عفرين .. بوّابتي إلى العالم
(الحلقة الثلاثون والأخيرة)
سِفْر العبور إلى العالم الأرحب!
1 – جغرافيا التكوين.
حلب العريقة عاصمة الشمال السوري.
اِلقِ نظرة على قلعتها المهيبة العتيدة.
ثم انطلقْ شمالاً وغرباً نحو الحدود التركية.
اعبرْ سهول عَزاز الفسيحة الخصيبة.
هناك تتراءى لك عِفْرِين الوديعة الجميلة.
عفرين السهل والجبل.. والنهر والشجر.
عفرين اسم جامع مانع.
يُطلَق على المنطقة والنهر ومدينة المركز.
ولاسم عفرين جذور تاريخية عريقة جداً.
عفرين في الأصل تعريب لكلمة (آبْ رَين) Ab rain، و Av rain
و(آبْ رين) ومختصرها (آبْ رى) تعني بالكردية (الماء الجاري).
جاء (آبْ رى) اسماً لنهر عفرين في مدوّنات العهد الآشوري.
ولا ريب أنه كان معروفاً قبل ذلك العهد بكثير.
عفرين سلاسل جبلية تتواكب، وتتالى.
سلاسل جبلية تمتد.. وتمتد.. فتملأ الأفق.
سلاسل تخترقها الوديان، وتتوسّطها السهول.
سلاسل تزدان بأشجار الزيتون يجلّلها الوقار وعبق التاريخ.
تناجيها هنا وهناك أشجار السرو والتين والكرمة والجوز اللوز.
كي ندرك جماليات عفرين ينبغي أن نعيَ جماليات الزيتون.
إذا مررتم بشجرة زيتون لا تتعجّلوا.. تمهّلوا.
توقّفوا في حضرتها هنيهة.. تأمّلوها.. باركوها.
في شجرة الزيتون تلتقي الوداعة بالمهابة والجلال.
الجمالي والمقدّس يتوحّدان في مشهد شجرة الزيتون.
كان غصن الزيتون أول رموز الحياة بعد الطوفان.
وغصن الزيتون هو رمز عالمي إلى السلام البشري.
وللزيت حضور في الطقوس والمعابد منذ أقدم العهود.
هذه الحقائق بحاجة إلى قراءات جادّة بعيداً عن التسرّع.
2 – قريتي الهاربة.
في التخوم الشرقية من عفرين تقع قريتي.
إنها تسند ظهرها إلى السفح الغربي لجبل ليلون.
تبدو كأنها مسافرة متعَبة جلست تلتقط أنفاسها.
أو كأنها تحتمي بأكناف الجبل من خطر مجهول.
في منتصف القرن العشرين كانت قريتي شبه معزولة.
جبلان متجاوران يفصلانها غرباً عن حوض النهر.
وسلسلة جبل ليلون تفصلها شرقاً عن سهول عزاز.
القرى تنعزل ما لم تقع في سهل مفتوح الجهات.
وتصبح أكثر عزلة ما لم تقع على الطرق العامة.
وهكذا كانت قريتي.
شيوخ قريتي كانوا يعشقون العزلة.
لا أعتقد أنهم كانوا حمقى.
ولا أحسب أنهم كانوا أغبياء.
كانت لهم في زمنهم حساباتهم الخاصة.
والحسابات الخاصة نتاج الظروف الخاصة.
لعلهم اختاروا العزلة ليكونوا بمنأى من رجال العهد العثماني.
وليتفادوا زيارات الدرك المفاجئة في عهد الاحتلال الفرنسي.
3 – هاوار!!
قريتي محاطة من الجهات الأربع بسلاسل جبلية.
في شرقيّها تمتد سلسلة جبل ليلون الأشهب الوقور.
وفي الأفق الغربي القريب تنتصب سلاسل جبال (هَشْتِيا).
على هذه السلاسل نُبصر إشراقات الشمس مع كل صباح.
ومن على قممها نودّع شمس يوم من العمر مع كل مساء.
وفي الأفق الغربي البعيد تنتصب سلسلة جبال أمانوس.
جبال شامخة.. مهيبة.. متصاعدة في السماء.
سمّاها العرب في الإسلام (جبل اللُّكّام).
جذور هذه التسمية غير معروفة.
وسمّيت في العهد العثماني جبل (گاوِرْ داغ= جبل الكفار).
لا أدري لماذا أُلبست هذه الجبال الجليلة تلك التسمية المنفّرة.
لعلها تسمية متوارثة منذ ألف سنة.
حينما دخل السلاجقة آسيا الصغرى أول مرة.
وغسلوا أقدامهم وسيوفهم في مياه البحر المتوسط.
حينذاك كان الروم والأرمن يسيطرون على تلك الجبال.
ويسمّي الكرد تلك السلسلة (چيايى گَوْر) chiyayai gewr.
وتعني هذه التسمية: (الجبل الأبيض).
إنه جبل أبيض حقاً.. إنه ناصع البياض.
لا تفارق الثلوج الكثيفة قمته شتاء ولا صيفاً.
للتسمية العثمانية دلالة دينية سياسية.
وللتسمية الكردية دلالة بيئية جمالية.
وشتّان ما بينهما!
وفي الأفق الشمالي تنتصب جبال (هاوار).
إنها سلسلة طويلة مكسوّة بالأشجار الجبلية.
ولا أدري لماذا أُطلق هذا الاسم التراجيدي عليها.
فلكلمة (هاوار) بالكردية دلالات تراجيدية عميقة.
وتعني من جملة ما تعني: وا غوثاه!.. يا ويلاه!.. يا لهول الكارثة!
ولا يُطلق الكرد صرخة (هاوار!!) إلا في الأحداث الأليمة الكبرى.
وفي الأفق الجنوبي تنتصب سلسلة جبل سمعان.
وفي أعلى قممها يشمخ مزار يحمل اسم (شيخ بركات).
من هو (شيخ بركات) هذا؟!.. لا أحد يدري.
كان المزار قبل الميلاد معبداً لإله وثني سوري قديم.
وفي العهد الروماني صار معبداً مسيحياً.
وفي الإسلام صار مزاراً يسمّى (شيخ بركات).
هذا هو جوهر التاريخ!
حضارات تتبادل المواقع.
وثقافات تتنافس وتتوارث.
وأسماء تتغيّر عبر القرون.
أما الجبال فباقية كما هي.
4 – ذكريات!!
في أزقّة قريتي لهوت مع الصبية.
وفي مرابعها لعبت في كل الفصول.
وفي ساحاتها شهدت الأعراس والدبكات التراثية.
وسمعت أغاني (دلال)، و(عَيْشى)، و(مَيْرُو)، و(گُلا زَرْ).
وعلى بيادرها تدحرجت، وبين سنابلها اختبأت.
تسلّقت فيها أشجار التوت والدُّلْب والحور والجوز.
ولاعبت فيها الحملان والجِداء والعجول.
وفي بساتينها تجوّلت، ومن تينها وأعنابها أكلت.
وعطورَ نرجسها وبنفسجها ووردها الجُوري شممت.
ومن جبلها جمعت جذور ال (بيفوك) وال (گيزبَلُّوكْ).
في أحضان بحيرة (عين دارا) رميت نفسي بعشق.
وفي أكنافها خضت سباقات السباحة مرة تلو أخرى.
وعلى أعشابها الطرية شاركت في المصارعات الودية.
وبجانبها جلست.. وقرأت.. وداعبت صغار السمك.
وفي جنباتها شهدت أفواج أبناء المدن المصطافين.
سيارات فارهة!.. ثياب جميلة!.
حفلات شواء سخيّة!.. ضحكات أنيقة!.
آلات موسيقية غريبة أين منها (الطبل) و(الزُّرْنا)؟!
كان أولئك المصطافون يبدون وكأنهم آتون من عالم آخر.
عرفت بعدئذ أن عالمهم كان مختلفاً حقاً عن عالمنا الريفي البسيط.
على ضفاف نهر عفرين Av rain رعينا الخراف والجداء.
