( آبدية حلم)

 

 لطالما حلمنا وزرعنا ورودا ً كثيرة ً في جنائن الخيال ورسمنا الجمال بأوجه ٍ مختلفة ولطالما وجدنا أنفسنا في عالم ٍ بلا حدود , لذلك كان لزاما ً علينا أن لانغوص كثيرا ً كي لا نتمسك بأوهام ٍ جميلة ٍ سيطرت علينا في فتراتنا الحرجة.

الحلم ُ أرض السحر والآوهام واليقظة أرض الواقع والآلام , عندما نستقيظ من نومنا العميق كم نتمنى أن نعود إلى أسرّتنا لنحلم من جديد ونخترق الآفاق, نمضي سنين ضوئية للوصول إلى ذاك الحب الضائع الذي بحثنا عنه طوال آعمارنا ولم نجده إلا في عالم ٍ مصنوع ٍ من ورق يزول بعود ثقاب . تبا ً لحلم ٍ لايدوم إلا بضع ساعات ٍ ومن ثم تتلاشى الستائر ونعود إلى صوت الجيران وصراخ الأطفال والباعة في شوراع الصراع.

ربما أفضل ما بيقى للمرء هو ذكرياته , فالذكريات هي التي تجرح وبنفس الوقت هي التي تداوي, عندما نتذكر جلسة الآصدقاء قبل عشرين عاما ً وهم جالسين حول مائدة الطعام يتبادلون النكات , عندئذ ٍ نتمنى أن يعود بنا الزمان إلى الوراء لكي نعيش تلك اللحظات من جديد , ولكن يبقى الآمر مجرد تصور لا أكثر .

أجمل ما في الحياة هي صورنا المعلقة على الجدران التي تنسينا همومنا وتعيدنا إلى ضفاف نهر ٍ عذب أو إلى علو جبل ٍ عليل النسمات أو إلى شتاء ٍ ماطر ٍ في ظل مظلة ٍ ضمّت أروع آحبة ٍ عاشوا قصصا ً في غاية الرومانسية . حياتنا صور ٌ , كل صورة ٍ لها مكانها وزمانها وألونها ونادرا ً ما تتشابه فيما بينها, فرائحة قطرات المطر ليست كرائحة ماء البحر , كل ُ له ميزته .

 

ياليت الحياة حلم ٌ طويل , ننام فلا نستيقظ آبدا ً وندخل إلى اللاوعي حيث البراءة والبياض اللامحدودين .

 

 

حلمنا يومــــــــا ً ...

أننا نملك ُ أنفسنا ....

أننا أحــــــــــــرار ٌ ...

أسرار ٌ بلا عقـــــد ٍ ...

ولكــــــــــــــــــــــن !!!!!!

شموع ُ السنين تـُشعل ....

تـُـطـــــــــــــــفئ  .....

ونحن ما زلــــــــنا ...

ننتظر ُ نورا ً هاديا ً ....

يقودنا إلى ذواتنا المفقودة ...

الهائجة ... المائجة منذ عقود ...

آوردتنا غدت ْ أوعية تفريغ ٍ للهموم ....

لا !! بل كل الغضــــــــب ....

كل التجــــــــــــهم ...

عقولنا أصبحت ساحات وغىً للأفكار ...

للأحجار الثقيــــــــــــــــــــلة ...

 

أحبة ُ في أعشاشهم حائرون ....

ناظرون إلى نجمة ٍ مارة ٍ ....

علها تنزل لتنسيهم .....

قباحــــــــات الآيام ...

وشر الآوغـــــــــاد ....

آيتها النفس ُ الحائرة اصطفي ....

هدئي من لوعتــــــــــــــــك ِ ...

وسيري بخطا أقدامك الذهبية .....

إلى المجــــــــــــــــــــهول ...

إلى مـــــــــــدارات ٍ .....

عنوان بوابتها : حلم ٌ جميل  ...

سيري يا نفــــــــــــــــــس ُ ...

إلى آحاديثنا القديمة ....

واذكري حنينــــــا ً ...

