن والمتعاطي،فالمدمن يستحق الشفقة لفقدانه السيطرة على نفسه،كون المادة المخدرة قد سلبته إرادته،فيتحتم علاجه،أما المتعاطي،فإن خطره أشد على المجتمع، وعقابه واجب لأنه يعلم تماماً،ما تحدثها المخدرات من سلبيات تقوض من بنيان المجتمع ، ورغماً عن ذلك؛فإنه يدفع بأكبر عدد من الناس إلى مصيدة المخدرات .

   لمحة عن تاريخ الأفيون

        يعتبر الأفيون من أقدم المواد المخدرة التي عرفتها الإنسانية،ومن المحتمل أن الأقوام التي كانت تقطن بلاد ما بين النهرين ( ميزوبوتاميا )،هم من أوائل من زرع نبات الخشخاش لخواصه المسكنة والمنومة،وربما سبقوا غيرهم في التنبه لتأثيراته الأخرى،فقد كان السومريون يطلقون عليه اسم ( بوبي ) وتعني نبات السعادة،وقد عثر البحاثة الأثريون على ألواح فخارية من مخلفات هؤلاء قدر أنها تعود لستة آلاف سنة،كتبت على هذه الألواح عبارات تصف طرق زراعة النبات المشار إليه،وكيفية تحضير أفيونه ولا تختلف تلك الطرق من حيث المبدأ عن الأساليب المتبعة في وقتنا الحالي،وأما الآشوريون والفرس والفراعنة والإغريق فقد استعملوا الأفيون كعلاج لعدد من الأمراض،ويستدل على ذلك من أوراق البردى التي يرجع تاريخها لحوالي ( 1550ق.م ) .

 اشتقت كلمة أفيون ( أوبيوم ) من كلمة( أوبيون ) اليونانية،وتعني العصير،وهناك ما يشير إلى أن الطبيب الإغري&