وبمياهه المنحدرة من سفوح جبال الشمال اغتسلنا.
وعلى رماله الناعمة تضاحكنا وتدافعنا وتطاردنا.
ومن طينه شيّدنا قلاعاً، وفيها حفرنا أنفاقاً وكهوفاً.
وفي سهله الشرقي نثرنا عَرَقاً غزيراً.
وزرعنا خضاراً وقمحاً وقطناً.
وما حصدنا إلا التعب والكَفاف.
شهدت النهر في الصيف والخريف رقراقاً وديعاً.
وشهدته في الشتاء وأوائل الربيع غاضباً مزمجراً.
إنني في النهاية ابن السهل والجبل.. ابن النهر والبحيرة.
أجدني تارة هادئاً وديعاً ليّن العريكة كالبحيرة والسهل.
وأجدني تارة صعب المراس غاضباً كالجبل والنهر الفائض.
يقول علماء الجغرافيا البشرية: الإنسان ابن بيئته.
ويبدو أنهم على حق.
5 – أمر غير معقول!
قريتي كانت عالميَ الأصغر.
ثم كان الانتماء إلى عالم أكبر.
عفرين كانت بوّابتي إلى العالم الأكبر.
في مدرستها الابتدائية عرفت المقعد والسبّورة.
وهناك التقيت أساتذة قادمين من مدن أخرى.
أناسٌ كانوا يختلفون عن أهل قريتي!
أناس بهندام مرتّب، وشعر مصقول، وأحياناً بنظّارات أنيقة.
أناس نادراً ما كانوا يتواضعون، وكثيراً ما كانوا يتعالون.
أناس لا أستطيع أن أنسى وجوههم الوقورة الصارمة.
أناس لا تمرّ أخيلتهم بذاكرتي إلا وأجد العصي في أيديهم.
أستاذ بلا عصا؟!!.. أمر غير معقول!
كنا صبية مساكين.
كنا مرميِّين بين أضراس الزمن.
لا حول لنا ولا قوة.. لا رأي لنا ولا إرادة.
رمانا أهلنا بين أيدي الأساتذة قائلين: اللحم لكم.. والعظم لنا!
كانت الفلسفة التربوية تقوم على مبدأ: العصا أولاً والعصا ثانياً والعلم ثالثاً.
كان أستاذنا فتحي يعدّ سماع أصواتنا، وهو قادم إلى الصف، جريمة نكراء، وكانت العقوبة الطبيعية لهذه الجريمة هي (الفَلَق) للجميع، المذنب منا والبريء، كان يأمرنا جميعاً أن نضع أرجلنا على المقاعد، ثم يمرّ علينا واحداً واحداً، وهو يهوي على أقدامنا الصغيرة المتّسخة المرتجفة بما طاب له من ضربات بعصاه القاسية.. عدالة ولا مثلها عدالة!..هنالك كان البكاء وصرير الأسنان!.. لم تكن تجدي التوسّلات الحارة، ولا النشيج العميق، ولا صرخات الاستغاثة، لم أكن تلميذاً مشاغباً قط، كنت على الدوام تلميذاً نموذجياً.. لكن ثقافة القهر كانت قد هيّأتني بجدارة لقبول كل ما يحيق بي من مظالم.
وكان أستاذنا سعد الدين خبيراً بفنون الترهيب، ضليعاً في طرائق بثّ الرعب في النفوس، كانت عصاه الطويلة المجنونة تتفاعل مع عباراته الموزّعة بين التهديد والسخرية اللاذعة، فتجعل القلوب تخفق، والأعين تجحظ، والأبدان ترتجف، والألسن تتلعثم، والأيدي تحمرّ، والأقدام تتلوّى، والصرخات تتعالى، والدموع تتطاير في كل اتجاه.
وكان.. وكان!
لم يسألنا أحد عن بطوننا الخاوية.
ولم يرثِ أحد لأجسادنا المتعبة.
ولم يقرأ أحد وجوهنا الشاحبة.
ولم يتفهّم أحد آلامنا المكبوتة.
ولم يُعنَ أحد بأحلامنا المهدورة.
الجميع مهتم بامتلاك هياكلنا المكدودة.
اللحم لهم.. والعظم لأهالينا!!
ولا شيء لنا!!!
6 - ثقافة العصا.
لا أزعم أن جميع أساتذتنا كانوا هكذا.
كان بعض الأساتذة يأخذوننا بالرفق واللطف، لكنهم كانوا قلّة.
كان المناخ العام هو مناخ السخرية والتهكّم والضرب والقهر والقمع، كان التعليم يتمّ بالقوة والإكراه.. أقول بصدق: كان التعليم تعذيباً.. كان سلباً للإرادة ومحقاً للشخصية، ومن يتمرّد كان يُضرَب ويُضرَب، ثم يُرمى به خارج المدرسة.. إن تقصيراً بسيطاً في حفظ درس، أو حركةً لم يرض عنها الأستاذ، أو ابتسامةً لم يعرف الأستاذ سببها، أو خطأً في عملية حسابية أو في إعراب كلمة؛ كان ذلك كله كفيلاً بأن يجرّ علينا الإهانات والعقوبات.
واكبتنا العصا طوال رحلتنا التعليمية من الابتدائي إلى الثانوي، كنا نكبر، وكانت العصا تكبر معنا.. عرفت بعدئذ بسنوات كثيرة أن للعصا في تراث شرقنا موقعاً مرموقاً، علمت أنها ثقافة قائمة برأسها، وأن ثمة أقوالاً شهيرة في شأنها؛ منها: "العصا لمن عصى"، و" العصا من الجنّة"، و"الابن يحمل عصا أبيه"، و"فلان يريني العصا من تحت العباءة". وجاء في الأمثال أيضاً: "هذه العصا من تلك العُصيّةْ، ولا تلد الحيّة إلا الحيّةْ" ! وقال أحد الشعراء:
العبــدُ يُقرع بالعصا والحرُّ تكفيه الإشــارةْ
وقال المتنبي:
لا تشتر العبد إلا والعصا معه إن العبيد لأنجاس منـاكيدُ
وكنا نقرأ أن أحد الحكماء رغب في حثّ أبنائه على الاتحاد، فجاء برزمة من العصيّ، وطلب من كل واحد منهم أن يكسرها، فعجز الجميع، ثم وزّع على كل واحد منهم عصا واحدة، فكسّر كل منهم العصا بسهولة. هكذا إذاً!.. الحكمة تؤخذ من العصا!!.. ولم أعجب بعدئذ حين علمت أن الجاحظ شمّر عن ساعديه، وأتحف المكتبة العربية بصفحات حول (فضائل العصا)!
أقولها بمرارة: نحن خرّيجو ثقافة العصا!
وهل تخرّج ثقافة العصا إلا الأشباح والعبيد؟!
7 – إيديولوجيا القمع.
بلى .. كنا نتشرّب رغماً عنا ثقافة العصا، وكانت ثقافة العصا هذه جزءاً من إيديولوجيا القمع، كنت أظن أن عصر زياد ابن أبيه والحجّاج بن يوسف الثَّقَفي قد انتهى، لكن كنت على خطأ، وبعد نحو ألف وثلاثمئة وخمسين عاماً كان التاريخ يعيد نفسه، ففي سنة (45) هجرية دخل زياد البصرة والياً، وأبدع خطبته القمعية المعروفة باسم (البَتْراء)، وقال فيها من جملة ما قال: " وإنّي لأقسم بالله لآخذنّ الوَلِيّ بالوَلِيّ، والمُقيم بالظّاعِن [الراحل]، والمُقبِل بالمُدْبِر، والصحيح منكم بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه، فيقول: انجُ سعدُ فقد هلك سعيد!".
وفي سنة (75) هجرية دخل الحجّاج الكوفة والياً على العراق، وأمر باجتماع الناس، واعتلى المنبر متلثّماً، ثم أزاح اللثام عن وجهه وهو يتمثّل بقول الشاعر:
أنا ابنُ جَـلا، وطلاّعُ الثنايا متى أضعِ العمـامةَ تعرفوني!