لطالما كنت ِ أنت ِ ....

ذاك المجهول القادم ...

  أكرم خورشيد / تيريج عفرين / 1 / 7 / 2008

======

 

( غزال ٌ في وجه القمر )

         

لاتلوميني على ماأنا قائل ُ

فذهني في حيرة ٍ واضطراب ٍ وقلق ِ

إن كنت ِ معذبتي فلك ِ ذلك َ

ولكن لاتقولي إنك ِ نجمتي

سلي آمواج َ البحر ِ عني

كم مرة ً لطمتني بين الآعين ِ

سلام ٌ من قلمي إلى القلوبِ البائسة

سلام ٌ فيه الليل ُ هو المتكلم ِ

احمليني ياصغيرتي دمية ً عاجية ً

لاتعرفُ سوى يدك ِ الحريرية الملمس ِ

هناك في المدى فتى ً واقف ٌ

ينظرُ ويتعجبُ من ذاك َ الجمال ِ الخارق ِ

كلي أمل ٌ أن تعودي يوما ً

وأعود ُ أنا لنهاري لليلي المظلم ِ

سماسمرةُ المجهول ِ قادوني إلى حدفي

أخذوا مني كل دقائقي الرائعات ِ

تهادتْ في النفس ِ كل ُ الخواطر ِ

ثم حلّقتْ بعيدا ً مع أسرابِ الحمام ِ

أنا في مضجعي أقولُ كلماتي

أخط ُ سطورا ً دامعة ً للأنجُم ِ

تلك َ المرأة ُ أنستني كل أسمائي

لا بل أنستني هموم َ قلبي المتألم ِ

ظلت ْ مخبأة ً في دمي نائمة ً

مجبولة ً برحيق ِ زهر ِ الربيع ِ المتبسم ِ

ضمّيني إليك ِ طفلا ً يبكي

ولاتجعليني صرخة ً في الوادي نادم ِ

خذيني إليك ِ قلبا ً ولبا ً

وازرعيني غصنا ً يابسا ً في المأتم ِ

كوني بجانبي وردة ً حمراء لائمة

واخر ِجي كل مافيك ِ بيومكِ المُغرم ِ

لاتنسي أمرء ً أبهرتيه يوما ً

وإن ْ فعلت ِ فلن يكون إلا ذاك المتشائم ِ

إنْ نطقت ُ بما لم تحبذيه ِ آبدا ً

تأكدي إني إليك ِ معتذرُ قادم ِ

ما كل ُ حقيقة ٍ تُبان ُ وقت َ وقعها

فربما الفؤادُ أحبك ِ وأنا لم أعلم ِ

الدهر ُ هكذا فرق ٌ فارق ٌ تفرّق ٌ

وتشتت ُ أفئدة ٍ كله ُ نابع ٌ من الألم ِ

أقف آحيانا ً هائجاً ملوعا ً

وأتفاجأ بأنني سابحٌ في بحرٍ من الآوهام ِ

أميل ُ إليها بكل نـُبل ٍ ورفعةٍ

واشتهي قطف َوردة ٍ من خدها المُلملم ِ

آتـُراني أصب ُ ملحا ً فوق َ جرح ٍ

أم إنني ما زلت ُ أسيرا ً للعنة ِ الحُلم ِ

أشباه ُ الحبيبات ِ تمرّدن على الحب ِّ

أخذنَ القلب وتركن َ القالب القصِم ِ

وماحاجة ُ المرء ُ للفؤاد ِ دون َ الحبيب ِ

فما عاد َ للسماء ِ زُرقة ٌ بتلبّد ِ الغيم ِ

صغائر ُ الأمور ِ شبيهة ُ خصلات ِ الشَعر ِ

إن ْ سقطت َ واحدة ٌ فالباقيات ُ لنْ تدم ِ

اهرب ُ من خيالي عساني ارتاح ُ

ولكن ْ لا آرى سوى أوراق ٍ من اللوم ِ

أبحث بين هنا وهناك عن وجودية ٍ

فلا أجد إلا فراغا ً بلا أسم

ِ 

                                               