وقال من جملة ما قال: " وإنّي لأرى رؤوساً قد أينعت، وقد حان قطافها، إنّي لأنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى".
كان بعض أساتذتنا يجسّدون زياداً والحجّاج وغيرهما من مبدعي إيديولوجيا القمع، كانت أجسادنا ثماراً يانعة، وكان لهم أن يعملوا بها ما يشاؤون، وكنا بالنسبة لهم حقلاً مفتوحاً لتجريب إبداعاتهم القمعية، ولا عجب؛ إن أساتذتنا أنفسهم قد مرّوا- ولا ريب- بالتجربة نفسها عندما كانوا تلامذة مثلنا، وكان أساتذتهم قد مروا بالمحنة ذاتها أيضاً، وهكذا دواليك.
يا لبؤسنا!
ريثما تعلّمنا دفعنا ثمناً باهظاً جداً.
كان علينا أن نتعلّم ونتعذّب ونهان.
كان علينا أن نبتسم وقلوبنا تبكي.
وأن ندخل عالم المعرفة عبر بوّابة القمع .
8 – سِفْر العبور.
أقدام الجبال منغرسة في الوديان والوهاد العميقة.
لكن قممها تتشامخ أبداً نحو النجوم، وتتعالى على السحب.
جذوع الدّلْب والحور والسرو والصفصاف غائصة في الطين.
تنهشها الديدان، وتعبث بها الحشرات، وتستخفّ بها الثعالب.
لكن ذراها العالية تحتضن النسور، وتعانق الهواء والضياء.
الحجر الذي يرفضه البنّاؤون قد يصبح رأس الزاوية.
ومن يدري؟!!
قد تكون قريتي الهاربة.. وعفرين المنزوية..
وثقافة العصا.. وإيديولجيا القمع..
جسراً للعبور إلى العالم الأرحب؟!
(أشكر كل من قرأ هذه الحلقات، والنية قائمة على أن تصبح كتاباً مطبوعاً خلال الأشهر القادمة بعون الله، وإلى لقاءات أخرى مستقبلاً).
15 - 8 - 2005 الدكتور أحمد الخليل dralkhalil@hotmail.com
========================
عفرين .. بوّابتي إلى العالم
(الحلقة التاسعة والعشرون)
سِفْر الخروج إلى مكان تحت الشمس!
1 – بطولات وهزائم.
بعض ما أقوله قد يكون قاسياً.
وأعلم أن بعضه قد يكون مزعجاًً.
هذا رغم نفوري الشديد من القسوة، وكرهي الشديد للإزعاج.
لكن ما يشجّعني على القول هو أمران:
- أولهما أني لم أتعمّد في حياتي قط أن أقسو على الآخرين أو أزعجهم رغبة في التشفّي أو حباً للإيذاء، وأعدّ هذه السلوكيات شكلاً من الضعف وضرباً من الانحطاط.
- وثانيهما أن ما قد يبدو في بعض أقوالي من قسوة هو في جوهره محاولة للتطوير، وسعي إلى الارتقاء، أفلا ترون أن صعود القمم الشامخة يتطلّب تحمّل شيء من القسوة؟!
وقد اعتدنا – نحن الجيل الموجِّه والمرشد وجيل القدوة؛ سواء أكنا آباء أم كنا في أي موقع ريادي آخر – أن نجود على أولادنا وحفدتنا بالحديث عن الجانب البطولي في أشخاصنا: كيف تغلّبنا على الصعاب والمشقات؟! كيف أصبحنا أغنياء بعد أن كنا فقراء؟! كيف انتقلنا من حضيض الجهل إلى قمم العلم؟! كيف صمدنا للتحديات؟! كيف ألحقنا الهزائم بمن أراد لنا الشر؟! كيف؟!.. وكيف؟!.. إلخ.
ولا ريب أن الحديث عن البطولات – إذا كانت حقيقية، وإذا عرضناها بأحجامها وفي فضاءاتها الواقعية- أمر مفيد، ومن الضروري أن يعرفها الأجيال، ففي ذلك تحفيز لهم إلى السير قُدماً في مراقي الفلاح، وتشجيع لهم على الصبر والثبات وقوة العزيمة وشدة المراس، وفيه بثٌ للأمل في نفوسهم حين تجتاحهم الشدائد من كل حَدَب وصوب.
ولا ريب أيضاً أن مسيراتنا الحياتية لا تخلو من الإخفاقات، وفيها كثير من الهزائم، وأحسب من جانبي أنه من الضروري الوقوف وقفة واقعية نقدية عند بعض هذه الإخفاقات والهزائم على أقل تقدير؛ إذا لم نجرؤ على الوقوف عند جميعها، وأن نستعرضها أمام أولادنا وحفدتنا كما هي، من غير تعديل ولا تجميل، ولا تحوير ولا تزوير، وحتى من غير شعور بالنقيصة أو الهوان.
وأحسب أن ممارسة كهذه شكل راقٍ من أشكال البطولة أيضاً.
2 – سِي السيّد!!
ومنذ أن كنت في عهد الشباب لفت انتباهي شخصية (سيّد عبد الجواد) – ولعلي لم أنس اسمه الصحيح- في ثلاثية الروائي المصري الشهير نجيب محفوظ، فإن (سِي سيّد)- كما يقول الإخوة المصريون بلهجتهم الظريفة- هو من أبناء الطبقة القاهرية المتوسطة، وهو يحرص كل الحرص على الظهور أمام أسرته بصورة ملؤها الوقار والرزانة والفضيلة والتقوى، إلى درجة أن الجميع كان يشعر إزاءه بالهيبة والرهبة، وينظرون إليه كما كان القدماء ينظرون إلى أشباه الآلهة.
أما في خلواته الخاصة مع أصحابه المقرّبين، وفي سهراته الليلية بعيداً عن الأسرة، فكان (سي سيّد) ينسجم مع نفسه، ويظهر على حقيقته، ويطلق العنان لنزعاته الفردية، بل كان ينساق خلف شهواته، ويعبّ من الخلاعة والتهتّك حتى الثّمالة.
وأحسب من جانبي أن نجيب محفوظ كان ذكياً في تركيز الضوء على هذا الجانب العجيب من الشخصية الشرقية، بل أعتقد أنه كان من خلال (سيّد) يفضح تلك الشخصية، ويندّد بها، وينفّر منها. وبالنسبة لي أفهم من نمط (سيّد) أنه يجسّد ثلاث صفات انحطاطية بارزة، تتمثّل في:
- أنه لا يمارس ما يؤمن به.
- وأنه نتاج مجتمع الخوف.
- وأنه يعيش حالة انفصام في الشخصية.
3 – كيس إسحاق!
وكان هذا النمط الانحطاطي، على الدوام، عرضة للهجوم الشديد من قبل أصحاب النظرة الارتقائية، وكثيراً ما تناوله الأقدمون - ولا سيما الشعراء- بالقدح والتنديد؛ فهذا الشاعر العباسي عبد الصمد بن المعذَّل يقول في أخ له اسمه أحمد:
يُري الغُزاةَ بأنّ اللهَ همّـتُه وإنّما كان يغزو كيس إسحاقِ
وكان أحمد هذا قد أراد الغزو في سبيل الله، ضمن جيش إسحاق بن إبراهيم قائد جند بغداد، ثم ما لبث أن أنشد القائدَ قصيدةً عصماء يمدحه فيها، فمنحه هذا مئتي دينار [وهذا مبلغ كبير في ذلك الوقت]، ولما رأى أنه استغنى ترك المشاركة في الغزو، وغادر المعسكر عائداً إلى بيته.
وهذا شاعر آخر يسمّى محمود الورّاق [والوِراقة قديماً هي مهنة طباعة الكتب وبيعها] يقول في بعض من نهجوا النهج النفاقي الانحطاطي:
أظهروا للنـاس دِيناً وعلى الدينـار داروا
وله صـاموا وصلّوا وله حجّـوا وزاروا
لو بدا فـوق الثُّريّا ولهم ريش لطـاروا
[الثريا مجموعة من النجوم].