                                                (غيّر داخلك لا خارجك)

 

عندما تنعدم الثقة بين الإنسان وأخيه الإنسان , فهذا يعني أننا على شفير هاوية الزوال لإننا لن ندرك معنى تلك الكلمة مالم نختبرها عن قرب. كل الكلمات يمكن أن تقال ولكن هل الفعل بسهولة القول؟ أكيد لا, لأن هناك دائما ًُ فرق ٌ شاسع ما بين إصدار القرارات وتنفيذها , فقول كلمة أحيانا قديتطلب جهودا ً إستثنائية , إذاً يجب أن نتعلم جيدا ً ما تحمله كل كلمة في طياتها من إيجابيات وسلبيات . المعادلة اليومية قد تقتل روح الإنسان , لأن هناك حالة من البرود والجمود اللامحدود. ليل ٌ فتشرق شمس ٌ , روتين يؤدى,بعض أمور الحياة تقضى , ومن ثم ماذا؟ هه , نعود إلى ليلنا , إذا ً ماهو التغيير الحاصل ؟ لاشيء مهم, التغيير كله يكون للخارج أما الباطن فيكون كماهو. التغيير كله منصب على اللباس والطعام والشراب وتبديل أفخم أنواع السيارات وتغيير آثاث البيت وإلى ما هنالك , إذا ً معادلة المجتمع واضحة تغيير المظاهر الخارجية آهم بكثير من تغيير دواخل الذات البشرية . أوقات ٌ كثيرة يهزني بكاء طفل في إحدى شوارع المدينة , وآغدو كئيبا ً أكثر من الكآبة نفسها .

 

                               يقال ( لايغير الله ما في قوم ٍ حتى يغيروا ما في نفوسهم)

المشكلة الفعلية هي في ذاتنا الداخلية , للأسف الشديد وصلنا إلى أيام ٍ يمكنني تسميتها بالفوضوية وعدم الإحساس واللامبالاة تجاه حقوق الآخرين . الكل اتجه نحو مصلحته بغض النظر عن النفع أوالضرر لمصالح جيرانه , ماهو المهم تحقيق الربح المادي ولو حطمت معنويات الآفراد المتأملين ذك الوميض الأملي البعيد. الآن في المجتمع هناك فئات مثقفة لابأس بها, هذه الفئات تعمل على توضيح أمور الحياة للفئات الجاهلة ولكن أين المشكلة ؟ المشكلة أنه قلة ٌ من الجاهلين يلتزمون بآقاويل المثقفين ومما يزيدهم جهلا ً هو انغماسهم أكثر في الجهل , وأيضا ً مما يزيد الطين بلة ً هو ترسيخ مبادئ جهلهم في المجتمع من خلال بث الأفكار المسمومة بين أبناء الطبقات الفقيرة الجاهلة بكثير ٍمن مناحي الحياة. فهنا أصبحنا وسط مجموعة من العميان الذين على أساس أنهم يرشدون بعضهم وإنها لقمة السخرية أن يرشد الآعمى آعمى ً آخر إلى ما هو صحيح وخيّر.

لطالما كانت هناك حالات من التشرذم المجتمعي , فهذا يعني أننا نواجه معضلة في صلب اختصاصاتنا المختلفة وعلى امتداد المعمورة. عندما نتغلغل بين الأسر , حينئذ ٍ سنتعرف على كل ماهو غريب ومجهول , وعندما ينعدم النقاش والحوار داخل الأسرة الواحدة , ذاك الوقت يعني أن لدينا مسائل بالغة الأهمية والجدية تواجه البشرية برمتها.

 

ماهو الواقع الآن ؟ معظم البشر يصبحون آباءً وآمهاتً ولكن هل الكل مؤهل لقيادة دفة السفينة وإيصالها إلى بر الآمان ؟ بالطبع لا. المشكلة تبدأ بالزواج المجبر أو المكره , إذا كان أساس البناء غير مدعوم بالإسمنت فعلينا أن نتوقع الإنهيار في كل لحظة , فعندما تكون المعطيات جليّة ً فالنتائج أيضا ً تكون كذلك . الزواج المجبر دليل ٌ على ضعف قدرة النفوس على الحكم في أمور مهمة ونتيجة ذلك الزواج مأساة حقيقية , تفرق الأولاد , الأب في طرف والأم في طرف وكذلك فتح جبهات من المواجهة بين ذوي الطرفين وأيضا ً ناهيك عن البهدلة أمام المحاكم وإلى ما هنالك من عواقب لا يحمد عقباها .

أولا ً وأخيرا ً الإنسان كتلة من المشاعر لايمكن قذفه ككرة وسط النار بالسهولة المعتقدة. علينا أن نكون حكماء لكي نتدارك النواقص ونقف على الإشكاليات التي من شأنها تدمير البنية الأسرية التي هي الخلية الرئيسية لتكوين جيل صالح لاسرته ومجتمعه وبلده.

 

تقع على عاتقنا مسؤوليات لايجب التهرب منها ولا بأي حال ٍ من الأحوال

تنشئة الآجيال مسؤولية الجميع وإذا تجاهلناها فإننا سنقع لا محالة في متاهات

ومطبات لا نهاية لها .  

                

                        فالحياة تبدأ بصرخة وتنتهي بدمعة                                

 

 بدايات النهار تكون مشرقة ولكن هل كلها بوزن الآخرى , دموع الليل تمحى مع آولى إشراقات الصباح , ربما تستمر وربما لا . كل المقاييس تقاس بدرجات صفاء ايامنا التي تلعب بنا ككرة في يد طفل اعتاد على اللعب بأي شيء. فالأيام تجعل من همومنا قصص وحكايات وروايات وتصنع من آقدارنا شخصيات خرافية بكل الاتجاهات حتى نحن أنفسنا نجهل صيرورتها إلا في حالة إصطدامنا بتلك الشخصيات على أرض الواقع , ذاك الحين لربما ندرك أنفسنا ووجودنا وحتى لحظاتنا السعيدة والحزينة . شريط الذكريات يعيدنا إلى نقاط ٍ مبعدة من تفكيرنا ووجداننا , فتعيد إلينا أزمنة ً مجهولة ومعروفة بنفس الحين. والمشكلة إننا نكون غير قادرين على استيعاب كل ما يتردد على ألسنة تلك الذكريات , نصطدم بوقائع ومجريات ٍ لم نخبرها بعد أو حتى لم نسمع بها , بذلك فإننا نضيع وسط زخم ٍ من التكهنات اللامحدودة التي تأتي واحدة ً تلو الآخرى , فتغدو عاجزا ً عن تمييزها ووضعها في أمكنتها المناسبة . فما من طير يهاجر إلا ويدرك مدى مخاطر ومشاق الدرب الذي سيسلكه . كل الامور تصبح معقدة حالما نعجز عن الإلمام بمكوناتها الأساسية . لكل أمر ٍ من تلك الأمور تدابيرها الوقائية , وهذا طبعا ً إذا كنا على دراية كافية ووافية بأسبابها ونتائجها البدائية والنهائية . النفس في الأرض تزعق , تصرخ بكل ما آوتيت من معاناة ٍ وقساوة ٍ , فالصراخ لا يأتي إلا من كل نفس ٍ متعبة ٍ مرهقة ٍ من إشكالات وصواعق الحياة الظالمة .  سنوات ٌ تمر والأولاد أصبحوا رجالا ً لا وبل لديهم أولاد ٌ أيضا ً , أي أولاد ٌ كبار ولديهم أولادٌ صغار , يالها من مفارقة جميلة أن تكون طفلا ً كبيرا ً يتذكر كل لحظة ٍ من لحظات طفولته. في كل يوم هناك أحلام ٌ تولد وتكبر وتولد بدورها آمالا ً ولكن فجأة ً تموت الأحلام وتموت الآمال وتغدو الأشياء على اختلاف أسمائها مجموعة ً من الكلمات العابرة التي تفقد معانيها بمرور الوقت.