وقبل هذا وذاك قال أبو العتاهية في قصيدته الشهيرة التي وعظ فيها هارون الرشيد:
أحسنَ الله بنــا أنّ الخطايا لا تفوحُ
فإذا المستورُ من بين ثوبَيه فَضُـوحُ
4 – نحو التأسيس.
وأعلم أن لكل عصر هويته وخصوصيته.
وأن لكل طور تاريخي مقتضياته ومتطلّباته.
فهاتان حقيقتان لا يجوز القفز فوقهما بأي حال من الأحوال.
لكن ها نحن قد اجتزنا عتبة القرن الحادي والعشرين، فلا ينبغي أن نعيش بأجسادنا في هذا القرن، وننتمي بعقولنا وسلوكياتنا إلى القرن التاسع عشر، مع ضرورة الأخذ بالحسبان أن الزبد يذهب جُفاءً، وأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض، وبعبارة أدق: ينبغي أن نأخذ بالاعتبار أن قيم الحق والخير الجمال هي صالحة لكل عصر بهذا القدر أو ذاك، ومفيدة لكل جيل بهذه النسبة أو تلك.
وأحسب أنه حان لنا- نحن الآباء والأجداد والمعلمين والمرشدين والموجّهين والمنظّرين- أن نجتاز البرزح الذي تاه فيه (سي سيّد) سابقاً، وأن نكف عن الظهور بمظهر المعصومين أمام الأجيال اللاحقة، إننا بحاجة ماسّة إلى التأسيس لثقافة جديدة هي نقيض ثقافة (مجتمعات الخوف)، وتربية أجيالنا من خلال سلوكياتنا على تلك الثقافة، وفي سبيلنا إلى تحقيق هذا الهدف نحن بحاجة إلى جرعات من الواقعية، وإلى جرعات من التواضع، وإلى جرعات من الصدق، وإلى جرعات من الشجاعة، وإلى جرعات من الثقة بالنفس.
ولو تتبّعنا سِيَر الحكماء والعظماء لوجدنا أنهم كانوا يمتازون بهذه الخصال، وكانوا يمتلكون الشجاعة على استعراض هفواتهم وجوانب النقص في أشخاصهم ومواقفهم، بل كانوا يتلقّون إشارات الآخرين إلى ذلك النقص بطيب خاطر، وأذكر في هذا الصدد أن الحكيم الصيني الشهير كونفوشيوس (كونغ فودزه = المعلم كونغ) كان يسير ذات مرة منتقلاً من ولاية إلى أخرى وهو ينشر مبادئه وأفكاره وتبعه تلميذ له باحثاً عنه، ومر التلميذ في الطريق بفلاح صيني فسأله:
- هل رأيت كونفوشيوس؟
- لا أعلم .. لكن مرّ بي شخص طويل القامة، أعجف الجسم، كبير الأذنين، كان منظره يشبه منظر الكلب الضالّ.
أدرك التلميذ أن ذلك الشخص هو أستاذه كونفوشيوس، فلحق به، وروى له وصف الفلاح، فما كان من كونفوشيوس إلا أن قهقه ضاحكاً وهو يقول: " ما أروع هذا الوصف "!!
5 – الحبّة قبّة!!
وبطبيعة الحال لا أنسى القول المأثور – ولعله حديث نبوي صحيح-: " إذا ابتُليتم بالمعاصي فاستتروا ". ولا أنكر أن لكل إنسان في حياته هفوات قد تصغر أو تكبر، وأخطاء ربما أنه وقع فيها بسبب الجهل أو بتأثير نزوة من النزوات، وما أكثرها في الطبيعة البشرية! ولست ممن يطالب الناس بفضح أنفسهم، أو التشهير بها على رؤوس الأشهاد، فكل امرئ هو سيد نفسه، وله وحده الحق في أن يقول عن نفسه ما يشاء، وبالقدر الذي يشاء، وبالكيفية التي يشاء.
ولا أنسى أيضاً أن غالبية البشر، ولا سيما في مجتمعاتنا، يزهدون في نقل حسناتك، ويتوقون إلى إذاعة هفواتك، بل ثمّة من يتربّص بك، وينتظر بفارغ الصبر أن تبوح بنقيصة فيك، أو تذكر سلبية في شخصك، وحينذاك لا يعبأ ذلك المتربّص بما تتميّز به من صدق وصراحة ونبل وشهامة، ولا يقدّر لك رغبتك- عبر ذلك البوح- في إرشاد الآخرين إلى الأفضل، وحرصك على تجنيبهم مغبّة ما جنيته. وإنما سرعان ما يجعل من (الحبّة قبّة)، ويطير بما قلته فرحاً، ويبثّه شرقاً وغرباً على كل الموجات، بعد أن يضيف إليه من (التوابل) ما يشاء. وفي مثل هؤلاء قال الشاعر طُرَيح بن إسماعيل الثَّقَفي:
شراً أذاعوا، وإن لم يسمعوا كذَبوا
بلى، إن هذا الصنف من الناس قد يضطرك إلى البقاء في برزخ الخوف، وإلى الاستمرار في العيش بشخصيتين، إحداهما واقعية، والثانية مختلَقة، إن هؤلاء وأمثالهم هم صنّاع (مجتمعات الخوف)، وهم سدنته وكهنته، وهم الذين يشدّون البشرية إلى الخلف، ويحولون دون تقدّمنا بثبات نحو الإنسان الأعلى (السوبرمان)؛ الإنسان الذي دعا إليه الرسل والأنبياء والحكماء والفلاسفة العظام عبر مراحل التاريخ، ووصفه الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه بطريقته على لسان النبي الميدي زَرْدَشت، في كتابه (هكذا قال زرادشت)!
6 – مكان تحت الشمس!
ومنذ سنوات قليلة فقط قاربتُ مشارف الحقيقة.
أدركت أن أثمن ما نهديه إلى أجيالنا هو (المعرفة الصائبة).
لا شيء أعظم من (المعرفة الصائبة).
ولا شيء أقوى من (المعرفة الصائبة).
ولا شيء أجدى من (المعرفة الصائبة).
منذ ذلك الحين حاكمت نفسي، وقررت الانخلاع من النمط الانحطاطي الذي رمز إليه نجيب محفوظ بـ (سيّد عبد الجواد)، وبدأت أجالس أولادي بين حين وآخر، وأكفّ عن سرد البطولات التي أزعم أني أنجزتها، وشرعت أسرد نقاط الضعف في شخصيتي، وأحلّل الهفوات والأخطاء التي وقعت فيها، وكنت ألاحظ أن الدهشة تتملّكهم أحياناً، ولعلّهم كانوا يقولون في سرّهم:
هل من المعقول أن والدنا كان ضعيفاً إلى هذا الحد؟!
وكان جاهلاً إلى هذا الحد؟!
وكان متهوّراً إلى هذا الحد؟!
وكان أحمق إلى هذا الحد؟!
وكان غبياً إلى هذا الحد؟!
بلى لعلهم كانوا يقولون هذا وأكثر في سرّهم، ولعل نظرتهم السابقة إليّ كانت تتعرّض للزلازل والانهيارات والانكسارات، ولعل صورة البطل الذي لا يُقهر، والحكيم الذي لا يُخطئ، والملا ك الذي لا يُذنب، كانت تفقد جزءاً من بريقها أو كل بريقها، ولعلها كانت تتفحّم.
لكن ما يسعدني أنني بهذه الكيفية استطعت الخروج من (دائرة الخوف)؛ الخوف من نفسي، والخوف من أن أعرف نفسي كما هي، بكل ما فيها من مساحات مضيئة ومساحات مظلمة، وأنني بهذه الكيفية استطعت أن أعرف نفسي (معرفة صائبة).
إننا بقدر ما نثق بأنفسنا نكفّ عن تضليل أجيالنا.
وبقدر ما نصارحهم بحقيقتنا نخرج بهم من (مجتمعات الخوف).
ونساعدهم على أن يجدوا لهم مكاناً مرموقاً تحت الشمس.
(وإلى اللقاء في الحلقة الثلاثين والأخيرة).