 تأتي الصدمات جمعا ً ومتى؟

هه !!!!! في آوج تعاسة وحزن المرء , وهنا تعجز العقول عن التفكير وتبدأ المعاناة المريرة التي ترسخ آدواتها للنيل من كل شيء جميل وتغدو النفوس دمى ً متحركة مسلوبة الإرادة والحياة , فقط هياكل عظمية تعيش من أجل العيش مهما كانت الظروف , وأية ظروف , إنها قاهرة تضع كل من يخرج عن نواميس الطبيعة في سجن ٍ من الظلام وتجعله متمرنا ً , متدرباً على التحمل بدرجاتها القاسية .

الحياة تبدأ بصرخة طفل وفرحة أم ٍ وأب ٍ وبمستقبل ٍ مشرق وتنتهي براحة الروح عندما تنتقل إلى جوار بارئها وبصرخة الوالدين . الحياة آدوار , لكل ٍ دوره, ربما يكون طويلا ً وربما قصيرا ً , ولكن المهم أن له دور, يجب أن يلعبه بكل تفاصيله وتعقيداته , إنه أشبه بفيلم ٍ مخرجه الحياة وممثلوه من البشر , لكل ٍ دورٌ معروف لابد أن تمثل بدقة متناهية , ولكن الفرق هنا أن الفيلم يكون معروفا ً من قبل الجميع , بينما الحياة فيلم ٌ مفاجئ  , أحداثه مجهولة وآدوار الابطال غير معروفة , فالنهاية أيضا ً غير معروفة .

تيريج عفرين 4 / 5 / 2008

========

 

(  مساحاتٌ للبوح )

 
نادراً ما نستطيع أن نفسح المجال للساننا النطق بما يريد, نصنع أقفاصاً من الوهم ونسكن داخله بهواجس ٍ لا مثيل لها , بالنسبة لنا طبعا ً . داخلنـــا مجال ٌ واسع ٌ من الدوائر التي سرعان ما تنغلق بلمح البصر وتولّد هي بذاتها آلاف الدوائر التي تستمر إلى اللانهاية , وكل دائرة لها نقطة بـــــــــدء وانتهاء وحالما تنتهي واحدة , تبدأ الآخرى دورها من دون أن تؤثر على وظيفة صديقاتها, لها طريقها المحدد زمنيا ً ومكانيا ً. وهكذا هي حياتنــــــــا , دوائر غير منتهية تستمر بالتوالد حتى آخر لحظة من لحظات العمر. ما من شيء يولد ويموت إلا ويكون قد مرت عليه ساعات هبوب الرياح العاصفة التي تأتي كلما شعرت بالحنين إلى قبلات الجبال العالية , وتنحني الورود بكل وقارها وجمالها معلنة ً استسلامها , فاتحة ً أجنحتها لنسماتها الجليلـــة التي تقوى كلما تأخرت (فالهدوء الذي يسبق العاصفة يكون مخيفا ً ) .
في أقفاصنا البلورية ننظر بعين الرقة والألم إلى تلك المساحات الخالية التي نضيع فيها حالما تغيب النجمة الذهبية التي تخفي  وراءها غمـــوض وشرارة انطلاق اللحمة الآولى لحياة الكائنات الحية . من نوافذنا نتمعن ذاك الجمال الخارق الذي مارأيناه يوما ً على هذه الشاكلة إلا من خلال تلك المساكن الشفافة . فعندما نقتنع بأننا نعيش في ملاجئ ٍ زجاجية , فعلينا هنا أن لا نفرض قوة سواعدنا على آراء الآخرين , بل يجب أن نفرض قوة تفكيرنا . ينتابني شعور ٌ بأن الدفء إنما هو إحساس ٌ مرهف ٌ لاتحسها إلا النفوس الهادئة التي غالباً ما تكون صامتة ,سامعة, غير مدلية بــــــــأي

كلام ولاحتى مجرد رؤوس أقلام. الأحاسيس مقطوعة موسيقية تعزفها مجموعة ٌ من العازفين الماهرين المشبعين  بفطرة العشق لتلك العلامــــات الصاعدة  والنازلة التي تطرب سامعيها بمجرد العزف .