3 - 8 - 2005 الدكتور أحمد الخليل dralkhalil@hotmail.com
====================
عفرين .. بوّابتي إلى العالم
(الحلقة الثامنة والعشرون)
لوحات عتيقة لا تفارق الذاكرة!
1 – بين عهدين!
لكل محطة في تاريخنا – نحن البشر- مذاقها ونكهتها وأهميتها.
ومن الخطأ تقويم (تحديد قيمة) زمن ما بعيداً عن شروطه التاريخية.
ولعقد الخمسينيات من القرن الماضي في قرانا أكثر من دلالة.
إنه كان زمناً فاصلاً بين عهدين:
- عهد القرية المنجمعة على نفسها إلى حد الالتصاق بالذات.
- وعهد القرية المنفتحة المنفلتة المندلقة إلى حد الهرب من الذات.
قبيل الخمسينيات من القرن الماضي كانت قرى منطقتنا- وربما معظم القرى السورية- أشبه بالجمهوريات الإغريقية، أقصد أن كل قرية كانت كياناً مجتمعياً قائماً برأسه، كان لها شخصيتها وسمتها الخصوصي، فالقرية الفلانية معروفة بالكرم، وقرية كذا مشهورة بالبخل، وأهل قرية كذا ثرثارون، وأهل قرية كذا معروفون بحب الفكاهة، وأهل قرية كذا شرسون أكثر مما ينبغي، وقرية كذا مشهورة بحفلات أعراسها, وهكذا دواليك.
بل وصل الانكفاء على الذات حداً أن أغلب الزيجات كانت داخلية؛ الأقارب من الأقارب، والقرية من القرية، ونادراً ما كانت عروس (تُستورد)، أو عروس (تُصدَّر)، وفي الحالة الأخيرة كان شباب القرية يستنفرون بقيادة (شيخ الشباب)، ويقطعون الطريق على القادمين من القرية الأخرى لأخذ العروس، ولا يسمحون لهم بالخروج من القرية والعروس معهم إلا بدفع (خُوّة) تعادل ثمن خروف، وكان هذا الإجراء رمزاً تقليدياً مألوفاً وسنّة متّبعة، وكان يتمّ في الغالب بصورة ودّية، لكن الأمور كانت تتحوّل إلى مشكلة حقيقية، حينما كان والد الصهر الغريب يتهرّب من القاعدة، ويفتقر إلى الحصافة الكافية.
2 – بركات المشاعية!
وقد قال شاعر صيني، عاش قبل الميلاد بقرون:
" أعمل حين تشرق الشمس.
وأنام حين تغيب.
أزرع حقلي لآكل.
وأحفر بئري لأشرب.
ففيم يهمّني سلطان الإمبراطور"؟!
والحق أن هذا القول يذكّرني بالحياة في قرانا خلال الخمسينيات من القرن الماضي.. لقد كانت كل قرية شبه مكتفية ذاتياً؛ فالنبعة كانت تزوّدنا بالماء العذب ليلاً ونهاراً.. البشر والحيوانات والشجر أحرار في أن يعبّوا من مياهها ما يشاؤون، لا عدّادات تحصي كل نقطة ماء، ولا فواتير حساب آخر كل شهر، بل كانت النبعة تراعي أحوال الطقس، فكانت في الصيف تقدّم لنا المياه باردةً، وفي الشتاء القارس كانت تنعم علينا بالمياه دفيئة.
وكانت الحقول تزوّدنا بالحبوب والخضار، وبقليل من الفواكه، وكانت قطعان الغنم والماعز والبقر تزوّدنا بالحليب واللبن والجبن والسمن وسائر المشتقات، إضافة إلى اللحم في مناسبات الأعياد والأعراس وحفلات الختان وفي المآتم. وما كان فناء بيت في القرية يخلو من الديكة والدجاج.
وكان معظم أثاث المنازل يُصنع ذاتياً أيضاً، كانت جداتنا وأمهاتنا وأخواتنا يقمن بتلك المهمة إلى جانب المهمات الأخرى الموكولة إليهن بحسب العرف والعادة، فكن يستغللن الأصواف والقطن لصنع الفرش والملاحف والمخدات والبسط وبعض أنواع السجاد والملابس.
وعلى الإجمال كانت العلاقات المعيشية في القرية تقوم على نوع من التكافل العفوي والمشاعية الفطرية، فمن يملك شيئاً كان لا يبخل به على من لا يملكه، هذا يفيض على الآخر من لبنه، وذاك من عنبه، وثالث من تينه، ورابع من زيتونه، وخامس من خضاره، وسادس من جبسه وبطيخه، وكانت العادة أن تتولّى كل أسرة أقاربها وجيرانها في الدرجة الأولى.
صحيح أن ظلمات الحرمان والشقاء كانت تخيّم على الحياة في قرانا.
لكن روحية التكافل كانت تفتح للمرء آفاقاً إنسانية مريحة.
3 – مسامير الرُّكَب!
وكان لكل فصل في قرانا حملاته، وأذكر منها حملات (دقّ البرغل) لفصل اللب عن القشر، ولا أجد تسمية أدقّ من هذه، إذ تسمى بالكردية (دانْ كُتانْ)، فالمعروف أن أهل القرى، في المجتمع السوري عامة، كانوا يعتمدون على خبز القمح والبرغل غذاءً رئيساً، وما كان الأرزّ يقدَّم إلا في الحفلات والمناسبات الخاصة، وفي هذا المناخ ولدت أمثال عامية، منها: (العز للرز)، والمثل القائل: (الخبز الحافْ بِعرّض الأكتاف)، [الحاف الذي يؤكل بلا إدام]، والمثل القائل: (البرغل مسامير الرُّكَب).
وجاء في كتب التراث العربي أن وفداً من العرب، قبل الإسلام، زار كسرى ملك فارس، وتكلّم زعيم الوفد فأحسن الكلام، فسألهم كسرى: ما هو طعامكم في بلادكم؟ فقالوا: البُرّ [القمح]. فقال كسرى: " هذا عقل البُرّ "!
وكان إعداد البرغل يمر بمراحل متعبة، إذ يجب غسل القمح جيداً، ثم تجفيفه، ثمّ طبخه يسيراً في قدر كبيرة جداً، ويسمّى حينئذ بالكردية (دانِهْ)، وبعد أن ييبس ال (دانه) يُنقل إلى ساحة ينتصب فيها جرن منقور في حجر ضخم يسمّى بالكردية (سُوقي)، ويقف كل مرة شابان حول الجرن مواجهةً، ويحمل كل منهما مهدّة خشبية ضخمة تسمّى بالكردية (ماكُوت)، وتُملأ الحفرة إلى منتصفها بالبرغل، ويُبلَّل بقليل من الماء، ثم يهوي الشابان عليه بالمهدّة، على نحو متتابع وبإيقاع منتظم.
ولم تكن هذه العملية تمر بصمت، بل كان الشابان يتبارزان، ويتبادلان نوعاً من الغناء الشعبي المتوافق مع إيقاع الضربات، الأمر الذي كان يضفي الحماس على العمل، ويبدّد الرتابة والشعور بالملل.
4 – للوجاهة ثمنها!
وكان للقرية رجالاتها، فالمختار هو الزعيم، وكان يُختار بالتوافق بين أهل القرية، آخذين بالاعتبار التقاطعات الفئوية في القرية، وكان من الضروري أن يكون المختار ثرياً على الغالب، راجح العقل، مسموع الكلمة، وأن يكون من العائلات القوية بعلاقاتها وامتداداتها.
ويساعد المختار في مهمته هيئة اختيارية مؤلفة من بعض الكبار المتصفين بالرزانة والحكمة، وكان من الضروري أن يتّخذ المختار (مضافة) [تسمّى بالكردية: أُودَهْ]، يقوم على الخدمة فيها شخص يسمّى (بَگْجي= حارس)، وهذه ال(أُوده) تكون مفتوحة لأهل القرية وللغرباء، سواء أكان المختار موجوداً أم غائباً، وتقدّم أسرة المختار للزوّار وللضيوف المأكل والمشرب وما يحتاجونه للنوم.