دقائق ٌ تهرع إلى المجهول وأعمارٌ تنقضي , ساعات حزن ٍ تتأطر بكابوس ٍ من الهلام الأسود , صراع ٌ بين الأرض والسماء , أزمنة ٌ فاصلة بيـــــن

 الوليد والكهل , أسئلة بلا أجوبة تنتظر حلولاً , ولكن من أين ؟ غير معروف, ومِن مَن ؟ أيضا ً غير معروف . كل شيء ٍ يصبح واقع ٍ بمجرد حدوثه

وفور إحساسنا به وبتأثيراته البعيدة والقريبة .

أن نقتنع أننا آرواح ٌ متحركة , فذلك سيتطلب منا جهدا ً عقليا ً أكثر وربما سنحتاج إلى المزيد من النظريات الفلسفية التي تنتمي إلى العوالم السحرية , دقائق ٌ وتنتهي ومن ثم نعود إلى حالتنا الطبيعية من دون الإفصاح عن أية نجاحات أو إخفاقات يمكن أن تنتج عن تلك الفلسفــــات .

بلحظات ٍ تجتاحني لمسات ٌ من ذكرياتي الرائعة بين أشجار الصنوبر الشامخة التي ما انقطعت قط عن زيارتها والشكوى إليها عن كل مافي نفسي

 من أشجان ٍ وأسرار ٍ لاتباح إلا لكل روح ٍ صامتة وهذا ماأسميه بصفاء النفس الخالدة , فما من مساحة ٍ نبوح فيها بهمومنا إلا لتلك المساحات الخضراء الامينة والمحصنة ضد أي محاولات ٍ لخرق المصارحات , وهنا تكمن قمة الروعة الحسية .

دائما ً نحتاج إلى تلك العزلة التي نفرضها على أنفسنا نتيجة ضغوط ٍ معينة , خارجية كانت أم داخلية, ربما تكون ناجعة وربما لا , ولكن خلال تلك العزلة تعيد الشخصية صياغة ملامحها وتعمل جاهدة ً أن تغير شيئاً ما من أجل الإحساس بلذ ّة الحياة .

الانغلاق داخل جدران ٍ أربعة إنما تمثل شعوراً بالرغبة في الابتعاد عن كل مامن شأنه أن يثبّط همة المرء وأيضا ً عن كل مجريات الآحاديث المزيفة الملفوفة بطبقة من السكر اللزج الذي لايزول إلا بتفكير ٍ سليم بنّاء قادرٍ على إزالته , واستبيان الحقائق لمن يبحث عنها ولكن المشكلة أنه ليس من السهل القيام بتلك المهمة, فالمهمة شاقة وتتطلب سرعة بديهة ٍ وقدرة ً فذة على اكتشاف الزيف واللغط في  الوقت المناسب وتوضيح نقاطها للعيان , والاخذ بعين الإعتبار أن كل حقيقة ٍ تمثل رمزا ً من رموز الإنسانية التي لاتقدر بثمن والتي من شأنها الإرتقاء بالمعنويات العامة إلى العُلا, فعندما يرى الآخرون بأن الحقيقة أصبحت سائدة , فبذلك تطمئن قلوبهم وتتوسع صدوروهم ويصبحون منفتحين على الحياة وفروعها الكثيرة.