وإذا ابتلي المختار بزوجة بخيلة غير حصيفة كان عليه الإسراع بالزواج من أخرى كريمة لبقة، وإلا فسرعان ما كانت سمعته تهوي إلى الحضيض، ليس بين أهل القرية فقط، بل بين القرى الأخرى أيضاً، وعند رجال الدرك وموظّفي الضرائب.
وكان بعض الطامحين إلى الشهرة ينافسون المختار أحياناً، فيتّخذون مضافة، تمهيداً لأن يكون مختاراً في المستقبل، وقد زار أحد الظرفاء مضافة كهذه، وكان الوقت ظهراً، فقدّم له صاحب المضافة الشاي، وحان العصر، والضيف ينتظر الطعام، فجاءه الشاي مرة أخرى، فما كان من الضيف إلا أن نهض، وراح يقيس المضافة طولاً عرضاً بخطواته، فسأله صاحب المضافة متعجّباً:
- ويحك يا فلان! ماذا تفعل؟!
- أريد أن أعرف كم طول مضافتك وكم عرضها؟!
- ولِمَ تريد معرفة ذلك؟!
- لأبني واحدة مثلها، وأكون وجيهاً؛ فالوجاهة أصبحت سهلة.. مضافة وكأس شاي!
5 – زوّارنا!
وكان يرتاد قريتنا زوّار دوريّون، كانوا في الغالب ربيعيين وصيفيين؛ كان الإسكافي (أبو فارس) يحط برحاله تحت شجرة التوت الكبيرة إلى جانب النبع، ويبقى أياماً وهو يصلح لأهل القرية نعالهم لقاء قليل من المال. وكان الأرمني مراد يأتي مع كل ربيع لجلي القدور وسائر الأواني النحاسية، وطليها بالقصدير، وكان صحاب هذه المهنة يسمّى بالكردية (قِلينْجي).
وكان للغجر أيضاً توقيتهم الخاص، فينصبون خيامهم في ساحات البيادر، ويقوم رجالهم بصنع أنواع الغرابيل، وبعض الوسائل الزراعية الأخرى التي تدخل الجلود في صناعتها، في حين كانت نساؤهم يدرن على البيوت وهن يعرضن بضاعتهن من الإبر، والخيوط العادية والمطاطية، ومن الأزرار والأمشاط وغير ذلك.
على أن نساء قريتنا كن يبدين اهتماماً أكبر بزيارات العطار (عبد الجليل) إنه كان يرتاد القرية دورياً وقد جمع بضاعته في صندوقين خشبيين ضخمين، يحملهما حمار ضخم قوي، فتقبل النساء على ما في صندوقيه من صحون، وكؤوس وصابون وصودا وحنّاء وكبريت وخيوط، وغيرها، وكان العطار (عبد الجليل)- والحق يقال- بشوش الوجه، دمْث الأخلاق، ليّن العريكة، طويل الصبر، عفيف العين واللسان.
6 – صندوق الدنيا!
وإن أنس لا أنسى زائراً كان عزيزاً جداً على قلوبنا نحن الصبية، إنه حامل (صندوق الدنيا)، كان يأتي في العام مرة واحدة، يحمل صندوقه على ظهره، وينتقل به من ساحة إلى ساحة، فنتهافت عليه صبية وصبايا، بل كان أهلونا- ولا سيما الجدات- يشاطروننا تلك المتعة أيضاً؛ ولا عجب، فقد كنا منقطعين عن العالم، وما كنا ندرك في الأصل أن ثمة عالماً بالمعنى الذي نفهمه الآن. ولم نكن نعرف مذياعاً ولا سينما ولا تلفازاً، ولا صحفاً ولا مجلات مصوّرة.. إننا كنا نعبر إلى الدنيا عبر (صندوق الدنيا)!
وكان يكفي أن ندفع لصاحب الصندوق فرنكاً واحدًا [خمسة قروش]، فيسمح لأحدنا أن يُدخل رأسه في القطعة القماشية السوداء، ويطل عبر فتحة زجاجية صغيرة على عوالم عجيبة غريب: الكعبة بكسائها الأسود، الإمام علي بن أبي طالب وقد شطر بسيفه ذي الفَقار فارساً شطرين، عبلة في الهودج وعنترة على فرسه الأبجر ووجهه يتمعّر غضباً، الزير سالم وقد أشهر سيفه، أبو زيد الهلالي بشاربيه الغليظين المعقوفين .. إلخ.
7 – وللقرود رأيها!
ولا أنسى زائراً آخر كنا ننتظره بفارغ الصبر؛ إنه عارض القرد، لقد كان يدور على القرى صيفاً، وكان يركب في العادة حصاناً قوياً، ويمر بين البيوت بسرعة، وقد ربط القرد إلى مؤخرة السرج بسلسلة طويلة، وكان القرد يسير خلف الحصان تارة، ولكنه سرعان ما كان يقفز، ويستقر خلف صاحبه متمسكاً به، خوفاً من الصبية الشرسين والكلاب الغاضبة.
وكان منظر القرد الغريب يدهشنا، وكانت حركاته الرشيقة تستهوينا، فكنا نلاحق العارض حيثما سار، ونسير خلفه زرافات ووحداناً، ونحن نتحرّش بالقرد تارة، ونصيح به تارة أخرى بأصوات هي بين الخائفة والساخرة، فيهر القرد بغضب، ويزجرنا العارض بعصبية.
ولم يكن العارض يدور على جميع بيوت القرية، وإنما كان يقصد دار المختار والآغا فقط، فهما البيتان اللذان يستحقان الزيارة، لأنهما الأكثر ثراء، والأقدر على العطاء، وحال وصوله إلى فناء دار المختار كان ينقر على دفّه، ويغنّي للقرد، ويُصدر له الأوامر والإشارات، فيبدأ القرد بالرقص والقفز، والقيام بحركات بهلوانية مضحكة.
والفقرة الأخيرة كانت مسك الختام، إذ كان العارض يذكر اسم المختار مشفوعاً بالمديح، ثم يسأل القرد عن رأيه، فيقف القرد على رجليه الخلفيتين، واضعاً يده اليمنى فوق رأسه، شهادة منه بأن هذا المختار كريم ويستحق الاحترام. ثم يذكر العارض اسم مختار آخر، فكان القرد يحني رأسه إلى أسفل، ويرفع مؤخرته إلى أعلى، ويضع يده عليها، شهادة منه بأن ذلك المختار بخيل ويستحق الاحتقار؛ وهل كان من الممكن، أمام هذا الابتزاز، أن يتلكّأ المختار وأهله عن تقديم أفضل العطايا للعارض وقرده؟!
8 – عيب!!!
تلك لوحات عتيقة من صميم قرانا، وجدتُني منجذباً إلى تمريرها أمام مخيّلة أبنائنا وبناتنا، ليس كي يشفقوا علينا أكثر، وليس كي يسخروا منا أكثر، وإنما كي يفهمونا أكثر، وإلا فالكارثة الكبرى أن تبقى الأصول بلا فروع، وأن تنخلع الفروع من الأصول!
ولم يكن غرضي- وأنا أستعرض هذه اللوحات – هو تجميل صورة حياتنا في قرانا المنغلقة، فعالمنا ذلك كان يعجّ بالكثير من المساحات المظلمة، ولعلي أقف عندها يوماً ما بالتفصيل، ويكفي أنه كان عالماً منضوياً – بسبب ظروفه البدائية- تحت لواء الجهل والخرافة وضيق الأفق. لكن كان ثمة شيء واحد ومهم ينير تلك الظلمة الحالكة، وهو كلمة (عيب!!)؛ كان يكفي أن يقول الأب لابنه والأم لابنتها والكبير للصغير: (هذا عيب!!).
وها نحن قد خرجنا من القرية (المنغلقة)، وكان ذلك ضرورياً، وها نحن قد اندفعنا بقوة إلى القرية (الممتدة)، وكان ذلك ضرورياً أيضاً، لكننا- وأقولها بألم- دخلنا متاهة القرية (المندلقة)، فخسرنا المنظومة الأخلاقية التي كانت تجسّدها كلمة (عيب!!).