الحقيقة كلمة تقال ولكن تكون قاسية في كثيرٍ من الأحيان وناردا ً ما نعترف بأننا مذنبون وكل ذلك نظرا ً لصعوبة إقرار النفس البشرية بأخطائها . نرى أناسا ً كثر يضغطون على آخرين للقبول بحقيقة ٍ ما في الوقت الذي يكونون هم في داخلهم غير راضيين ولا بأي حال ٍ  من الاحوال على تقبل حقيقة ٍ ما في حال إذا طُلب منهم فعل ذلك. إذا ً دائما ً هناك تفاوت في الإلتزام بالحقائق العامة , لا وبل إنكارها في أغلب الأحيان , فكل واحد ٍ يعتبر نفسه رمزاً ومثلا ً خال ٍ من العيوب والأخطاء وتراه يتكلم بلغة ٍ منمقة طنانة , يرشد الآخرين ويلومهم على فعل كذا وذاك وأحياناً كثيرة يوبخهم على أفعال ٍ معينة في الوقت الذي يكون هو مليء بالعيوب ولايستطيع التصرف في أمرٍ من أمور الحياة , ولكن ليست هذه المشكلة , فالمشكلة الحقيقية والتي يجب معرفتها أن الناس تكون مقتنعة بآراءه وتفكيره ونظرياته الفارغة, وهنا حتى يأتي أحد ٌ ما ويكشف خلفيته للآخرين يكون قد مر زمن ٌ طويل ويبقى المهم أن تعرف ماهية الجالس أمامك .

في الأزمنة الغابرة كان البشر في حال ٍ يرثى لها وذلك نتيجة المعتقدات السائدة آنذاك وكانت المعاناة في قمتها , جهل ٌ وتخلف وسوء إدارة . إذا تمعّنا في  التاريخ قليلا ً لعلمنا بأن شعوبا ً وأقواما ً كثر عاشوا وماتوا على هذا الكوكب وآخيرا ً ماذا كانت النتيجة : تعاقب الحضارات وتدوين أحداث الحروب والفتوحات . صحيح أن التاريخ يعيد نفسه ولكن ليس دائما ً , أحيانا ً كثيرة نكون على خطأ ونوهم أنفسنا بأننا على صواب وأن كل ما نفعله

هو للمصلحة العامة , ولكن الصائب هو أن أخطاءنا تكون قد قضت على معظم الإنجازات التي حققها الآخرون في وقت ٍ من الآوقات العصيبة ,

التاريخ أيضاً له نفس الميزة , يعيد نفسه عندما يشاهد خلللا ً ما في إحدى نقاط الحاضر . يجب أن نكون قادرين على الحفاظ على مكتسبات ونوادر أسلافنا الذين جهدوا كثيرا ً لتشييد صروح ٍ خالدة مازالت قائمة حتى الآن ( عمرانيا ً وفكريا ً وحضاريا ً ) ومن كل الجوانب التي تجسد قمة الحضارة. وكما يجب أن نتذكر دائما ً أنه مامن حاضر ٍ بلا ماضي , فالماضي هو أساس يبني عليه الحاضر فكره وقوانينه , إذاً فالتلاحم بين الحاضر

 والماضي يولّد مستقبلا ً زاهراً مليء بالتفاؤل والتقدم . صحيح أن المستقبل مجهول ولا يعلمه إلا الخالق ولكن علينا أن نتفاءل ونذلل العقبات

التي يمكن أن تعترضنا في الوصول إلى أقرب نقطة من الكمال الفكري , فالكمال لله ولكن يجب أن نفعل كل ما بوسعنا للإقتراب منه(من الكمال) ,

 فعندئذ ٍ نكون قد صنعنا خلودنا بأنفسنا وبنفس الوقت نكون قد مهدنا لجيل ٍ خيّر يفرق بين القوتين الاساسيتين: الخير والشر .. فعندما يتجاهل

الكل الظلام , ففي ذلك الحين سنضيع , فلابد أن أشعل شمعة ً لكي أنير لرفيقي ويقوم هو أيضا ً بإشعال آخرى وهكذا تشعل الشموع وتُزرع النور

 في القلوب والعقول وتغدو كل الوجوه ضاحكة مبتسمة فرحة , وبالتالي نكون قد حققنا ما نصبوا إليه .

 

 

                     فالحياة لاتكون جميلة إلا بزرع الخير والسلام والأمان في كل مكان

                                    ومعرفة مالنا وماعلينا من حقوق ٍ وواجبات

                                   والخلود لكل روح ٍ مغادرة إلى مثواها الآخير.

 

---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------- 

 

        ( في ظلال الياسمين )       

 

 

                          (1)