ألا ما أروع أن ترفرف كلمة (عيب!!) في قرانا من جديد!
(وإلى اللقاء في الحلقة التاسعة والعشرين ).
15 - 7 - 2005 الدكتور أحمد الخليل dralkhalil@hotmail.com
============================
عفرين .. بوّابتي إلى العالم
(الحلقة السابعة والعشرون)
أنت صاحب إمبراطورية.. فكيف تديرها؟!
1 – للإمبراطوريات ثمن!
الإمبراطورية دولة عظمى، تحكم شعوباً وقبائل كثيرة.
وفي تاريخ البشرية قامت إمبراطوريات، وزالت إمبراطوريات!
إمبراطورية آشور امتدت من الخليج العربي والهضبة الإيرانية شرقاً إلى البحر الأبيض المتوسط غرباً.
وإمبراطورية ميديا امتدت من أفغانستان شرقاً إلى آسيا الصغرى غرباً.
وإمبراطورية فارس امتدت من حدود الصين شرقاً إلى بحر إيجة غرباً.
وإمبراطورية الإسكندر المكدوني امتدت من أواسط أوربا غرباً إلى الهند شرقاً.
وإمبراطورية روما امتدت من إنكلترا غرباً إلى نهر الفرات وأرمينيا شرقاً.
وإمبراطورية بني أميّة امتدت من حدود الصين شرقاً إلى إسبانيا غرباً.
وإمبراطورية المغول امتدت من المحيط الهادي شرقاً إلى بلاد الشام غرباً.
وإمبراطورية بني عثمان امتدت من جبال زاغروس شرقاً إلى النمسا في قلب أوربا غرباً.
وإمبراطورية روسيا احتلت ثلث الكرة الأرضية في آسيا وأوربا.
وإمبراطورية بريطانيا حكمت أقطاراً وشعوباً في القارات الخمس، وما كانت تغيب عنها الشمس.
ولا تنشأ الإمبراطوريات بسهولة.. إن قيامها بحاجة إلى جهود مضنية؛ ودموع تُسال، وجراح تَدمى، ورقاب تُقطع، وقلاع تُدمَّر، ومدن تُستباح، وأهرامات من الرؤوس تُقام، وملايين من البشر تُشرَّد، وقوافل من الأسرى تُباع في أسواق النخاسة كما تباع الأنعام.
2 – اهدأ قليلاً!!
ولعلك تهمس متحسّراً:
- وأنا .. ماذا أملك من هذا العالم؟! أين أنا من سرجون الآشوري، وكيخسرو الميدي، وقورش الفارسي، والإسكندر الإغريقي، وهادريان الروماني، والوليد بن عبد الملك الأموي، وجنكيزخان المغولي، وتيمورلنك التتري، ومحمد الفاتح العثماني، وبطرس الأكبر الروسي، ونابليون الفرنسي، وملوك التاج البريطاني؟!
أجل، أين أنا من كل هؤلاء؟!!
حسناً.. اهدأ قليلاً، ولا تبتئس.. أنت أيضاً صاحب إمبراطورية.
حقاً أنت إمبراطور عظيم.. وإمبراطوريتك أكبر من جميع الإمبراطوريات؛ مع أنك لم تجرّد سيفاً، ولم تقد جيشاً، ولم تخض معركة، ولم تفتح حصناً، ولم تستبح مدينة، ولم تسفك دماً، ولم تقد أسيراً، ولم ترمل امرأة، ولم تيتم طفلاً.
إمبراطوريتك هي منحة من الله.
وكُتبت باسمك في الدنيا والآخرة.
أتدري ما هي؟!
إنها أنت.. إنها كيانك.. إنها ذاتك.
بلى.. حيثما تتنقّل إنما تتنقّل إمبراطورية بكاملها!
تتألّف إمبراطوريتك من حوالي ستين مليار خليّة، يموت منها كل ثانية حوالي خمسين مليوناً، فيحل محلّها خمسون مليوناً أخرى. وتضم إمبراطوريتك عشرات آلاف الكيلومترات من الأعصاب والأوردة والشرايين، يتجاوز طولها قطر كرتنا الأرضية. وفي إمبراطوريتك آلاف الأعضاء والأجهزة التي تعمل بنظام دقيق ليل نهار، فلا تكلّ ولا تملّ، ولا تتقاعس ولا تتهاون، ولا تطلب منك جزاء ولا شكوراً.
حقاً، أنت على رأس إمبراطورية مساحتها الكون، فلا أحد يضايقك، ومداها العمر، فلا أحد ينافسك.. فوّضك الله أن تكون فيها الحاكم الأوحد أمراً ونهياً، وإصلاحاً وتقويضاً، وتقديماً وتأخيراً.
3 – كيف تدير ذاتك؟
ولكل إمبراطورية:
- مكوّنات مادية هي الجغرافيا والرعايا والثروات.
- ومنطلقات مثالية روحية هي العقائد والقيم والتشريعات.
- ومقوّمات شعورية جمالية هي الآداب والفنون.
- وسياسات عملية هي القرارات والممارسات.
ولكل إمبراطورية مسؤوليات تتمثّل في تحقيق الانسجام والتناغم والتوافق بين هذه العناصر جميعها، وإلا فسرعان ما تتوالد فيها التناقضات، وتتفاقم فيها المشكلات، فتتمزّق وتصبح أشلاء، وتصبح الإمبراطورية بلاء على الإمبراطور نفسه وعلى الناس.
وكذلك إمبراطوريتك:
- مكوّناتك المادية هي جسدك ومظهرك.
- ومنطلقاتك المثالية والروحية هي عقيدتك وقيمك.
- ومقوّماتك الشعورية والجمالية هي أحاسيسك وعواطفك.
- وسياساتك العملية هي قراراتك وممارساتك.
و ما دمت صاحب إمبراطورية فكيف تديرها؟!
بلى.. كيف تدير ذاتك؟!
4 – تعال أحدّثْك!
إلى أن تقعد مع ذاتك، وتلملم شتات أفكارك، تعال أحدّثك عن تجربتي؛ فقد اكتشفت في وقت متأخّر أني صاحب إمبراطورية، ووجدت نفسي كمن عرف فجأة أنه صاحب كنز ثمين، لكنه جهل قيمته، وفرّط فيه، ولم يدرك حقيقته إلا بعد حين. ومع ذلك لا بأس! فوعي الذات متأخراً أفضل ألف مرة من الغفلة الأبدية.
ولأبدأ بجغرافيا الجسد؛ فإن لإدارتها مقوّمات ثلاثة:
- النظافة.
- والرياضة.
- والمأكل والمشرب.
أما النظافة فقد ربّتني عليها الوالدة- رحمها الله- منذ الصغر، وتلقّت هي تلك الخصلة من والدتها (جدّتي) رحمها الله، وبعد أن ازددت علماً تأكّد لي حقاً أن النظافة من الإيمان، وأن على المرء ألا يجعل من نفسه (سلّة مهملات) أو (كومة قاذورات)، لكن لا ينبغي أن يصبح مهووساً بالنظافة كالموسيقار الشهير محمد عبد الوهّاب؛ إذ كان كلما صافح شخصاً بادر إلى تطهير كفّه بالكحول (الإسبيرتو).
وأما الرياضة فكان لي شغف بها منذ الصبا، وكنا – نحن الصبية-نمارس في القرية رياضات فطرية؛ مثل الجري، وصعود الجبال، وهبوط الوديان، وتسلّق الأشجار العالية، وكانت هذه الرياضات تبني الجسم، وتمنحه الحيوية والمرونة، وتكسبه المتانة والصلابة.
وأذكر أن ساحات البيادر كانت (نوادي) لنا، نلتقي فيها لرياضة المصارعة، وهي رياضة حُرم منها اليوم أولادنا، وعلمت أن رياضة المصارعة كانت شائعة في قرانا سابقاً، وكان المصارعون المشاهير يدورون على القرى، ويدعون إلى المبارزة، بل كانت المصارعة من الفقرات الترفيهية الضرورية في ختام كل عرس.
وكنت - وما زلت- أنزع إلى الرياضات الفردية، كالسباحة والجري والمشي والتمارين وحمل الأثقال. وبما أن سكان القرى- بما فيهم أسرتي- كانوا يعدّون ممارسة الرياضة المنهجية ضرباً من الفذلكة، وخروجاً على الآداب العامة، كنت مضطراً إلى ممارستها ليلاً في أماكن منعزلة خارج القرية، وكان لي في كل موقع صخرة معيّنة لرياضة الأثقال.
وأذكر أني انطلقت في ليلة صيفية إلى وادي ليلون (جنوبي القرية)، وأتممت برنامجي الرياضي، وفي طريق العودة أحسّ بي راع عجوز، فظنّني حاطب ليل، وما تخلّصت منه إلا بصعوبة، خشية أن يعرفني، وإلا فإن الجميع – بما فيهم الوالد رحمه الله- كان سيتساءل: ماذا يفعل أحمد خارج القرية في هذا الوقت من الليل؟! وكانت الظنون ستتوالد، والشكوك ستتفاقم.
وما زلت إلى يومنا هذا محتفظاً بحبي لرياضات ثلاث: السباحة، والمشي، والتمارين. وأحسب أن ذلك مهم جداً للاحتفاظ بجسدي متماسكاً ونشيطاً وفاعلاً.
وأما المأكل والمشرب فمنهجي فيهما الاعتدال، والتزام قاعدة: (نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع)، أي لا نأكل إلى درجة التُّخَمَة. وأعلم يقيناً أن المأكل والمشرب ليسا هدفين، وإنما هما وسيلتان للاحتفاظ بالجسد حياً وحيوياً، وقادراً على التعامل والتفاعل مع المحيط والمواقف بكفاءة.
5 – نحو الجمال.
وأدركت أيضاً أنه لا ينبغي أن تكون إمبراطوريتي خلواً من الإيمان العميق، والمبادئ المثالية، والقيم السامية، وصحيح أني تلقّيت هذه الأمور في البداية، وعلى نحو اتّباعي تقليدي، من الوالد رحمه الله، لكن مطالعاتي أغنت هذا الجانب كثيراً، وجعلته أكثر نضجاً، وأجدى فاعلية.
وأعتقد أني أفدت كثيراً من قراءة سير الأنبياء والحكماء والمتصوّفة والفلاسفة، ومن تفاصيل حياة العباقرة والمشاهير في سائر المجالات، وفي ثقافات مختلف الشعوب. وأحسب أن إمبراطورية مجرّدة من المبادئ والقيم السامية، هي إمبراطورية منفلتة من العقال، وليس نهايتها إلا الخراب والوبال، إذ بالقيم السامية يصبح المرء جديراً بإنسانيته.
وكنت منذ عهد الصبا جيّاش العواطف، رقيق الأحاسيس، مرهف المشاعر، أفرح فأفرح بصدق، وأكتئب فأكتئب بعمق، وأغضب فأغضب بشدّة، وكنت أعهد هذه الصفات بوضوح في الوالد رحمه الله، ولعلّها انتقلت إليّ عبر الجينات الوراثية، إذ ألمحها في إخوتي وأخواتي أيضاً، وأحسب أن هذه الصفات كانت- وما زالت- وراء ميلي إلى العزلة، ورغبتي في تحاشي الناس الذين قد أصبح معهم في ورطات انفعالية وصدمات شعورية.
وكنت- وما زلت- أؤمن أن كل إهمال لتربية المشاعر الرقيقة والنبيلة، وكل إهمال لتنمية الأحاسيس الجمالية، إنما يعني الابتعاد عن الفطرة الإنسانية، والانسياق مع نزعات الفظاظة والجلافة والتوحّش.
وأحسب أن الطبيعة الساحرة، والشعر الأصيل، والموسيقا الرائعة، واللوحات الفنية البديعة، تسمو بمشاعرنا، وتأخذ بأيدينا إلى عالم الرقة والجمال، كما أنها تنقذنا من كوابيس الحياة، وتريح أعصابنا، وتصحّح اتّجاه بوصلتنا الإنسانية، وتمنحنا القدرة على الحياة بصورة أكثر تفاؤلاً وإشراقاً.
6 – حكمة سيريلانكية!
وقد أدهشني في هذا المضمار قول لطالبتي السيريلانكية (نَصيحة) منذ أشهر؛ إنها كانت ضمن مجموعة من الطالبات السيريلانكيات اللواتي أعلّمهن العربية، وكنت أدرّبهن على التعبير عن الذات، فقالت (نصيحة): أستاذي! أنا أحب رؤية الأزهار، ووجوه الأطفال؛ في الأزهار أجد الجمال، وفي وجوه الأطفال أجد البراءة.
قلت في نفسي: كم أنت متقدّمة شعورياً وجمالياً يا نصيحة!
حقاً، كي ترتقوا بمشاعركم الإنسانية، وبأحاسيسكم الجمالية، اقتربوا من الطبيعة، ادخلوا في علاقات جمالية مع الأشجار والأطيار، مع الأزاهير والفراشات والجداول، مع السحب والشفق، مع الهضاب والكثبان، مع الوهاد والجبال، ارموا بأنفسكم في أحضانها، تحدّثوا إليها، استمعوا إليها. ولا تنسوا وجوه الأطفال أبداً؛ وقد قيل قديماً:
إذا قالت حَذامِ فصدّقوها فإنّ القولَ ما قالت حَذامِ
وأقول على القياس:
إذا قالت (نَصِيحةْ) فصدّقوها فإن القولَ ما قالت (نصيحةْ)
7 – في الميزان!
ولتكن وقفتي الأخيرة مع سياساتي العملية في إمبراطوريتي، وكائناً من كنت، وفي أي موقع كنت، أقترح عليك أن تقتطع شهراً واحداً من حياتك، لاحظ كم من الأفكار فيه راودتك! وكم من الخواطر جالستك! وكم من الأحاسيس لابستك! وكم من العواطف اجتاحتك! وكم من المشاعر حاصرتك! وكم من المعضلات أشغلتك! وكم من العلاقات نسجت! وكم من القرارات اتّخذت! وكم من المواقف مارست! وكم من الأعمال أنجزت! وكم من الأهداف حققت!
ستجد نفسك أمام كمّ هائل من كل هذا.
وليس ذلك فحسب، بل أنت إزاء كل ما سبق في الميزان.. فقد تكون معرّضاً للنجاح أو للسقوط، وقد تصبح في القمة أو تتدحرج إلى الحضيض، وقد يقال فيك: ما أعقله! وما أنبله! وما أرقّه! أو قد يقال: ما أغباه! وما أنذله! وما أجفاه وأغلظه!
ولا تنس أيضاً أن إمبراطوريتك تتداخل- شئت أم أبيت- مع كيانات إمبراطورية أخرى لا تحصى؛ منها المسالم ومنها المتوحّش، منها المتنوّر ومنها الظلامي، منها النبيل والجليل والجميل، ومنها الدنيء واللئيم والقبيح، منها المحب الوفيّ المخلص، ومنها الكاره المناور الغادر. ولا ريب أن إدارة هذا الكم الهائل من العلاقات، مع هذا الكم الهائل من الكيانات، مسؤولية لا تنبغي الاستهانة بها مطلقاً، وهي بحاجة ماسّة إلى رؤية منفتحة، ومعرفة واسعة، وحكمة بالغة، وعقل راجح، وفكر متيقّظ. وكي تمتلك هذه القدرات والمزايا لا بد أن تضع لنفسك برنامجاً له ثلاثة أبعاد:
- بعد تثقيفي معرفي.
- وبعد تأمّلي تجريبي.
- وبعد تقويمي تطويري.
8 – مقترحات!
وأقترح عليك، عبر ثقافتي وتأمّلاتي وتجربتي، ما يأتي:
- لا تُرد لغيرك ما لا تريده لنفسك.